حدد مختصون أبرز 5 تحديات تواجه زواج أصحاب الهمم، وتتضمن نظرة المجتمع الضيقة ، وعزوف بعض العائلات عن الزواج من أصحاب الهمم، بالإضافة إلى قلة الاستعداد النفسي للزوجين، ورفض فكرة الزواج لدى ذويهم، فضلاً عن المشكلات المادية نظراً لضعف فرص العمل ، وأكدوا أن بعض الإعاقات تكون وراثية ومن ثم يكون هناك احتمالات قوية لإنجاب أطفال مصابين بذات الإعاقات، الأمر الذي قد ينتج عنه مشكلات تواجه ليس فقط الأسرة الجديدة، وإنما أيضاً المجتمع والدولة. 

شدد عدد من أصحاب الهمم ممن التقتهم «البيان» على أهمية نشر الوعي بين أفراد المجتمع، بهدف تغيير نظرة المجتمع حيال زواج هذه الفئة مستندين إلى تجاربهم الشخصية، ومثمنين في الوقت ذاته جهود الحكومة في دعمهم لتجاوز التحديات التي تعيق اعتمادهم على أنفسهم.

وتبرز مريم حاجي البلوشي، كأحد نماذج النجاح الملهم من أصحاب الإعاقات الحركية، الذين لم تمنعهم من التميز في العمل وكسب صداقات الزملاء ورؤساء العمل الذين يكنون لها كل احترام وتقدير، على جهودها وتميزها.

ترى مريم أن الزواج حق من حقوق الإنسان بغض النظر عما إذا كان سليماً أو معاقاً، فهو إنسان يتمتع بالعاطفة ولديه احتياجات مثل السكن والنفقة والرعاية والعناية، ومن حقه أن يحيا حياة كريمة وسعيدة في الدنيا لاسيما إذا كان يعيش على أرض هذه الدولة الكريمة.

وقالت البلوشي «هناك بعض الأسر ترفض تزويج الابن أو الابنة لصاحب همة، لظنهم بأن هذه الفئة غير قادرة على تكوين أسرة وتحمل المسؤولية أو أنهم غير قادرين على الإنجاب وتربية الأبناء، وهذه معلومات مغلوطة وغير صحيحة، فهناك العديد من أصحاب الهمم ولله الحمد متزوجون ولديهم أبناء ناجحون ومتفوقون.

ونصحت البلوشي بضرورة نشر الوعي بين أفراد المجتمع بأحقية زواج هذه الفئة، وأهمية أن يحيوا حياة طبيعية وأسرية، وضرورة تيسير زواجها ودعمها من مؤسسات المجتمع وتنظيم دورات وورش عمل لها حول كيفية تعامل الطرفين مع بعضهما البعض وحقوق كل منهما وأسس تربية الأبناء.

وأشارت إلى أن العديد من الأشخاص الأصحاء يترددون كثيراً في الزواج من فتاة من أصحاب الهمم، مما يستدعي المزيد من التوعية لا سيما أنه ليس كل الإعاقات تمنع صاحبها من تكوين أسرة أو تحمل المسؤولية، موضحة أن الكثير من الأسر لا تبالي بمشاعر واحتياجات بناتها من هذه الفئة، ولا تأبه بتزويجهن، بهدف الحصول على رواتبهن، في حين أنهن يرغبن في العيش أسوة ببقية بنات جنسهن من خارج الفئة.

حياة سعيدة

بدوره أكد جاسم الشامسي، الذي عانى من إعاقة حركية بعد أن تزوج بسبب حادث تعرض له، أن زوجته التي هي من أقاربه، تقبلت أمر الله وكانت خير سند له في تخطي محنته، مشيراً إلى أنه يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في إدارة شؤون حياته وأسرته وأبنائه والاعتماد على نفسه إلا أنه يعتمد فقط على السائق أثناء ذهابه لعمله نظراً لطبيعة إعاقته، وفيما عدا ذلك فهو يعيش مع أفراد أسرته حياة سعيدة وطبيعية.

