شهد العقد الجاري رواجاً كبيراً للأصول الرقمية، والمنتجات والخدمات المرتبطة بها، وهو الأمر الذي فرض واقعاً اقتصادياً جديداً، دفع صنّاع السياسات إلى مراقبة أنشطة هذا القطاع.
والتعرف على المخاطر الناتجة عنه مع تزايد الروابط بينه وبين الأنظمة المالية الخاضعة للتنظيم، خاصة في ظل النمو المتزايد على الصعيد العالمي، الذي شهد طفرة غير مسبوقة في العامين الماضيين بفعل العديد من التحديات والمتغيرات العالمية المرتبطة بجائحة «كوفيد 19».
ونظراً إلى حيويتها وتجددها، تتيح الأصول الرقمية عالماً واسعاً من الفرص في عمليات دفع سهلة وسريعة، وخدمات مالية مبتكرة، تتيح الوصول إلى الخدمات المصرفية دون استثناء، في أي زمان، ومن أي مكان.
تشكّل العملات الرقمية أحد أهم الأصول الرقمية، الواسعة الانتشار، بجانب الأصول الرقمية غير القابلة للاستبدال «NFT»، وجميعها أصول غير قابلة للمحاكاة فيزيائياً.
ولكن ما عزز من حضورها عالمياً تقنية «البلوكتشين»، التي تمثل قيمة اقتصادية كبيرة للابتكارات التكنولوجية الأساسية، وتسعى العديد من البلدان والمؤسسات المالية إلى الاستعانة بها داخل أنظمة العمل، نظراً إلى المميزات الهائلة، التي تتيحها من توفير قدر عال من الأمان والكثير من الوقت والتعاملات الوسيطة.
بداية
وتعود نشأة الأصول الرقمية إلى العام 1990 مع بدء العمل بتكنولوجيا المعلومات، حيث كانت البداية عبر منتجات الذهب الإلكتروني الذي تأسس في عام 1996، حتى جاء عام 2006، وبدأ موقع «ليبرتي ريزيرف» في تأسيس عملة رقمية تسمح للمستخدمين بتحويل الدولار أو اليورو إلى عملة رقمية، ويسمح بالتبادل بينهما، برسوم نسبتها (1%)، إلا أن الحكومة الأمريكية أغلقتها تماماً بعد الاتهامات التي لاحقتها باستخدامها في جرائم غسل الأموال.
وفي الصين وبالتحديد في عام 2005 بدأ استخدام نوع من العملة الرقمية القائمة على السلع الأساسية عبر منصة «تينسينت كيو كيو» من خلال القطع النقدية «Q»، لكن الاتهامات لاحقتها أيضاً بزعزعة استقرار العملة الصينية الرسمية «يوان» بسبب المضاربة، إلى أن جاء عام 2018 وبدأ تداول العملات الرقمية بالشكل الذي وصلنا إليه حالياً، الذي يعتمد على تقنية «البلوكتشين»، لتصبح عملة «بتكوين» في العام 2019، العملة الرقمية الأكثر استخداماً على نطاق واسع في معظم دول العالم.
عملات مشفرة
وعلى مستوى الدول العربية، تشير مواقع التواصل الاجتماعي إلى اهتمام متنامٍ تجاه العملات المشفرة، وبينما لا تنظم التشريعات الاستثمار في العملات الرقمية في الدول العربية، باستثناء إمارة دبي، التي أصدرت قانوناً في عام 2022 بشأن تنظيم الأصول الافتراضية.
إلا أن شهية الكثير من العرب ولا سيما الشباب منهم تتجه نحو هذا النوع من الاستثمارات، لتشير أحدث البيانات إلى أن رأس المال السوقي للأصول الرقمية في العالم يتجاوز حالياً (2,5) تريليون دولار، ما يعكس هذا الزخم الكبير الذي تشهده هذه الأصول في العديد من الدول.
ولاقت الأصول الرقمية دعماً كبيراً في الدول المتقدمة، حيث ذكرت منصة Gemini لتداول العملات المشفرة في دراسة أن (17%) من الأوروبيين يستخدمون الأصول الرقمية، وهي نسبة مماثلة للدول المتقدمة الأخرى، فيما يبلغ المتوسط العالمي حوالي 23%.
تداول رقمي
ومع التطور الكبير الذي أحدثه رواج الأصول المشفرة في العالم، بات من الضروري وجود منصات ذات صفة قانونية تدعم عمليات التداول، لنجد أن العديد من الشركات اتجهت إلى الحصول على الموافقات اللازمة في مختلف البلدان لإنشاء مراكز للتداول في الأصول الرقمية، حتى يسمح من خلالها بقبول العملات المشفرة، كطريقة مأمونة للدفع، وتسمح المصارف المركزية الوطنية للبنوك القائمة بالعمل مع هذه البورصات، بحيث يمكن لعملائها سحب أموالهم وإيداعها بسهولة.
تحذيرات عالمية
وعلى الرغم من هذا التطور في الأصول الافتراضية في العالم، إلا أن هناك تحذيرات عالمية متزايدة من المخاطر المصاحبة للأصول الرقمية، يقودها صندوق النقد الدولي، الذي يؤكد أنها تهدد الاستقرار المالي العالمي، لكن في نفس الوقت لا يشدد على حظرها تماماً، بل ينصح بتحرك البلدان على صعيد السياسات المالية والنقدية، وتطبيق الممارسات الموثوقة، المتعلقة بالجوانب التشغيلية والحوكمة والمخاطر، وذلك بالنظر إلى حيويتها، وما توفره من فرص في تحسين كفاءة نظم الدفع وتحقيق المنافع المالية في المجتمعات.
