شهدت دولة الإمارات تطورات اقتصادية واجتماعية متلاحقة، خلال العقود الخمسة الماضية، أدت إلى تغيرات في أنماط الحياة.
ففي الوقت الذي تم فيه استئصال العديد من الأمراض المعدية مثل شلل الأطفال والملاريا والحصبة وغيرها، ارتفعت في الوقت نفسه أمراض مزمنة انتشرت بصورة كبيرة مثل السمنة والسكري وضغط الدم وأمراض القلب.
وأكد عدد من الأطباء المتخصصين بالسكري والسمنة أن عملية قص أو تحويل مسار المعدة تعالج مرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يعتبر فتحاً للجهات الصحية لخفض كلفة العلاج على المدى البعيد.

يقول الدكتور عبد الرزاق المدني، استشاري السكري والغدد الصماء، عضو جمعية الإمارات للسكري، إن الأمراض المزمنة، وتحديداً السكري باتت تمثل التحدي الأكبر للصحة العامة، في الحاضر والمستقبل، وقد أدى انتشار السمنة، وقلة الحركة، وأنماط التغذية السيئة، زيادة معدلات الإصابة بالسكري والضغط والكوليسترول. إضافة لأمراض القلب والسكتات الدماغية وبعض أنواع أمراض السرطان.
وهي ظواهر وأمراض مزمنة ترتبط في أغلب الأحوال بأسلوب الحياة،، فيما قال صالح الهاشمي، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للضمان الصحي التابعة لصحة دبي، أن تكلفة علاج مريض السكري من النوع الثاني يتراوح بين 6600 إلى 10600 درهم سنوياً، للمرضى ممن لا يعانون من مضاعفات السكري.
فيما ترتفع فاتورة العلاج لمرضى المضاعفات إلى أضعاف ذلك، حسب نوعية تلك المضاعفات، وتحدث لمرض السكري مضاعفات قد تشمل الفشل الكلوي وأمراض القلب والعيون، وكلما ارتفعت المضاعفات ارتفعت قيمة العلاج.
ويؤكد الدكتور المدني أن عمليات ربط المعدة لمرضى النوع الثاني من السكري هي المتبعة حالياً في العديد من دول العالم لأنها تخلص المريض من استخدام علاجات السكر وبالتالي تكون أفضل له، وأفضل للدولة على المدى البعيد، لأنها ستقلل من الأعباء المالية الباهظة التي تتحملها نتيجة صرف الأدوية وأثبتت نجاعتها وفعاليتها بنسبة تفوق 90 %.
دراسة

من جهته، قال الدكتور باسم خفاجي الأمين العام لشعبة جراحة السمنة في جمعية الإمارات الطبية، إن نسبة السمنة، وفقاً للدراسة المتعارف عليها والتي تجرى كل 5 سنوات من قبل منظمة الصحة العالمية، قد وصلت في الإمارات عام 2017 إلى 27% لدى البالغين 17% لدى الأطفال.
وأضاف: أما فيما يتعلق بجراحات السمنة سواء قص المعدة أو تحويل المسار وربط المعدة على مستوى الدولة، فإنها تتراوح بين 5000 - 6000 عملية سنوياً في القطاعين العام والخاص، ولكن في السنتين الماضيتين أثناء جائحة كوفيد 19، نزلت الأرقام إلى بين 4000 و5000 عملية سنوياً.
وأكد الدكتور خفاجي أن الأشخاص المصابين بالسمنة المفرطة ويعانون من السكري من النوع الثاني، يعد تحويل مسار المعدة الوسيلة الناجعة لهم لأنها تجنبهم أخذ علاجات السكر والأدوية المصاحبة الأخرى، لافتاً إلى أن نوع عملية السمنة يعتمد على حالة المريض وما يراه الطبيب أفضل، سواء ربط أو قص أو تحويل مسار المعدة.
عمليات

