السكن مع الأهل والعيش في بيوت العائلة كان النمط السائد على مدار عصور طويلة، حيث كانت الأسرة الممتدة هي الشائعة، وخاصة في دول الخليج، ومع تغير أنماط الحياة، أصبحت الوحدة الأسرية الصغيرة المكونة من أب وأم وأطفال هي المفضلة لدى البعض؛ لتجنب المشاكل الناجمة عن تدخل بعض الأهالي في حياة الزوجين. وأكد خبراء ومختصون أسريون لـ«البيان»، أن بيت العائلة «الأسرة الممتدة»، لا شك، له إيجابيات ومميزات متعددة، وقدموا 6 نصائح لضمان استقرار واستدامة الأسر الممتدة وعدم اندثارها، مؤكدين أن هذه النصائح تضمن علاقات قوية وناجحة في كنف الأسرة الممتدة وهي: الأخذ بعين الاعتبار لدى النظر في طلبات الإسكان ما يتوافق مع دعم الأسر الممتدة، بحيث يكون سكن الزوجين قريباً من ذويهم، ومعرفة حق الوالدين والبر بهما، واحترام الزوجة، والترفع عن التوافه، والمعاملة الحسنة بين أطراف العائلة الممتدة، وعدم التدخل في شؤون الزوجين.
استقرار نفسي
وقالت ناعمة الشامسي، مستشارة أسرية ونفسية: إن وجود كبير العائلة في منزل واحد أو منزل مقارب، يضمن الحفاظ على حالة نفسية صحية للأطفال الذين ينهلون طوال الوقت من خبرة الأكبر سناً وحكمتهم، ولن تغيب القدوة والمثل الأعلى من بيت العائلة حتى إذا غاب الأب لأي سبب، لا سيما وأن أبناء المطلقة أو الأرملة أو حتى المرأة العاملة، يتمتعون باستقرار نفسي أفضل إذا كانوا يعيشون ضمن أسرة ممتدة.
وحول الجانب النفسي الذي تلعبه الأسرة الممتدة في حياة أبناء المطلقة أو الأرملة، تشير الشامسي، إلى أن الأب يلعب دوراً كبيراً لا يقل أهمية عن دور الأم في تكوين وتنشئة الأبناء، حيث إن أصول التنشئة السليمة تقتضي وجود الأب والأم خلال فترة تربية الطفل، فهو بحاجة إلى من يرشده ويوجهه إلى السلوك القويم، فإن لم يجد هذه السلطة الموجهة الضابطة لتصرفاته، فإنه ينشأ ضعيف الإرادة والشخصية، وهنا يأتي دور العم والخال لتعويض ذلك النقص والقيام بتلك المهمة في مشوار التربية.
وشددت على أهمية الحفاظ على الأسر الممتدة من الاندثار نظراً لإيجابياتها، حيث الاجتماع في المساء والالتفاف حول كبير العائلة، والتمتع بالأحاديث المتبادلة، والفرحة التي ترتسم على الوجوه، واللجوء إلى كبير العائلة في اللحظات العصيبة والانصياع لنصائحه وآرائه، والاستمتاع بدفء البيت الكبير.
صمام أمان
ومن ناحيته يقول جاسم المرزوقي، المستشار النفسي والأسري والتربوي: إن السكن مع أهل الزوج يؤمن احترام الزوج لزوجته وعدم هضم الحقوق تجاهها، إذ تمثل الحياة في بيت العائلة عامل ضغط اجتماعي على الزوج يضطره لتحمل مسؤولية الأسرة، كما تقل حالات الطلاق بين الأزواج في الأسر الممتدة، حيث تتوفر النصيحة والمشورة من الأهل التي تحول دون اتخاذ قرارات مندفعة ومتهورة.
وأضاف، أن الأسرة الممتدة تسمح بأن يشارك كل الأبناء وزوجاتهم والأحفاد في مسؤولية ورعاية الوالدين المسنين، بحيث تتوزع المسؤولية وتصبح في حدود الطاقة، وهذا لا يتوفر بالطبع في الأسر النووية.
ولفت المرزوقي إلى أن الترابط الأسري في الدولة ذو طابع خاص يجب أخذه بعين الاعتبار عند دراسة طلبات المساعدات السكنية.
