ملكة القلوب.. الواجب قبل كل شيء

ت + ت - الحجم الطبيعي

الملكة إليزابيث الثانية، التي توفيت، أمس، عن 96 عاماً، واحدة من أشهر النساء في العالم، فقد أظهرت شجاعة وحساً بالواجب لا يتزعزع، خلال الأعوام السبعين من حكمها، واحتفظت عميدة الرؤوس المتوجة في أوروبا، بشعبية هائلة.

خلال سبعة عقود من الحكم، عاشت الحرب العالمية الثانية وشهدت تفكك الإمبراطورية البريطانية، كما عايشت 15 رئيس حكومة، وجسدت استقرار الدولة.

جالت الملكة البريطانية في كل المستعمرات البريطانية السابقة، وزارت روسيا، وكانت أول ملكة بريطانية تزور الصين. تجولت في عالم مليء بالاضطرابات التاريخية، مرتدية دائماً ملابس ملونة وقبعات مطابقة، وحاملة حقيبة يد على مرفقها، كانت قائدة لـ15 دولة عند وفاتها.

ورغم أنها توقفت عن السفر إلى الخارج في نهاية فترة حكمها، إلا أنها كانت تؤدي واجباتها البروتوكولية بلا كلل، نادراً ما أظهرت مشاعرها، كما لم تكشف أبداً عن آرائها، بينما لم تشتكِ يوماً من المهمة الملقاة على عاتقها.

من دون كلل

أشرفت إليزابيث الثانية، التي لم تعرف الكلل خلال تسعين عاماً، على مئات الالتزامات كل عام: من حفلات تدشين بجميع أنواعها، واستقبالات في باكنغهام، وتقديم أوسمة وجوائز... كانت في كل مرة تظهر اهتماماً مهذباً.

على المستوى العلني كانت تظهر باردة بعض الشيء مع أبنائها الأربعة: تشارلز المولود في العام 1948، وآن المولودة في العام 1950، وأندرو، الذي وُلد في العام 1960، وإدوارد المولود في العام 1964.

جسدت هذه المرأة المتدينة والاقتصادية للغاية، على الرغم من ثروتها الهائلة، الاستقرار داخل الأسرة، التي غالباً ما تتعرض لانتقادات الصحافة، فقد كان عليها أن تواجه العديد من الأزمات العائلية، كما حدث في العام 1992، الذي أطلقت عليه صفة (العام المريع)، عندما تحطمت زيجات تشارلز، وآن وأندرو، واشتعلت النيران في قلعة وندسور.

بعد وفاة الأميرة ديانا في العام 1997، انتقدت الملكة إليزابيث الثانية، بسبب بقائها صامتة، وبعيدة لفترة طويلة في قصر بالمورال، بينما كانت البلاد بأكملها تبكي الأميرة الراحلة.

محايدة سياسياً

شكل سوء التفاهم هذا بينها وبين رعاياها واحدة من أهم الأزمات، التي واجهها النظام الملكي، غير أن الملكة قدمت بعد ذلك بعض التنازلات، عبر إلقاء خطاب متلفز في ذكرى وفاة أميرة ويلز، والموافقة على زواج ابنها تشارلز من كاميلا، حتى لو لم تحضر حفل الزفاف.

أظهرت إليزابيث الثانية الكثير من العاطفة تجاه أحفادها الثمانية، خصوصاً وليام وهاري، ولدي تشارلز وديانا، لكن في العام 2020، نأى هاري بنفسه عن العائلة المالكة، وغادر للعيش في كاليفورنيا متهماً العائلة بأنها غير داعمة، وبالعنصرية تجاه زوجته ميغان، المختلطة الأعراق.

في العام 2021 شكلت وفاة فيليب زوج الملكة، والذي كان يعد «الصخرة»، التي تستند إليها، محنة إضافية للملكة المعزولة في قلعة وندسور، حيث عاشت أشهراً طويلة من الحجر بسبب جائحة (كوفيد 19).

طوال هذه السنوات احتفظت إليزابيث الثانية بآرائها لنفسها ولم تجرِ أي مقابلات. مثلاً، لم يعرف أحد رأيها بشأن اختيار البريطانيين التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في العام 2016.

وخلال اللقاءات الأسبوعية، التي كانت تجريها مع رئيس الحكومة، كانت تلتزم الحياد السياسي الصارم.

صورها منتشرة في كل مكان في المملكة المتحدة، من العملات المعدنية إلى التماثيل، التي تجسدها ملوحة بيدها، وعرفت الملكة كيف تحبب الناس بهذه الصورة، إن عبر مشاركتها في مقطع فيديو مع جيمس بوند- الذي أدى دوره دانيال كريغ- لمناسبة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية للعام 2012 في لندن، أو في مقطع فيديو يظهرها وهي تشرب الشاي مع دب بادينغتون، في يونيو خلال الاحتفالات باليوبيل. لم يعرف العديد من البريطانيين طوال حياتهم ملكة غيرها، وقدروا شخصيتها المألوفة والمطمئنة.

طباعة Email