كثيرة هي النعم التي امتنّ الله بها واهب النعم على الإنسان، ومن بين هذه النعم التي لا يشعر بطعمها إلا من تذوّق حلاوتها نعمة الأحفاد، وهي نعمة ذكرها المولى سبحانه في سياق التذكير والامتنان على الإنسان بقوله عزّ وجل: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون}، وأرجح الأقوال في معنى الحفدة أنهم أبناء الأولاد ممّن تَقرُّ بهم العين ويبتهج برؤيتهم القلب، كالورود المتفتحة والطيور الصادحة.

وتعبيراً عن هذه المشاعر الفطريّة الصافية الصادقة، نشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، قصيدة لطيفة المحتوى، عذبة الإيقاع، رشيقة المفردات بعنوان «شيخه وراشد» على حسابه في «إنستغرام» عبّر فيها عن إحساسه الأبوي المرهف تجاه أحفاده الكرام، وتزيّنت القصيدة بصورة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يماشيه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد، ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، وهما يدفعان بعربة تُقِلّ سموّ الشيخين: شيخة وراشد حمدان بن محمد بن راشد، وتلوح على وجهيهما الأصيلين ملامح السعادة والابتهاج التي يختلسها الإنسان من زحمة الأشغال والمسؤوليات، ويعبّر من خلالها عن المساحة الخضراء في قلبه النابض بحب الإنسان والحياة، فكانت لوحة بديعة تستحق الحفاوة بهذه اللفتة الإنسانية الرائعة من لدن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي عوّدنا على نمط فريد من الإنسانية العالية والأخلاق الفطرية الرائعة.

شيخه وراشد خلو الجو صافي

                     البيت منهم في سرور وموده

لهم غلا خافي بخافي الخوافي

                            بين في مده وأخيه مده

واسترشاداً بقول المولى سبحانه: {يَهَبُ لمن يشاء إناثا ويَهب لمن يشاء الذكور}، بتقديم الإناث على الذكور، قدّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، اسم الشيخة شيخة على اسم الشيخ راشد ترسيخاً لرؤيته في تكريم الأنثى في جميع أطوار حياتها، وهو ما تشهد به واقعات الحياة في سياسة سموه الذي أولى المرأة الإماراتية عناية لا نظير لها بين المجتمعات، وها هو يُجسّد هذه البصمة في هذه المقطوعة العذبة المكتوبة حفاوة بطفلين لم يعتركا في إيقاع الحياة ولكنه يريد التأكيد على نظرته الراسخة تجاه المرأة في جميع أطوار حياتها، فهي مع شقيقها الشيخ راشد قد أشاعا أجواء الصفاء في بيت سموه وأسرته الكريمة بما يبعثان في القلب من مشاعر الأمل المتجدد والبراءة وحب الحياة، فالبيت كله ينعم بأجواء السرور والمودة، وهذا هو شأن الأطفال الذين نحتمل شقاوتهم وكثرة مشكلاتهم ومشاغباتهم بسبب هذه اللحظات الفريدة من المتعة القلبية بحركاتهم، ولذلك كان لهم هذه المنزلة المكينة في خوافي القلب وحنايا الضلوع حيث لا يصل إلى تلك المنطقة إلا الأحباب الخُلّص، وهؤلاء الورود الزاهرة هم ثمرة الحياة، ومكانهم هو في هذا القلب المعمور بحب الخير والإنسان.

شيخه لطيفه في الهدو باعترافي

                   لكن في راشد عناد وشده

لو هو صغير تحس أنه سنافي

                 وإذا بغى شي فما جد يرده

في هذا المقطع اللطيف الشفيف يضيء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الطبيعة الطفولية لهذين الشيخين الكريمين، فيشهد للشيخة شيخة بأنها لطيفة السلوك هادئة الطباع، وكأنّه بذلك يستعيد ذلك الطيف العظيم الراسخ الحضور في وجدانه النبيل، أعني طيف والدته طيبة الذكرى المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيان، رحمها الله، التي أبدع سموه في الحديث عن مناقبها وكريم أخلاقها، وكيف أنّها كانت كالنسمة الرقيقة لزوجها وأطفالها، وكالنخلة الشامخة بين النخلات، والظبية السارحة تتبعها الظبيات، وكم كان يردد وهو يكتب سيرة أمه «من مثلك يا أمي؟ من مثلك يا لطيفة؟» فلعلّ هذا الوصف هو إحياء لتلك الروح التي ألهمتْ صاحب السموّ أكرم الأخلاق ورسّخت في شخصيته منابع الرحمة واللطف مع الخلق، وليكون راشد الصغير صورة عن جدّه الأكبر طيب الذكرى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراه، ذلكم القائد المُلهم الذي لا ينساه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا ينسب إلى نفسه شيئاً من الخير إلا بعد نسبته إلى أبيه الذي كان يتفرّس فيه كل مناقب الفرسان، فالوداعة الظاهرة لا تعني الضعف إطلاقاً، فهذا الشيخ الطالع للحياة شديد المِراس، تلوح على مُحيّاه من مظاهر الطيبة والوداعة وهو شجاعٌ (سنافي) وإذا أراد شيئاً فلن يتراجع عن مطلبه حتى يتحقق ذلك الشيء رغم كلّ الظروف، وهذا ما يريده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أبنائه وأحفاده: اللين في غير ضعف، والعزيمة في غير عنف.

حمدان منهم صايبنه إختلافي

               عنهم ما يصبر باذل كل جهده

محليين الجو والإنس ضافي

             ويورك هواها بلعبهم خف برده

في هذا المقطع يلقي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الضوء على المشاعر الأبوية لوالد الشيخين، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد، الذي تعلّق قلبه بهما تعلّقاً كبيراً بحيث لا يطيق الصبر على فراقهما والابتعاد عنهما، فهو يبذل أقصى الجهد في سبيل تربيتهما وإسعادهما بإحساس الأب الرفيق المحبّ لأطفاله، فأعباء الدولة لا تعني نسيان المسؤوليات الإنسانية تجاه هذه الأرواح الرقيقة التي تحتاج إلى العناية والرعاية والاهتمام، حاجتها إلى الطعام والشراب، فهما يذهبان مع الأجداد والآباء إلى الريف الإنجليزي في منطقة يوركشاير حيث يحلو الصيد والقنيص، وتحلو بهم الأجواء وتصفو بدعابتهما الأرواح بل إنّ بَرد تلك المنطقة الباردة يتعدّل مزاجه وتخفّ لذعته بسبب ما يثيرانه من مشاعر الدفء والبراءة واللطف.

لو شافهم ميهود بيرد شافي

               هم بلسم للقلب إن شي لده

ثمّ كانت هذه الخلاصة البديعة، فهم قرّة العين ومستراح القلب، ولو رآهم إنسان قد هدّه التعب وأضناه الجهد لشعر بالعافية والشفاء، لأنّ عافية البدن تابعة لعافية الروح، فحين تتعافى الروح وتشعر بالسعادة والسرور يكون البدن في غاية العافية والسعادة، فالأولاد والأحفاد هم قرة العين، وهم بلسم القلب وترياق الفؤاد إذا تكدّر من هموم الحياة، ليظل حب الأولاد تعبيراً صادقاً عن سلامة الفطرة التي عبر عنها القرآن أبلغ تعبير في قوله تعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}.

" شيخه وراشد" رائعة شعرية جديدة لمحمد بن راشد