فكرة مغلوطة

وقالت هند التي تعاني إعاقة بصرية: «إن بعض الأسر ترفض تزويج الابن أو الابنة لصاحب همة، لظنها أنه عاجز عن تكوين الأسرة وتحمل المسؤولية، وهي فكرة مغلوطة بالكامل ونظرة قاصرة ومجحفة بحق هذه الفئة التي حققت إنجازات يشار لها بالبنان في دولة تدعم وتقدم وتسخر كل الإمكانات».

وأشارت إلى العديد من النماذج الناجحة لمتزوجين لديهم أبناء ناجحون ومتفوقون، داعية إلى توفير ما يعرف بـ«الزواج الميسر» المدعوم لأصحاب الهمم من مؤسسات المجتمع، وتنفيذ دورات وورش عمل لإعداد أصحاب الهمم للحياة الزوجية ومتطلباتها وأسس تربية الأبناء، كما اقترحت إعفاء أصحاب الهمم من شرط الزواج بمواطنة في منح الزواج التي تقدمتها وزارة تنمية المجتمع لكون بعضهم لا يقدون على تنفيذ الشرط لأسباب تتعلق بنوع الإعاقة.

قوانين

من جانبه شدد وليد المحرزي على ضرورة التركيز على وعي أولياء الأمور والمجتمع بزواج أصحاب الهمم لأنه من حق من حقوقهم، لا سيما أن القوانين والتشريعات في الدولة كفلت هذا الحق وجعلته على قيد المساواة مع الآخرين، وتقوم وزارة تنمية المجتمع والهيئات على مستوى الدولة بالعمل على رفع الوعي المجتمعي في قضايا أصحاب الهمم والتي من بينها قضية الزواج.

واقترح المحرزي إنشاء هيئة خاصة تعنى بأصحاب الهمم وزواجهم تكون خاصة بهم فقط وتنفيذ دورات تدريبية للحديث عن زواجهم والمتطلبات الخاصة به والمتطلبات ما بعد الزواج، كالفحص الطبي الشامل حول حدوث أعاقات مستقبلاً.

أما محمد الغفلي فقد ارتأى أن الحديث عن قضية حساسة لأصحاب الهمم، وهي الزواج أمر بالغ الأهمية لتسليط الضوء حولها، باعتبارها مشكلة اجتماعية تتطلب وعي وإدراك جوانبها الحساسة من طرف أصحاب الهمم أو الأسر التي سيصاهرونها.

وحول تجربته قال الغفلي: «أنا ككفيف كانت تجربتي مغايرة فأنا من البداية كانت نيتي أن أرتبط بفتاة من نفس الفئة، وذلك لاعتبارات شخصية من أهمها اختيار شريكة تتفهم التحديات التي أمر بها وأن يكون لدى الشريكة نفس التوجه في الاعتماد على الذات، ولكن رفض أسرتي كان قاطعاً، وذلك يعود إلى قناعتهم بأن الارتباط بمبصرة أجدى لتحمل أعباء الحياة».

وتابع «مر أهلي بتجارب وتحديات في محاولة التقدم لمجموعة من الأسر للزواج من فتاة مبصرة، إلا أن محاولاتهم لم تنجح، لكثير من الأعذار مثل إن الفتاة غير جاهزة أو صغيرة، وهناك من وضع صفقة مقايضة في زوجونا ونزوجكم».

وكشف الغفلي عن لجوء بعض أصحاب الهمم إلى اختيار العزوبية أو الارتباط بزوجة غير إماراتية، مما يضيف عبئاً وتحدياً آخر، وهو فقدان فرصة الحصول على منحة الزواج، كون الشروط لا تنطبق على المتقدم لأن أهم شرط تكون الزوجة إماراتية».

مسألة إنسانية

وأكد المختصون أن مسألة زواج أصحاب الهمم هي مسألة إنسانية تتطلب دراسة مستوفاة مصحوبة بالوعي سواء من أصحاب الهمم المقبلين على الزواج أو من الأسر والعائلات والمجتمع ككل، لافتين إلى لجوء بعضهم إلى اختيار العزوبية أو الارتباط بزوجة غير إماراتية ما يدخله في تحدٍ آخر وهو الحصول على منحة الزواج لانتفاء شرط أن تكون الزوجة إماراتية، مقترحين إنشاء صندوق يدعم هذه الفئة للظرف الإنساني الذي يحول دون تحقيق الشروط المطلوبة.

