شكلت كلمات ومواقف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عن موقع ومكانة مصر، نبراساً ودستوراً يحكم العلاقات الإماراتية المصرية على مدار نصف قرن شهد عدداً من التحولات الجذرية العميقة على مستوى المنطقة والعالم، فيما بقيت علاقات الدولتين راسخة ومتجددة، تنطلق من رؤى مشتركة مرتكزها الأمن والاستقرار والتنمية وإرساء السلام:

«نهضة مصر نهضة للعرب كلهم، وأوصيت أبنائي بأن يكونوا دائماً إلى جانب مصر، وهذه وصيتي، أكررها لهم أمامكم، بأن يكونوا دائماً إلى جانب مصر، فهذا هو الطريق لتحقيق العزة للعرب كلهم.. إن مصر بالنسبة للعرب هي القلب، وإذا توقّف القلب فلن تُكتب للعرب حياة».

شكّلت خمسة عقود من العلاقات الاستراتيجية المتميزة بين البلدين، نموذجاً يحتذى للعلاقات بين الدول، وحجر زاوية لاستقرار المنطقة وأمنها رغم موجات الاضطرابات والتطورات التي شهدها العالم العربي خلال الـ50 عاماً الماضية، وجملة المتغيرات الجيوسياسية التي فرضت نفسها على المشهد، فضلاً عن التحديات العميقة التي تواجه العمل العربي المشترك في ضوء تلك التطورات المفصلية.

وثمّن وزراء ومسؤولون ومحللون مصريون في تصريحات لـ «البيان»، العلاقات الراسخة بين البلدين الشقيقين والممتدة على مدار نصف قرن، والرؤى المشتركة على مختلف الصعد.

جذور عميقة

وشدّدت وزيرة التعاون الدولي المصرية، د. رانيا المشاط، على أنّ التعاون بين دولة الإمارات ومصر قدم مفهوماً متفرداً في التعاون من خلال مجموعة واسعة من برامج التنمية الاقتصادية، مشيرة إلى أنّ الفترة الماضية أظهرت ضرورة استغلال الفرص الواعدة للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات.

وأشارت المشاط في تصريحات لـ «البيان» في ذكرى الاحتفال بمرور نصف قرن على تأسيس العلاقات الإماراتية المصرية، إلى تميّز علاقات البلدين الشقيقين، لافتة إلى أنّ تعاون البلدين خلال الفترة الماضية اشتمل على تنفيذ مجموعة من المشاريع التنموية الإماراتية بهدف إحداث تأثير فوري على حياة الشعب المصري وواقعه اليومي.

وأضافت المشاط: «انصبت تلك المشاريع على قطاعات حيوية ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطن البسيط، مثل الطاقة والإسكان والأمن الغذائي والتعليم والتدريب المهني والرعاية الصحية والنقل والمواصلات، فضلاً عن مشاريع لدعم المؤسسات الأكاديمية والاجتماعية الفاعلة في المجتمع المصري، مثل الأزهر الشريف والكنيسة القبطية المصرية».

ولفتت المشاط إلى أنّ ترسّخ العلاقات بين الإمارات ومصر وتجذرها على مدار خمسة عقود واستنادها على أسس الوعي والفهم المشترك لمختلف المتغيرات على الصعيدين الإقليمي والدولي.

واستعرضت المشاط دور وزارتها في دعم علاقات البلدين، وجهود تعزيز العلاقات التنموية عبر المؤسسات التمويلية الإماراتية المختلفة، مثل صندوق أبوظبي للتنمية وصندوق خليفة لتطوير المشاريع.

نموذخ إخاء

بدورها، أشارت وزيرة الثقافة المصرية، د. نيفين الكيلاني في تصريحات لـ «البيان»، إلى أنّ العلاقات بين دولة الإمارات ومصر تقدّم نموذجاً يحتذى في الإخاء، ومثالاً للعلاقات الثنائية الناجحة والمميزة، لافتة إلى تنظيم عدة فعاليات ثقافية في القاهرة خلال الاحتفال بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيس علاقات البلدين.

وأوضحت الكيلاني، أنّ الاحتفال بمرور نصف قرن على علاقات البلدين يظهر قوة ومتانة هذه العلاقات الراسخة على مدار خمسة عقود من التعاون في مختلف المجالات، مردفة: «نُبارك لأنفسنا وشعب دولة الإمارات مرور 50 عاماً من الأخوة والصداقة والسند والدعم».

وأضافت الكيلاني، أنّ علاقات البلدين ممتدة عبر الأجيال، وتشمل مختلف أوجه التعاون بما يشمل التعاون الثقافي، جنباً إلى جنب مع العلاقات السياسية والاقتصادية الراسخة بين البلدين، قائلة:

«نحتفل بتاريخ طويل من العلاقات المميزة، كانت دولة الإمارات وما تزال حريصة على تقديم الدعم والمساندة لمصر في كل المجالات، وظلت القيادة الرشيدة على خطى الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، خير خلف لخير سلف».

تطرقت الكيلاني لدور دولة الإمارات الثقافي والفكري والتنويري، لافتة لما تشهده دولة الإمارات من تطوّر ثقافي وفكري كبير، ودورها الثقافي وما يمثله من ترسيخ للتسامح والحوار ونبذ العنف.

شراكة استراتيجية

في السياق، أكّدت وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية د. هالة السعيد، أنّ مصر تولي اهتماماً كبيراً بتعميق التعاون مع دولة الإمارات في مختلف المجالات وعلى رأسها المجال الاقتصادي لاستغلال الفرص الواعدة للتعاون وتحقيق مصالح الشعبين وبناء نموذج يحتذى للتعاون بين الدول.

