حماية المستهلك في الاقتصاد الرقمي

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

أصبح الاقتصاد الرقمي في وقتنا الحاضر واسع الانتشار، في العديد من دول العالم، وذلك بسبب انتشار الإنترنت والتطبيقات الذكية والتحولات الرقمية الحديثة، وهو الأمر الذي أدى إلى إحداث تغييرات كبيرة في طرق ووسائل القيام بالأعمال، وتقديم الخدمات والسلع للمستهلكين، وأدى التحول الرقمي إلى ظهور نماذج جديدة لأعمال وسلاسل توريد جديدة عابرة للحدود، وإلى مخاطر غير معهودة أيضاً، وأصبحت السلع والخدمات التي يتم تسويقها عن طريـق الإنترنت والمنصات الرقمية، سلعاً وخدمات يتم تداولها عالمياً، وعلى نحو بالغ السـرعة، حتى أضحى الاقتصاد الرقمي، مثـل شـبكة الإنترنت نفسـها، عالمياً بحـق، فهـو لا يعرف الحدود، فالأشخاص القادرون علـى الاتصال، يمكنهـم النفاذ إلـى الأسواق العالمية.

آلية

وقال الدكتور سعود عبيد المنصوري مدير إدارة الفتوى والرأي القانوني في اللجنة العليا للتشريعات، بسـبب هذه الطبيعة الخاصة لهذا النوع من الاقتصاد، تثار العديد من الأسئلة حـول كيفية تنظيمه وحوكمته، وحماية المتعاملين فيه.

فهناك حاجة ملحة إلى إعادة تقييم الوسائل الحالية الهادفة إلى حماية المسـتهلكين، وضمان التزام الموردين بالعقـود معهم، بالإضافة إلى حماية بياناتهم، وذلك على نحو يتوافـق مــع التحولات الرقمــية، فضلاً عـن ضـرورة أن تعمـل التشريعات المنظمة للاقتصاد الرقمي بشكل متسق، مع الجهـود المبذولة لتعزيز بيئـة العمليات، بما فيهـا البنية التحتيـة للمعلومات والاتصال، والمنصات الرقمية، والعملات الرقمية.

مفاهيم

وأضاف: يرتبط مفهوم المستهلك بشكل عام، بحاجة الشخص إلى سلعة أو خدمة يطلبها لإشباع حاجته أو حاجة غيره، ويجري التعامل معه من المورد من أجل توفيرها، وإذا كان هذا هو المفهوم الدارج، إلا أن بعض التعاملات في الاقتصاد الرقمي، أظهرت مفاهيم ونماذج جديدة، يصعب القول معها بأنها تقع ضمن نطاق التعاملات التي يبرمها المستهلك، كشراء الأصول الافتراضية، باعتبارها أداة للمبادلة، أو الدفع، أو لأغراض الاستثمار، ومن بينها الرموز المميزة الافتراضية، ويرجع ذلك إلى صعوبة تحديد الهدف، أو الغاية التي لأجلها أقدم الشخص على الشراء، فيما إذا كان ذلك لإشباع حاجته، أم بغرض الاستثمار والتربح، والتي بناءً عليها، يمكن تحديد ما إذا كان هذا الشخص يعتبر مستهلكاً أم مستثمراً، وهو الأمر الذي يؤثر في نطاق تطبيق الأحكام والنّظم الرامية إلى حماية المستهلك.

