لم يكن المشهد الكوميدي في أحد المسلسلات العربية، الذي اشترط فيه الأب على المتقدم لخطبة ابنته تخصيص ميزانية للتجميل، تتضمن شفط الدهون ونحت الجسم، ضرباً من الخيال في ظل الهوس بعمليات التجميل، الذي لم يقتصر على النساء، بل شمل الرجال أيضاً، واللافت إقدام فتيات لم تتجاوز أعمارهن 19 عاماً على تلك العمليات.

بات الأمر أكثر غرابة في ظل الترويج لـ«قروض تجميلية» كما يطلق عليها أو ظهور شركات تتعاون مع البنوك لتقسيط عمليات التجميل، وهو الأمر الذي أصبح يزيد من الأعباء المادية للأسرة، وقد يتسبب في حالات طلاق أو مشاكل عائلية، بسبب اقتناع السيدات أن الأمر أصبح متطلباً أساسياً في الحياة، بحجة الحفاظ على حالتها النفسية في ظل مقارنات مجتمعية غريبة.

ولم يقتصر الأمر على إجراء تجميلي بغرض التخلص من عيب خلقي أو تشوه أو وزن زائد، بل تضمن تغييراً في الشكل والملامح وأصبحت فلاتر مواقع التواصل الاجتماعي نموذجاً تصطحبه الفتاة أو السيدة للطبيب لعمل مثله.

وصدق أو لا تصدق فإن بعض السيدات تشترط على الزوج تخصيص ميزانية لهذا الأمر، والأدهى من ذلك قيام أمهات بتفضيل هذه العمليات على إلحاق أبنائهن بالمدارس أو الجامعات، كما أقدم زوج على تطليق زوجته بعدما طلب منها إنقاص وزنها ونحت جسمها فما كان من الزوجة إلا الاقتراض من البنك لإجراء العملية بقيمة 70 ألف درهم، والتي لم تستمر نتيجتها سوى عام ونصف العام وعاد جسدها للامتلاء مرة أخرى، ما دفعه للطلاق.

ولا شك في أن مواقع التواصل الاجتماعي وانتشار صور المشاهير قبل وبعد إجراء عمليات التجميل مادة جاذبة للملايين من الفتيات والنساء حتى بات الأطباء مطالبين بتحويل الوجوه إلى نسخة من إحدى الفنانات دون النظر إلى مخاطر هذا الأمر، الذي قد يحول التجميل إلى تشويه.

وذكرت فاطمة مهيكل، التي تمتلك مركز تجميل أن عدداً كبيراً من الزبائن من النساء أصبحن ينفقن ميزانيات ضخمة على خدمات وعمليات تجميلية مع أنهن جميلات ولا حاجة لهن إلى ذلك، إلا أن أبرز القصص المحزنة قيام إحدى الأمهات بتأجيل دراسة أبنائها في المدرسة واستغلال المبلغ في إجراء عملية تجميل لنحت الجسم، وأخرى لجأت إلى الجمعيات الخيرية لاستعطافهم في دفع إيجار بيتها، بينما تقوم بزيارة عيادات التجميل باستمرار.

ولفتت مهيكل إلى أن حديث السيدات لا يكاد يخلو من الاستفسار عن أطباء وعيادات تجميل، وأن إحدى السيدات أكدت أن زوجها يهددها بالطلاق ويتنمر عليها بسبب شكل جسمها بعد الولادة، مما أصابها بالإحباط ودفعها مجبرة إلى تقبل فكرة إجراء عملية تجميل لإرضاء الزوج متحملة مخاطر هذا الأمر، خاصة بعد تسجيل حالات وفيات نتيجة فشل هذه العمليات.

كما أكد الدكتور زهير الفردان رئيس قسم الجراحة والأستاذ المساعد بالجراحة التجميلية والترميمية بجامعة الإمارات رئيس جمعية الإمارات لجراحة التجميل أن الهوس بعمليات التجميل لا يقتصر على النساء فقط، بل يمتد إلى الرجال وإلى الفتيات.