وأبانت السعيد، أنّ الاحتفال بمرور نصف قرن على العلاقات بين دولة الإمارات ومصر يعكس عمق العلاقات وتجذرها في ضوء حرص قيادتي البلدين الشقيقين على تعميق الروابط المتينة على مستوى الحكومتين والشعبين وفي مختلف المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها بما يحقّق مصلحة الشعبين.

وأكدت السعيد، حرص مصر على استمرار الشراكة الاستراتيجية مع دولة الإمارات، مشيرة إلى مجالات التعاون المختلفة وعلى رأسها التعاون الاستثماري في إطار صندوق مصر السيادي، مشيرة إلى أنّ المنصة الاستراتيجية المشتركة بين صندوق مصر السيادي وشركة أبوظبي القابضة تأتي ضمن أهم الفرص الواعدة للاستثمار المشترك.

والتي تمت تحت مظلة البروتوكول الموقع في 2019 لضخ استثمارات مشتركة تصل إلى 20 مليار دولار لتنفيذ مشروعات اقتصادية وتنموية. وتطرّقت السعيد إلى العديد من الفرص الاستثمارية في قطاعات مختلفة، بما في ذلك الفرص الواعدة في مجالات الاقتصاد الرقمي ودمج البعد البيئي والتحول إلى التعافي الأخضر.

آفاق جديدة

من جهته، أشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي في مصر، السيد القصير في تصريحات لـ «البيان»، إلى الطفرة الواسعة التي تشهدها علاقات البلدين، لا سيما في السنوات الماضية التي تشهد علاقات متميزة في أزهى صورها، في ضوء تطابق الرؤى إزاء الملفات والقضايا المختلفة على الصعيد الإقليمي والدولي.

وتطرق القصير إلى التعاون في قطاع الزراعة، في ضوء التنسيق المستمر بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة وقضايا الأمن الغذائي، مستعرضاً آفاق ذلك التعاون المستقبلية للبناء على ما تم إنجازه. وسلّط الوزير المصري، الضوء على عدد من مجالات التعاون، من بينها التعاون في مجال التدريب والبحوث الزراعية، لاسيّما فيما يتصل بالثروة السمكية.

ولفت القصير، إلى التعاون القائم مع المركز الدولي للزراعة الملحية بدولة الإمارات، وهو المركز الذي ينفذ برامج بحثية وتنموية تهدف إلى تعزيز الإنتاجية الزراعية واستدامتها في البيئات المالحة.

مشيراً إلى الاستثمارات الإماراتية في قطاع الزراعة بمصر، وهي استثمارات في مجالات مختلفة من بينها الاستزراع الزراعي والسكر، مستعرضاً حضور الاستثمارات الإماراتية في مشروعات مثل توشكى وشرق العوينات.

علاقات تاريخية ومتطورة

قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ المصري، النائب عفت السادات، في تصريحات لـ«البيان»:

«إن ما يميز العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر أنها استراتيجية راسخة وقديمة ومتطورة، منذ عهد مؤسس دولة الإمارات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كان محباً لمصر وأهلها، وقد امتدت تلك العلاقات وازدادت ألقاً وتوهجاً في عهد أبنائه من بعده ممثلين في قادة دولة الإمارات الشقيقة».

تطلعات

وتابع البرلماني المصري: «نهنئ دولة الإمارات ونهنئ أنفسنا بمرور خمسين عاماً على تلك العلاقات المتميزة، ونتمنى أن تبقى دائماً وأبداً تلك العلاقات في تطور واستمرارية بما يخدم ويحقق تطلعات البلدين والمنطقة، نحو الأمن والاستقرار والتنمية».

ركائز

وأكد السادات في السياق نفسه، أن أهم ما يميز العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر هو اشتراكهما معاً في الدعوة والعمل من أجل السلام والتنمية واستقرار المنطقة وتحقيق طموحات وآمال شعبي البلدين، وهي أمور من الركائز والسمات الأساسية للعلاقات المميزة بينهما.

تناغم في المحافل الدولية

أشار المفكر السياسي المصري الدكتور عبد المنعم السعيد، إلى أن العلاقات بين مصر والإمارات ذات طبيعة مثالية خلال خمسة عقود جرت فيها أحداث تاريخية مهمة بالنسبة للبلدين والمنطقة والعالم؛ فخلال تلك الفترة كانت حرب أكتوبر المجيدة (1973) وتحرير كامل التراب المصري، وتحرير الكويت، ووضع مبادئ للتعامل في النطاق العربي، وصولاً إلى الفترة الحالية.

ولفت إلى أنه خلال تلك المراحل، كان الموقف الإماراتي من القضايا المصرية صريحاً ومعبراً وواضحاً عبر جميع قيادات دولة الإمارات، مردفاً: «جميع القيادات الإماراتية تعاملت بقوة وجرأة في نفس الوقت، لا سيما خلال العقد الأخير منذ 2011 واستيلاء الإخوان على السلطة في مصر».

واستطرد: «لعبت الإمارات دوراً قوياً في دعم مصر، وداخلياً قطعت الإمارات شوطاً كبيراً من التقدم، أسهم فيه المصريون بأشكال وأفكار مختلفة، كما كان هناك تأييد كبير ومستمر من جانب مصر للقضايا ذات الأولوية لدى الإمارات».

وأوضح المفكر السياسي المصري أن هناك الكثير من التناغم بين موقف البلدين في المحافل الدولية المختلفة، وتعد الإمارات أكبر مستثمر عربي في مصر، مشدداً على أن «العلاقات بين البلدين ذات طبيعة خاصة ليست فقط سياسية واقتصادية». ويختتم تصريحاته: «نصف قرن غني بتقديم نموذج للعلاقات العربية الممتدة والنموذجية».