علاقات جديدة

وتابع: أظهر الاقتصاد الرقمي علاقات جديدة في السوق، مغايرة عن السوق التقليدي، حيث أصبحت العلاقة التي تربط الفرد مع المنصة الرقمية، ليس مجرد علاقة تقديم خدمة تربط ما بين مزود خدمة ومتلقيها، بل على العكس، أصبحت العلاقات التعاقدية مع هؤلاء الأفراد والمقدمين للخدمات الرقمية، علاقة ذات منافع متبادلة، حيث يلعب الفرد أو متلقي الخدمة، دوراً في تطوير المنصة الرقمية، من خلال طرح إنتاجه الرقمي، الذي قد يكون على شكل مقاطع فيديو، أو صور، أو أصول افتراضية، وبالمقابل، يحصل هذا الفرد على مبلغ مالي من مزود الخدمة مقابل الإنتاج الرقمي، وفق الشروط والأحكام التعاقدية المتفق عليها ما بين الطرفين، ففي مثل هذه الحالات، يصعب تحديد ما إذا كان هذا العقد يقع ضمن نطاق الحماية، التي توفرها التشريعات السارية للمستهلكين من عدمه، لأن طبيعة الالتزامات الناتجة عن هذه العلاقة التعاقدية، مغايرة عن الالتزامات الناتجة عن العلاقة التعاقدية التقليدية بين البائع والمستهلك.

وأشار الدكتور سعود المنصوري، إلى أن الصعوبة تظهر، ليس فقط في تحديد صفة المستهلك، بل إن هذه الصعوبة واردة ومتصورة أيضاً في التحقق من صفة البائع، أو مقدم الخدمة، في التعاملات التي قد تجرى بواسطة المنصات الرقمية، وفي العوالم الافتراضية التي تعتبر جزءاً من هذا الاقتصاد.

إذ إنه من صور المعاملات الجديدة التي ظهرت في النطاق الرقمي، هي التعاملات الناتجة عن التواصل المباشر ما بين الشخص القادر على تقديم سلعة أو خدمة افتراضية والمستهلك، فهذه المنصات الرقمية، فتحت المجال للأفراد الممتلكين للمهارات والمعرفة، في تطوير المنتجات والخدمات الرقمية، وفي التواصل وتقديم خدماتهم بشكل مباشر للأفراد، وعلى الرغم من الإيجابيات التي تحققها هذه التعاملات المباشرة، ما بين الأفراد المطورين والمستهلكين لكليهما، إلا أنها تقدم العديد من التحديات القانونية، وخصوصاً المتعلقة بحماية المستهلك، ومنها على سبيل المثال، مدى تحقق صفة المستهلك في مثل هذه التعاملات، باعتبار أن المطور هو فرد، وليس تاجراً محترفاً، وكذلك مدى توفر صفة الإذعان في مثل هذه العقود أو التعاملات، التي تعتبر من أهم الخصائص أو الصفات التي تميز عقود المستهلك، وهي من الأسباب الرئيسة التي دفعت الشارع إلى إصباغ الحماية القانونية للعقود التي يبرمها المستهلك، خصوصاً أن هذه التعاملات تعتمد في غالب الأحيان، وبشكل رئيس، على الشروط التي يضعها ويتفق عليها كلا الطرفين.

وقال: لعل ذلك دفع بعض الباحثين والمختصين في مجال حماية المستهلك في الاقتصاد الرقمي، إلى تأييد فكرة عدم تدخل السلطات التشريعية في رسم حدود حماية المستهلك في مثل هذه التعاملات، التي تجرى للحصول على سلع أو خدمات افتراضية، وترك المجال للأفراد التفاوض والاتفاق على الالتزامات المتبادلة بينهم، بينما يرى جانب آخر، أهمية تدخل السلطات التشريعية في وضع الأطر العامة الهادفة إلى رسم حدود حماية المستهلك في هذه التعاملات، التي قد تكون على صورة مبادئ أو قيم، تجب مراعاتها عند التعاقد مع الأفراد، من خلال منصات الاقتصاد الرقمي، مع إتاحة المساحة المناسبة للطرف المتعاقد مع المستهلك، سواءً كان بائعاً أو مقدم خدمة رقمية، من وضع الشروط التي يراها مناسبة في العقد المبرم مع المستهلك، بما لا يتعارض مع هذه المبادئ والقيم، ومما لا شك فيه، أن الأبعاد الجديدة للتعاملات الرقمية، ستشكّل تحديات قانونية جديدة، سواءً للسلطات المختصة بوضع التشريعات المنظمة لحماية المستهلك، أو الجهات المعنية بالرقابة وتطبيق الوسائل الهادفة إلى حماية المستهلك، في ظل الاقتصاد الرقمي.

طباعة Email