منوهاً بأن بعض الفتيات قد لا تزيد أعمارهن عن 17 عاماً يلجأن إلى العيادات إلا أنه يمنع إجراء أي عملية أو خدمة تجميلية طبية للأعمار أقل من 18 عاماً إلا في حالات الضرورة القصوى، ومنها حالة فتاة 14 عاماً كانت تعاني من كبر حجم الثدي بطريقة لافتة جداً أثرت على حالتها النفسية بشدة، حيث تم أخذ موافقة ولي الأمر لإجراء العملية التي تعتبر في هذه الحالة ضرورة.

ونوه الفردان بتحول التجميل لـ«بزنس» في ظل قيام بعض الأطباء غير الحاصلين على تخصصات في الجراحة التجميلية أو الأمراض الجلدية بمزاولة المهنة منهم أطباء الجراحة العامة أو الطب العام، وأن هذا الأمر أصبح يشكل خطورة في ظل إقبال الآلاف على القيام بعمليات تجميل وأبسطها البوتوكس والفيلر وغيرها.

مشيراً إلى أن بعض النساء يخصصن مبالغ كبيرة لهذا الأمر، وبعضهن يقترضن من البنوك لإجراء عمليات تجميل.

وأوضح الفردان بأن ظاهرة «عرابات التجميل» من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي و«البلوغرز» آفة تدميرية للفتيات وللمجتمع.

حيث يقدمن إعلانات لعيادات وأطباء دون التأكد من الترخيص المهني لديهم، كما أنهم يدعون كذباً خضوعهم لعمليات أو خدمات تجميلية في تلك العيادات، مستخدمين فلاتر وصوراً معدلة، عبر برامج لجذب المزيد من الزبائن على حساب المصداقية والأمانة المهنية بغرض الربح حتى بات بزنس عالم التجميل مفتوحاً على مصراعيه.

من جانبه لفت الدكتور طارق بغدادي أخصائي الأمراض الجلدية والتجميل إلى أنه ضمن الحالات المتكررة التي تعرض عليه إصرار بعض النساء على تغيير ملامحهن إلى ملامح فنانة أو إحدى مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، غير مدركة أن هذا الأمر قد يقلل جمالها ولا يزيده، مما يدفعه إلى إقناعهن بأن الأمر لن يكون مرضياً.

ونوه بغدادي بأن هناك هوساً بعمليات التجميل وأن هذا الأمر ينتشر يوماً بعد يوم بين الجميع دون استثناء ودون اقتصار الأمر على سن معينة.

فبعدما كانت السيدات من كبار السن الأكثر إقبالاً على عمليات التجميل لمحاولة تقليل آثار التقدم في العمر، أصبح الفتيات والسيدات ضمن الفئات الأكثر إقبالاً على هذا الأمر، وأن بعضهن تخضع لعدة عمليات قبل الارتباط بحجة الحصول على مقاييس مثالية، وأن هذا الآمر يتسبب في نشر ثقافة جديدة بأن عمليات التجميل باتت ضرورة ملحة.

ولفت الدكتور بغدادي إلى أن أولويات صرف ميزانية الأسرة تغيرت في الآونة الأخيرة فبات ضمنها تخصيص مبلغ للزوجة للحصول على خدمات تجميلية، ومنها خدمات أساسية مثل إزالة الشعر بالليزر، ومنها ثانوية ولا داعي لها مثل نفخ الشفاة أو الخدود أو تصغير الأنف أو نحت الجسم وغيرها، وأن هذا الأمر قد يفتح المجال لمشاكل زوجية.

وقال الدكتور أحمد الزعبي أستاذ علم النفس في جامعة عجمان، إن المبالغة في اللجوء إلى عمليات التجميل وإسناد سبب استمرار ونجاح العلاقة الزوجية إليها فقط أمر مجحف وغير مطلوب، مؤكداً أن شكل الجسد يلعب دوراً مهماً في الجوانب النفسية من حيث تقدير الذات، وتتشكل هذه الصورة من نظرة الشخص لنفسه في المرآة، بالإضافة إلى ردود الفعل التي تأتي من الآخرين حيال شكله ومظهره.

