دفعت العلاقات الثقافية الإماراتية- المصرية، منذ 50 عاماً مضت، نحو تدعيم الحراك الثقافي وإنشاء مؤسسات متخصصة في قطاع الفنون والأدب، إلى جانب مواجهة التحديات ذات الصلة بالشق التعليمي والمعرفي، وكذلك الإعلامي، إذ ترتبط الدولتان ببروتوكول تعاون إعلامي منذ عام 1988.
روابط مشتركة
ويشهد الجانب الثقافي على العلاقة الوطيدة والتآخي الحقيقي بين البلدين، خصوصاً في مجال التعليم، حيث يعود تاريخ أول بعثة دراسية إلى مصر إلى العام 1927، حيث كان الطالب محمد بن سعيد بن غباش أول المبتعثين إلى القاهرة، ثم توالت البعثات بعد ذلك، ومن هذه المجموعة، أيضاً، كان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتريم عمران، وغيرهم، وعلى الجانب الآخر شكل ابتعاث المدرسين والأطباء والإعلاميين إلى الإمارات نوعاً من التبادل الثقافي، حيث انخرط هؤلاء في الحياة الثقافية بالإمارات، ومن هؤلاء الشاعر عبدالمنعم عواد، والدكتور نجيب الكيلاني، وغيرهما.
وتعبيراً عن التقدير للدور الإماراتي الداعم لقطاع الثقافة في مصر قدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مايو 2015 قلادة الجمهورية إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وذلك تقديراً لمواقفه الداعمة لقطاع الثقافة في مصر، وحرصه على إنشاء دار جديدة للوثائق القومية بمنطقة الفسطاط.
تقدير تاريخي
ومن جانب آخر، يأتي موقف المؤسسات الثقافية والمثقفين في دولة الإمارات من الثقافة المصرية، ليجسد أجمل معاني التقدير لما تتضمنه من مضامين حضارية وفنية مختلفة.
وفى هذا الإطار يتم سنوياً تنظيم العديد من الأنشطة الثقافية المشتركة في دوله الإمارات ومصر، فضلاً عن تبني العديد من المبادرات الملهمة بين البلدين في المجال الثقافي، ومنها تشييد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في مصر (1992)، فيما قدمت دولة الإمارات ما يقارب 200 مليون درهم (50 مليون دولار) كمنحة لترميم متحف الفن الإسلامي في مصر، كما حرصت الإمارات على دعم مشروع تطوير مكتبة الإسكندرية، عبر تقديم 21 مليون دولار (أكثر من 77 مليون درهم)، لتصبح على ما هي عليه اليوم، كذلك شهدت العلاقات الإماراتية- المصرية توقيع 18 اتفاقية ثقافية بين مؤسسات إماراتية، ومكتبة الإسكندرية في مصر.
الحراك الموازي
وبما يتعلق بتأثير المحيط الثقافي المصري في بداية تأسيس الحراك الموازي في دولة الإمارات، تستعيد الدكتورة رفيعة غباش ذكرياتها في وطنها الثاني مصر، عند ابتعاثها لدراسة الطب في القاهرة في عام 1975 بكلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة، مؤكدة أن الارتباط بمصر ليس فقط ارتباطاً عاطفياً، ولكنه أيضاً شعور عميق بالانتماء لشريان طويل على امتداد الوطن العربي. وتقول: علاقتي على النطاق الشخصي مع بلدي الثاني مصر قديمة، بدأت منذ تعلمت القراءة والكتابة، حيث كانت الأقلام والدفاتر تصلنا من مصر.
روافد ثقافية
وتضيف: حينما توجهت للقراءة أنا وأخواتي، كانت تصلنا مجلات المصور، وروزاليوسف، وآخر ساعة وغيرها من المطبوعات العريقة، التي رسمت في ذلك الوقت ملامح الثقافة المصرية، وخلال فترة المدرسة تتلمذنا على يد معلمات من مصر وفلسطين، وكن بمثابة قناة معرفية وحضارية ملهمة بالنسبة لي وأنا طفلة وشابة أيضاً، وقد عشقت مصر عبر مثقفيها وكتابها عندما بدأت بالاطلاع على روايات يوسف السباعي، وعبدالحليم عبدالله، وأذكر أن الإيقاع الموسيقي المصري كان له نصيب أيضاً من فضولي.
موجات التأثير
وتضيف الدكتورة رفيعة غباش: مع الوقت تسربت بداخلي موجات مبهجة من التأثير الثقافي والحضاري المصري، وبدأت أحلم بالدارسة في القاهرة لمعايشة أوساطها الثقافية عن كثب، وخلال تواجدي هناك ما بين العام 1975 إلى العام 1983 أتيح لي وأنا في سن مبكرة الالتقاء بكبار المثقفين والأدباء، وكذلك المؤثرين في الشأن الثقافي، إلى جانب لطيفة الزيات، والكثير من العقول المثقفة التي رسمت الكثير من ملامح الثقافة المصرية، الأدبية والمعرفية، وبدوري كانت لي تجاربي الأدبية في ذلك الوقت، ومراسلات متعددة مع العديد الصحف المصرية، التي نشرت مقالاتي واهتمت بسماع الصوت القادم من قلب الخليج.
