أودعت الحياة في جنبات دبي رجالاً اتخذوا الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة سبيلاً ومسلكاً، وعلى الرغم من قسوة الحياة وصعوبة الظروف ظلوا متمسكين بأصالتهم وقيمهم الرفيعة ليهبوها ميراثاً ثميناً للأجيال من بعدهم، وحقاً لم تخيب الحياة حسن ظنونهم ومنحتهم أبناءً حملوا جميل السجايا وأكملوا مسيرة الخير والأخلاق الفاضلة.

نسرد اليوم حكاية واحد من رجالات الخير بدبي، محمد بن أحمد عتيق المهيري، ولد ونشأ في حي الشندغة بدبي عام 1935م، درس في مدرسة الفلاح التي أسسها الشيخ محمد علي زينل في بر دبي، منذ نعومة أظفاره تعلم المهيري السعي وراء رزقه لمساندة والده في تأمين مصاريف الحياة.

وعندما أصبح المهيري شاباً يافعاً رافق المغفور له الشيخ محمد بن حشر آل مكتوم في زياراته وأسفاره وتعلم منه الكثير وسافر معه في رحلات تجارية إلى بلدان عدة، وبدأ المهيري يشق طريقه بنفسه ليعيل أسرته، وفي أوائل الخمسينات عمل لفترة وجيزة براتب بسيط في قطر وبعدها انتقل للعمل في سلطنة عمان إلى أن أصيب بأزمة صحية حادة فصحبه والده في رحلة علاج إلى الهند، وعندما وصل إلى مدينة المرج لتلقي العلاج التقى صدفة بالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، برفقة عبدالله الغرير وأقام معه في فيلا وتلقى فيها العلاج لدى طبيب باطني، وبدأ يستعيد عافيته خلال أشهر ثم انتقل إلى بومباي وظل في ضيافة سلطان بن علي بن عويس، رحمه الله، حيث بقي هناك فترة من الزمن إلى أن استرد كامل صحته.

عاد المهيري إلى دبي بعد صراع طويل مع المرض، وبعد أن استلهم من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، معنى النجاح والطموح، بات يفكر بطريقة ليشق حياته العملية في مجال التجارة بإمكانياته المادية المحدودة ورأس ماله الصغير، وراح يشتري بعض البضائع من دبي ليسافر بها إلى الهند ويبيعها هناك ثم يعود ببعض المنتجات والمصوغات والأحجار الكريمة ويبيعها في دبي بأرباح بسيطة، واستمر على هذا الحال لسنوات إلى أن تحسن حاله وأصبح تاجراً ناجحاً.

كان المهيري يتردد على مجالس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وتعلم منه الحلم والتمهل والتفكير بصبر قبل اتخاذ القرارات، وحدث المهيري أبناءه عن تواضع وكرم الشيخ راشد، رحمه الله، حيث كان يشاركهم المأكل والمشرب بطيب نفس وحسن خلق ورافقوه في زياراته وجولاته، ووصفه المهيري بالرجل الحليم النبيل، حيث أسهم في تحفيز الرجال على العمل وخوض التجارب لتحقيق الربح وتحسين الدخل، وقدم المغفور له الشيخ راشد الدعم الكبير للجميع وكان المهيري يخرج بصحبته في جولاته التفقدية للبنايات والمرافق والشوارع، وحينها دخل المهيري عالم المقاولات عندما سلمه إدارة بعض المشاريع في منطقة جميرا والعوير والهباب وغيرها، وهنا بدأت رؤية المهيري تنتقل إلى مستويات أعلى.

وفي رحلته الطويلة الحافلة بالجد والنجاح ولم تخل من التعب كان المهيري رجلاً كريماً معطاءً، خصوصاً عندما استقرت أوضاعه المادية لم يتوان أبداً عن وضع بصمته في مجال العمل الخيري، فبنى المساجد وأولها كان مسجد الشافعي مقابل شاطئ جميرا وحفر آبار المياه في الدول الفقيرة وعمل على رعاية الأيتام ودعم التعليم وبناء المدارس، وأوصى المهيري أبناءه بوقف بناية سكنية في منطقة البدع بدبي مؤلفة من أرضي وطابقين على أن يصرف ريعها على مختلف أعمال البر والخير.

كان المهيري رجلاً بشوش الوجه ضاحك المبسم على الدوام سعى جاهداً إلى خلق فرص العمل للمحتاجين، تعامل مع موظفيه بحب وكرم أخلاق وقدم الدعم لكل من حوله حتى أحبه الجميع كباراً وصغاراً، واتخذه أبناؤه والمقربون منه مثلاً أعلى في حسن التعامل وجود العطاء، وبعد وفاته استمر أبناؤه وبناته في تقديم الخير وبنوا له مسجداً كبيراً في منطقة الجداف بالإضافة إلى ثلاثة محال تجارية بجوار المسجد أوقفوها على المسجد والمحتاجين.

وعن والده يقول خليفة المهيري، علّمنا والدي الابتسامة الدائمة والتعامل بلطف مع الصغار والكبار وزرع في نفوسنا احترام الموظفين وتقديرهم، كان يمر يومياً على مكاتبهم ليلقي التحية بكلماته الطيبة وابتسامته المشرقة، مثنياً على أعمالهم وشاكراً لجهودهم، ويضيف خليفة أوصانا والدي على الدوام بتقصي الرزق الحلال وما زالت كلماته تتردد في مسمعي قائلاً: «درهم حلال ولا عشرة حرام»، وباتت وصيته مبدأ راسخاً ننتهجه وإخوتي في مسيرة حياتنا.

توفي المهيري سنة 2020 تاركاً وراءه أبناءً يسيرون على نهجه في دروب الخير والإنسانية، وفي كل فعل خير يقدمونه يقترن اسم والدهم محبة وإخلاصاً وبراً به، رحل المهيري ولكن أثره الطيب باقٍ ويثمر جوداً وعطاءً.