وأوضحت ناعمة الشامسي مستشارة أسرية وزوجية ونفسية أن مسألة زواج أصحاب الهمم يجب أن تكون مدروسة بشكل جيد قبل الإقدام على الخطوة سواء من قبل أصحاب الهمة أو ذويهم أو حتى من قبل العائلات بشكل عام، مشيرة إلى أن دراسة موضوع زواجهم يعتمد على نوعية الإعاقة وأسبابها.

وتابعت أن بعض الإعاقات تكون وراثية ومن ثم يكون هناك احتمالات قوية لإنجاب أطفال مصابين بذات الإعاقات الأمر الذي قد ينتج عنه مشكلات تواجه ليس فقط الأسرة الجديدة، وإنما أيضاً المجتمع والدولة التي ستتفاقم جميع أعبائها نتيجة الاعتناء بهذه الفئة.

وبينت أن بعض الإعاقات تتطلب إعادة التفكير ورفع الوعي بشأنها لا سيما الإعاقات الناتجة عن التعرض لحوادث أو مؤثرات خارجية، أدت للإصابة بإعاقة حركية أو حسية أو ذهنية، وفي هذه الحالة فإنه يجب على الطرف الآخر أن يتحلى بالصبر والحكمة والوعي حول الزواج من شخص معاق، موضحة أن أغلب الأهالي قد لا يوافقون على تزويج بناتهم الأسوياء من رجال يعانون من إعاقات.

وأكدت الشامسي أهمية الاستعداد النفسي والجسدي للزوجين في هذه الحالات، مشيرة إلى ضرورة تنظيم وتخصيص دورات تدريبية يخضع لها الزوجين من هذه الفئة قبل الإقدام على مشروع الزواج.

إعاقات ذهنية

من ناحيته يرى جاسم المرزوقي مستشار العلاج النفسي، أن مسألة زواج أصحاب الهمم تصنف بحسب نوع الإعاقة، كالإعاقات الذهنية والعقلية أو الحركية أو الحسية، مشيراً إلى أن الإعاقات الذهنية والعقلية مثل الفصام والمتلازمات مثل متلازمة داون والتوحد وغيرها تتطلب النظر من منظور الإدراك، لا سيما أن الكثير من أصحاب هذه الإعاقات يعانون من مستوى ذكاء متدن أو تخلف عقلي وبالتالي مسألة الارتباط بأصحابها تكون صعبة.

وقي حالة الإعاقات الجسدية أوضح المرزوقي أن الارتباط يكون أسهل لأصحابها سواء ممن ولدوا بها أو أصيبوا بها نتيجة حادث، مشدداً على أهمية آليات وأساليب التعامل مع هذا النوع من الحالات، نظراً لتداعياتها النفسية مثل الإحباط أو الاكتئاب أو غير ذلك، وذلك عبر التهيئة النفسية للتعامل مع تحديات الحياة التي تواجههم بسبب الارتباط بشخص معاق، مشدداً على ضرورة مراعاة طبيعية الشخص المراد الارتباط به بحسب نوع الإعاقة سواء بصرية أو حركية أو حتى سمعية أو غيرها.

وأكد أن الصعوبات التي يعانيها ذوو الإعاقة كثيرة لاسيما بعد الارتباط لأن الأمر يتطلب شيئاً من الشعور بالرغبة في الاستقلالية خاصة إذا كانت الإعاقة جسيمة وتجبر صاحبها على الاعتماد على غيره مثل شريك حياته.

وقال «كلما كان الطرفان مهيئين نفسياً قبل مسألة الارتباط سواء إذا كانا من أصحاب الإعاقة أو إذا كان أحدهما عبر التفهم والتثقف بطبيعة هذه الإعاقة، كان الحد من التقلبات النفسية التي قد يتعرض لها الطرفان أكثر سهولة ويسراً».

وأشار إلى أنه يشجع زواج الأشخاص المصابين بإعاقات مختلفة ما عدا أصحاب الإعاقات الذهنية وذلك لصعوبة إدارتهم لشؤون حياتهم وبالأخص في حال نجم عن هذا الزواج أبناء مصابون بذات الإعاقة وقد لا يجد من يرعاهم ويعتني بهم.