وأوضح أنه إذا كانت تلك الصورة أو النظرة سلبية فإن ذلك ينعكس على تشكيل تقدير سلبي للفرد حول جسده ومظهره، وبالتالي شعوره بالنقص أو الدونية، فتهتز ثقته بنفسه، الأمر الذي يزيد من معاناته النفسية، فيلجأ إلى طرق وأساليب متعددة للتخلص من المعاناة لا سيما عمليات التجميل كتصغير الأنف، أو الشفط، أو النفخ وغيرها.

وأضاف الزعبي: قد يحدث أن تتقبل الزوجة صورتها، لكن زوجها صار يقارن شكلها بعدما وصلت لحد الأربعين من العمر بصورة فتيات في مقتبل العمر، تم اختيارهن للإعلانات في الوسائل الإلكترونية أو ربما نماذج قليلة في الحياة العامة، وهذا بحد ذاته ظلم. ووجه الدكتور الزعبي نصيحة إلى الزوج، مفادها ألا ينطلق في أحكامه على زوجته من الناحية الجسدية فقط، وألا يهمل الجوانب الأخرى.

وقال الأستاذ الدكتور سعيد ناصف أستاذ علم الاجتماع في جامعة عجمان: «التغيرات التي شهدتها مجتمعاتنا العربية خلال السنوات الأخيرة أفرزت ظواهر، أصبحت تنتشر وبخاصة بين شرائح وفئات اجتماعية معينة.

وعلى وجه الخصوص بين الأثرياء أو الطبقات الاجتماعية العليا، ومن تلك الظواهر «ظاهرة التجميل»، لكن اللافت للنظر بحسب المتحدث أن بعض النساء الفقيرات قد يتجهن إلى الاقتراض من البنوك لإجراء مثل هذه العمليات التجميلية، وذلك لأنها مكلفة مادياً.

وأكد الدكتور سعيد ناصف أن الجمال يعتبر نسبياً سواء من وجهة نظر الرجال أم النساء، فمعايير الجمال تختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر وأن المهم هو أن تكون هناك قناعة.

وشدد أيضاً على ضرورة توعية الأزواج والزوجات بخطورة الظاهرة وانعكاساتها السلبية على النسيج الأسري والعائلي.

الحداد: التجميل لغير حاجة تغيير لخلق الله

أوضح الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير المفتين ومدير إدارة الإفتاء في «إسلامية دبي» أن عمليات التجميل للتداوي وإزالة أثر حادث أو مرض تسبب في تشوه خلق الزوجة مباح شرعاً. وأضاف: «أما إن كانت تلك العمليات لغير حاجة» كزيادة التجمل.

فتصنع الزوجة من نفسها شكلاً آخر، فانه يجب الابتعاد عنها لما فيها من تغيير لخلق الله تعالى، لأن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلى المرأة أن تنظر إلى من هي أقل منها جمالاً لتعرف نعمة الله تعالى عليها، وقد تكون لا ترى نفسها جميلة، لكن غيرها يراها جميلة، فالجمال نسبي. في المقابل، قال الحداد:

لا بأس أن تتجمل الزوجة بالمساحيق والمكياج ونحو ذلك مما لا يغير خلقة الله فيها، فذلك مما يستحب لها فعله عند زوجها وبين نسائها ومحارمها، وإن أمرها زوجها لتغير لونها من أسود إلى أبيض ومن تصغير بعض الأجزاء إلى تكبيرها فلا طاعة له في ذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، لأن في ذلك ضرر يلحقها حالاً أو مستقبلاً كما هو مشاهد، فلماذا تضر نفسها لتسر غيرها أو تخدعه، فذلك مما لا يجوز شرعاً ولا عقلاً.