التحلي بالإيجابية
ومن جانبه يلخص الدكتور محمد علي النجفي، الخبير النفسي بدبي، أسلوب التعامل الأمثل بين الزوجة وأهل زوجها والعكس في نقاط أساسية وهي: التعامل بمحبة بين الطرفين، التعامل بين الطرفين كأفراد ضمن العائلة، حل خلافات الزوجين دون تدخل الأهل، إبداء الاحترام بين الزوجين، فهذا يشعر والدي الزوج بالاطمئنان على ابنهما، وبالامتنان للزوجة، والعكس صحيح، قضاء بعض الوقت معهم لتعميق العلاقات الأسرية، إجادة فن التواصل ومن أساسياته الاستماع الجيد، واللطف والابتسامة، والاهتمام بالمشاعر، وإبداء التعاطف، تجنب المواجهات غير الضرورية، التخلص من الصور النمطية الشائعة عن الحماة أو زوجة الابن، التحلي بالذكاء الاجتماعي وفهم أهمية علاقة الأجداد بالأحفاد، وأن بعض التدليل لا يضر، وأنهم ليسوا في منافسة مع الأجداد لكسب محبة الصغار، «التقبل» والذي يعتبر من أهم قواعد بناء واستمرار العلاقات، تقديم المساعدة وتقبلها بامتنان.
مقصد شرعي
وتحظى الأسر الممتدة باهتمام بالغ في الشرع الإسلامي، حيث ورد في سورة النساء آيات قرآنية تحمل مقصداً من مقاصد تكوين الأسرة، وهو تمتين أواصر شبكة العلاقات الاجتماعية بين الناس، فمن الأزواج وما يترتب على ارتباطهما من النسب والأصهار تترابط العلاقات الاجتماعية وتتسع، وكلما امتدت هذه الشبكة وكبرت قويت معاني التناصر والمساندة والتكافل والتعاون بين الناس.
ويقول الدكتور أحمد الحداد، كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي: إن الحياة الأسرية هي الحياة الطبيعية التي تنعم بالسعادة وتنشأ على الفضائل، لا سيما إذا كانت بين الأجداد الذين يتعلم منهم النشء الأخلاق والآداب والعادات وما نسميه بالسنع، وهذه الأمور لا تعرف إلا بالمخالطة والمجالسة.
وأضاف: الأطفال في كنف الأسرة الممتدة يتربون على التلاحم الأسري وتوقير الكبار والبر بهم، بخلاف التباعد الأسري فإنه يؤدي إلى قطع أواصر القربى، ويجعل الناشئة تعيش بلا ترابط، وقد يؤدي هذا التباعد إلى قطع الأرحام، كما هو مشاهد في الأسر المتفككة، فعلى الآباء والأمهات أن يحرصوا على التماسك الأسري ليعلم الأطفال كيف يتعامل آباؤهم مع أجدادهم، من بر واحترام ومحبة وإحسان، فيتعلمون منهم البر والإحسان ويؤدونه لآبائهم وأمهاتهم، فإن البر دين كما يقال.
أصول ومبادئ
ومن جهته قال الدكتور عبدالله الكمالي، مستشار بالشؤون الإسلامية بدبي: تغيرت بعض الأمور في هذه الحياة، فما كان مقبولاً بالأمس قد لا يكون مقبولاً اليوم، والعكس صحيح، ولكنّ هناك أصولاً ومبادئ لا يمكن تغيرها وبعض المتغيرات من تمام الحكمة والعقل حسن التعامل معها، والقبول بتغير الواقع، ومن هذه الصور إقامة عدد من الأسر في منزل واحد.
وأضاف أن مفهوم الأسر الممتدة أمر مألوف في الماضي، بل كان هو الأصل، وأما حالياً فيفضل الناس السكن في مساكن مستقلة بعيداً عن الأهل، ونصح الكمالي بضرورة التحلي بالصبر لدى جميع الأطراف، مشيراً إلى أن النفوس في الزمن الماضي كانت متسعة تتحمل وتصبر؛ لذا قلّت لديهم المشاكل وربما انعدمت، فنرى أسرة ممتدة تعيش في منزل واحد صغير ولا يشتكي أحدهم من أي شيء، بل تراهم في قمة الفرح والسعادة والسرور والترابط، وذلك بسبب تحمل كل طرف للآخر، والتغافل عن زلاته وأخطائه فسهل الأمر عليهم وهانت المسألة فلم يروها شيئاً أبداً، وأما في أيامنا هذه فضاقت صدور بعض الناس فأصبح بعضهم لا يتحمل بسبب ضغوط الحياة.