ثقل إعلامي
ويشير علي عبيد الهاملي الكاتب والإعلامي الإماراتي خريج صحافة وإعلام تخصص إذاعة وتلفزيون من جمهورية مصر العربية إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة ترتبط بعلاقات ثقافية وثيقة مع جمهورية مصر العربية، تمتد أكثر من قرن، فقد وصل تأثير الكتاب والمثقفين المصريين إلى الإمارات قبل أن يصل أبناء الإمارات إلى مصر، وأبناء مصر إلى الإمارات، وذلك من خلال الكتب التي تأسست عليها ثقافة أبناء الإمارات، ثم جاء ابتعاث أبناء الإمارات للدراسة في مصر، وإرسال البعثات التعليمية والصحية وغيرها إلى الإمارات، لتعزز هذا الارتباط بين أبناء مصر والإمارات.
ويضيف الهاملي: لقد كان للصحافيين والمثقفين المصريين، الذين عملوا في صحف الإمارات منذ بداية تأسيسها، دور كبير في التمازج بين ثقافة البلدين ومثقفيهما، واليوم ونحن نحتفل بمرور خمسين عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات ومصر نستذكر كل الكتاب والمدرسين والصحافيين والإعلاميين المصريين، الذين أسهموا في النهضة الثقافية، التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة حالياً، ونقدر لهم الدور الكبير الذي قاموا به، ونؤكد أن العلاقات الثقافية، التي أسست للعلاقات بين شعبي دولة الإمارات وجمهورية مصر تزداد وتترسخ يوماً بعد يوم، بفضل العلاقة التي تربط بين قادة البلدين، منذ عهد القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وحتى اليوم، وهو أساس متين لا تنفصم عراه على مر الزمن.
أغصان غافة
وحول أهمية العلاقات الإماراتية- المصرية في المجال الثقافي، يقول الكاتب والروائي الإماراتي علي أبو الريش: عندما تلتقي الإمارات ومصر يصبح النيل العظيم قصيدة عصماء، والخليج رواية تحكي قصة الحضارة الفرعونية ممزوجة بأغصان غافة، الإمارات ومصر ضلعا مربع الجغرافيا العربية، تحملان الهم العربي، وكلتاهما في الزمان وطن للأحلام الزاهية والتطلعات واسعة الحدبان. الإمارات هي الرئة لعالم يحتاج إلى هواء نقي يصفي غرف الحياة من غبار الحروب، ومصر هي القلب الذي ينبض دوماً في الجسد العربي.
ويضيف أبو الريش: ويبدو لي أن الحلم العربي ليس له ليال مضاءة بمصابيح الفرح، إلا إذا كان الخلخال مصرياً والدر إماراتياً. إنها الأرجوزة التاريخية. إنها مثل الأبجدية في ضمير الشعر، مثل اللغة في السرد، مثل الرموش في العيون التي في طرفها حور. هذه هي العلاقة بين الإمارات ومصر، كأنها النخلة السامقة عندما تهز جذعها أنامل الأمل تساقط من عناقيدها خرز الرطب الجني.
رواد الفنون
وعن تأثير تاريخ الفنون التشكيلية المصرية على مسارات المشهد الفني الإماراتي تقول الدكتورة نجاة مكي، التي كانت أول إماراتية تحصل على منحة حكومية للدراسة في الخارج في عام 1977، وحصلت على درجتي البكالوريوس والماجستير في النحت الزخرفي والمعادن من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، وكذلك درجة الدكتوراه في فلسفة الفن عام 2001: بحكم دراستي في مصر وقضاء جزء من حياتي على ضفاف نهر النيل، تأثرت كثيراً برواد الفن المصري أمثال محمود مختار وحامد ندا وسعيد الصدر، وغيرهم من كبار الفنانين في ذلك الوقت.
وتؤكد الدكتورة نجاة: حينما نتحدث عن تاريخ الفنون على مستوى الوطن العربي تذكر مصر في الصدارة، نظراً لكنوزها الفنية والتاريخية، التي ما زالت تشكل مصدر إلهام وتفرد للإبداع المستمر.
وتضيف مكي: ونحن كطلاب فنون مبتعثين إلى جمهورية مصر العربية كنا أمام مشاهدات استثنائية وجماليات تستحضر البهاء في أجمل صورة، وكان ذلك محفزاً إيجابياً لاغتنام كل الفرص المتاحة للحصول على المعرفة والتعلم مما سبقونا في هذا المجال، بهدف تأسيس استراتيجية وطنية متكاملة بنفس محلي وقواعد مصرية في التنظيم والهيكلة الخاصة بالمؤسسات الثقافية، التي تسير بالتوازي مع برامج حافلة من الندوات والفعاليات المتبادلة بين البلدين.
البيت الكبير
ومن جانب آخر تقول الباحثة والكاتبة مؤسسة ومديرة دار ورق للنشر عائشة سلطان، إن التأثير الثقافي المصري على الثقافة المحلية وروافدها هو حاضر وممتد من قبل 50 عاماً وأكثر، وذلك يعود للأساس المتين المشترك بين البلدين، ولمصر التي هي بيت العرب الكبير فضل كبير على الأمة العربية، ومنها على سبيل المثال البعثات الدراسية ومناهج التعليم، وإذا أخذنا الثقافة بمعناها الأشمل كالكتاب والمسرح والسينما والفن، إضافة إلى الدوريات والنشرات، نتذكر أننا كلنا كبرنا على نتاج طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبدالرحمن بدوي، كما كان للثقافة المصرية العديد من الإسهامات في كل القطاعات، التي شكلت مسارات ملهمة في مجمل التجارب العربية، وفي مقدمتها التجربة الإماراتية.