بدورها، كشفت الدكتورة فريال محمد آل علي، أخصائية الجراحة العامة، عضو فريق جراحة السمنة في مستشفى دبي، أن المستشفى يجري سنوياً ما يقارب 200 عملية سمنة، منها للأسف لأطفال تتراوح أعمارهم بين 14 - 17 عاماً.
مشيرة إلى أن السمنة مرض، يشخص به المريض من خلال حساب مؤشر كتلة الجسم (وهو الناجم عن قسمة الوزن بالكيلوغرام على الطول بالمتر مربع)، فعندما تكون كتلة جسم من 30 – 34.9 سنتيمتراً وهي المرحلة الأولية، والمرحلة الثانية عندما تكون كتلة الجسم من 34.9 – 39.9، والثالثة عندما تكون كتلة الجسم فوق 40.
وأشارت إلى أن معظم مرضى السمنة يعانون من خطر أمراض القلب والكوليسترول والضغط غير المنتظم، فيما يمكن أن يحدث للنساء تكيسات وبالتالي عدم الإنجاب، إضافة إلى الخجل الاجتماعي لأنه يصبح غير قادراً على العمل، وبالتالي لا يقبل في وظائف معينة إضافة إلى الآلام في الركبة والظهر.
وأوضحت آل علي أن هناك أنواعاً لعمليات السمنة منها التكميم أو قص المعدة وتحويل مسار المعدة إضافة إلى عمليات أخرى تتم بعد العمليات الأولية مثل الحلقات.
مشيرة إلى أنه يتم تحديد نوع العملية بناء على حالة المريض، فإذا كان المريض يعاني من ارتجاع في المريء فيفضل تحويل المسار، أما قص أو تكميم المعدة فيتم فيها استئصال جزء من المعدة.
وهذا النوع يفضل للمرضى الذين لا يعانون من ارتجاع مريئي أو ممن هم في بداية العمر أقل من 18 عاماً للمساعدة على النمو إضافة إلى المرضى الذين لا يعانون من الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والكوليسترول، فيفضل إجراء عمليات التكميم أو قص المعدة لهم.
دراسات
وأكدت الدكتورة فريال أن أحدث الدراسات الأمريكية توصلت إلى أن عمليات قص أو تحويل مسار المعدة خاصة مرضى النوع الثاني من السكري تخلصهم من استعمال أدوية السكر والأمراض المصاحبة الأخرى مثل الضغط والكوليسترول بصورة شبه نهائية وتقلل من النفقات الصحية الرسمية على المدى البعيد.
وأوضحت الدراسة أن إجراء هذا النوع من العمليات للمرضى الذين يعانون من زيادة الوزن والأمراض المزمنة أفضل لهم وللنظام الصحي على المدى البعيد إجراء عمليات ربط أو تحويل مسار المعدة لأنها ستجنبهم دفع مبالغ كبيرة شهرياً وستوفر على النظام الصحي مبالغ طائلة.
ومن المثبت علمياً أن العلاقة بين السمنة والمضاعفات متداخلة، فمثلاً تنجم حالات 70 في المئة من ارتفاع السكر في الدم عن السمنة، وكذلك تصلب الشرايين، والعقم، وارتفاع ضغط الدم.
وقدرت مصادر طبية متخصصة بالسكري والغدد الصم في الدولة تكلفة علاج مرضى السكري بحوالي 360 مليون درهم سنوياً، ناهيك عن أدوية الأمراض المصاحبة مثل الضغط والكوليسترول وغيرها.
تجربة ناجحة
وتأكيداً لفعالية عمليات ربط المعدة والتخلص من السكري المعتمد على الأدوية الفموية، يروي وليد خلف إسماعيل، أردني وعمره 45 عاماً، ويعمل في شركة خاصة بدبي تجربته قائلاً:
بدأت أشعر بزيادة في الوزن قبل نحو 10 سنوات أدت إلى إصابتي بالسكري، وبدأت بأخذ أدوية السكر، إلى أن تطورت الحالة، وتحولت إلى سمنة مفرطة، وصلت لدرجة النوم جالساً خوفاً من انقطاع النفس، فنصحني الطبيب المتابع لحالة السكر بمراجعة طبيب مختص بالسمنة، الذي نصحني بدوره بإجراء عملية ربط المعدة.
ويمضي قائلاً: ترددت في البداية، ولكن شجعتني زوجتي وأولاي، وبالفعل أجريت العملية ولا أخفيك بأنني عانيت في البداية من تبعاتها، ولكن بعد مرور أقل من عام بدأت أشعر بالفرق، إذ نزل وزني تقريباً 25 كيلو غراماً خلال عام، وبالفعل توقفت عن تناول أدوية السكر بعد العملية ولغاية الآن.
ولكن توقفت عن تناول كثير من الوجبات الغذائية والحلويات، وأمارس الرياضة يومياً، وأنصح أولاً بتجنب السمنة، ولكن في حال حصلت، وتطورت إلى السكري، يجب عدم التردد في ربط المعدة، لأنها فعلاً بيت الداء.
