منذ القديم وإلى يوم الناس هذا، ما زالت المطارحات الشعرية تعبيراً إنسانيّاً راقياً عن لحظات الصفاء والبهجة القلبية التي يغتنمها الإنسان بين الحين والآخر، ويستجمّ بها من زحمة أشغال الحياة وضخامة الأعباء الملقاة على عاتقه ولا سيّما إذا كان من رجال المسؤوليات العامة الذين لا يكادون يظفرون بساعة واحدة بعيداً عن هموم المسؤوليات وشواغل الحكم وواجباته.

في هذا السياق من الأجواء الإنسانية اللطيفة تأتي هذه المطارحة الشعرية بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وبين سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، حول بعض الملامح الطفولية البريئة لسمو الشيخين: شيخة وراشد ولدي سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد، حيث كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد قبل يومين مقطوعة في غاية العذوبة واللطف والجاذبية احتفى فيها بهذين الحفيدين الجميلين بعنوان «شيخه وراشد» أبدع فيها في التعبير عن مشاعره الأبوية الرائعة تجاه هذين القمرين من أقمار آل مكتوم الكرام مع إلقاء ضوء كاشف على طبيعتهما ومزاجهما مما منح القصيدة نكهة ذاتية بديعة تكشف عن ملكته الشعرية الباهرة، حيث يستطيع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الكتابة في أجَلِّ الموضوعات مثل الكتابة في ألطفها وأكثرها قُرباً من النفس، ليكون الجواب قصيدة في غاية اللطف والرقة والجمال بعنوان «شيخة وراشد في ظلالك» كتبها سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد احتفاءً بتلكم القصيدة التي كتبها والده الجليل، وتعبيراً عن الحفاوة الصادقة بكلّ ما يكتبه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد من رقيق الشعر وجميله وعَذبه، لتظلّ هذه العلاقة الفريدة التي تجمع بين صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد ووليّ عهده سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد من خلال مسارات كثيرة يأتي الشعر في طليعتها علاقة راسخة متجددة تُشيع البهجة في النفوس وتزرع المودة في القلوب.... ومَنْ أشبه أباه فما ظلم.

يا سيّد الشعّار ما قلت كافي

وافكار شعرك دايم مستجدّه

يا نِد نفسه في الفخر والقوافي

ولا خلق في جيله إنسان نِدّهْ

بياء النداء الدالة على الحب والتوقير يفتتح سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد هذه القصيدة الجميلة المرهفة التي ورث رهافتها وحسن صياغتها عن والدٍ كبير المنزلة بين شعراء الزمان، منزلة استحق معها لقب «سيّد الشعّار»، فهو حين يكتب قصيدة أو يلقي مقطوعة يكون ذلك كافياً وفوق الكافي، وهذا دأبُ الشعراء الكبار في كل زمان، أن يكون كلامهم عَدّاً، وهو ما يؤكّده سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد حين يخاطب والده الكبير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مؤكّداً له أنّ ما قاله من الشعر في حق الشيخين: شيخة وراشد هو الكافي الذي لا يحتاج إلى إضافة، فأفكار شعره دائماً بديعة متجددة لأنها تصدر عن قلب دائم الفكر والنظر فيما حوله، يقتنص لحظات الجمال النادرة ويعبّر عنها بهذا الشعر العذب الجميل الذي يخلّد اللحظة الزمانية الهاربة نحو المجهول، وهو الشاعر المتفوق على شعراء جيله ولا يرى ندّاً لنفسه سوى نفسه التي بين جنبيه، ولا يوجد في شعراء جيله من يُداني منزلته فضلاً عن أن يُساميه ويتفوق عليه.

شيخه وراشد في ظلالك عوافي

ومن عاش في ظلّك ما ذاق المكدّه

وإن كان راشد صار رجّال وافي

مراجله من هيبتك مستمدّه

في هذا المقطع يدخل سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد في قلب الموضوع، موضوع المطارحة، فيؤكّد أنّ الشيخين: شيخة وراشد ينعمان بأهنأ عيش وأحلى حياة وأبرك عافية في ظلّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، فهما يرفلان في ثوب النعمة والعافية في ظلال هذا الجَد الكبير المَهيب الذي يرعاهما بعين القلب قبل عين الرأس، ويبتهج بمَرآهما وهما يقطفان زهور السعادة من حديقة الحياة، شأن كل إنسان يحمل قلباً ينبض بحب الحياة ويبتهج ببسمة الأطفال.

وبخصوص الشيخ راشد فإن أصبح، وسيصبح بإذن الله، من رجال الكمال وفرسان الوطن فهذا شيءٌ موروث تحدّر إليه من شيخ آل مكتوم وجبلها الأشم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي طار ذِكره في جهات الأرض الأربع بسبب ما عُرف عنه من الفروسية التامة في الحكم والإدارة والإنجاز والشعر والخيل وحُبّ الوطن والاهتمام الذي لا نظير له بأبناء وطنه الذين يسكنون في سويداء قلبه ويحملهم معه أينما حلّ وارتحل.

عـنـاده يـبــيّــن، ولا هـو بْـخــافــي

والله ما الومه، وارث عـنـاد جَـــدّه

عطـفـك عليهـم حـوّل البـرد دافـي

ودّك لحاف، وشوقك لْـهم مخــدّه

وهنا تدخل المطارحة في جوّها اللطيف الذي ينتزع الابتسامة من القلب، حيث يلاطف سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد والده الجليل صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد فيقول له: لا تخفى ملامح الشكيمة وقوة الإرادة والرأي في شخصية راشد، لكنّ ذلك لم يكن من الفراغ بل هو حفيدٌ وفيٌّ لطباع جدّه الذي يمتاز بالإصرار والتصميم على تحصيل ما يريد، سجيّة عاشها منذ طفولته، وطبّقها منهجاً في الحياة، فإذا صمّم على تحقيق شيء لم يردّه عنه شيء سوى قدر غالب لا طاقة للإنسان به مما يقدّره المولى سبحانه، فهذه خصلة موروثة في الشيخ الصغير الوارث لمناقب الشيخ الكبير، فلا لوم عليه ولا تثريب، ويا سعد هذين الشيخين: شيخة وراشد حين ظفرا من صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد بكل هذا العطف وهذا الحنان الذي جعل أجواء بلاد البرد دافئة، وجعل من المودة لِحافاً يلتحف به هذان الغاليان على قلب الجدّ الرحيم، ومخدّة ينامان عليها حين يغلبهما النعاس اللذيذ بعد يوم شاق من السير واللعب بين الحدائق والأزهار.

وانا غلاهم في عيوني يشافي

محبّةٍ في خاطري مستبدّه

وبمشاعر الوالد الرقيق يؤكّد سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد عمق محبته لنجليه اللذين تعلق قلبه بهما مثل كلّ والد رحيم القلب عطوف الروح على فلذات كبده، فمحبة الأولاد، وأيضاً الأحفاد، من سلامة الفطرة، ولقد كان صلوات ربي وسلامه عليه يفسح للحسن والحسين رضي الله عنهما المجلس، ويُطيّب خواطرهما إلى الحدّ الذي نزل معه من المنبر لاحتضانهما حين أقبلا إليه من بعيد، وأطال السجود بسبب صعود أحدهما على ظهره الشريف صلى الله عليه وسلم، فحُبُّ الأبناء من مظاهر الفطرة السليمة التي تشهد بصفاء القلب ونقاء الروح، فهي محبة مستبدة لا تبرح الإنسان مهما كان موقعه من هذه الحياة.