لا يتسنى للمرء دائماً أن يشهد ولادة وإنجاز مشاريع استراتيجية كبرى، يراقبها وهي تنمو من مخطط على الورق، ومساحات خالية، ثم بدء تشكلها، إلى حين الاكتمال والإنتاج. لكن في دولة الإمارات العربية المتحدة، كل مستحيل ممكن، وكل نادر يصبح عادياً جداً، مع توالي الإنجازات الاستثنائية، حتى أصبحت سمة مميزة لدولة تمضي قدماً لحجز مكانة رفيعة على الخريطة العالمية.

وأبرز مثال على ذلك، هو ما تحقق، وفي فترة قياسية، خلال تطوير البرنامج النووي السلمي الإماراتي، وحجر الأساس فيه: محطات براكة للطاقة النووية السلمية.

3 سنوات فقط، تفصل ما بين صدور مرسوم تأسيس مؤسسة الإمارات للطاقة النووية، من قبل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، طيب الله ثراه، وما بين بدء صب أول خرسانة في موقع محطات براكة للطاقة النووية في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، إيذاناً ببدء الأعمال الإنشائية لبناء أول محطات الطاقة النووية السلمية في دولة الإمارات والعالم العربي.

خلية نحل

في الـ 18 من يوليو 2012، تحول موقع محطات براكة من مساحات خالية إلا من الرمال، إلى خلية نحل، تختلط فيها مشاعر الفخر الوطني والمثابرة، مع بدء تطوير قطاع علمي وتكنولوجي متقدم في الدولة، من نقطة البداية، ومع كل كتلة إسمنتية ترتفع، تعلو معها الآمال والطموحات والاستبشار.

كان أحد أيام شهر رمضان الفضيل، ورغم ذلك، وصلت فرق العمل الليل بالنهار، لإنجاز صب الخرسانة الرئيسة لمبنى المحطة الأولى في براكة.

ويقول المهندس علي المنصوري، الذي يشغل حالياً منصب رئيس قسم الأصول، في شركة نواة للطاقة، التابعة لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية:

أنا شاهد على كافة مراحل تطور مشروع محطات براكة، منذ كانت المحطة الأولى مخططاً على الورق، إلى حين مرور أكثر من عام على تشغيلها بشكل تجاري، وإنتاج كميات ضخمة من الكهرباء الصديقة للبيئة. هو شعور لا يوصف، أن يكون لك دور في تطوير مشروع عملاق مثل محطات براكة منذ البداية، إلى حين تحقيق إنجاز يعد تاريخياً بكل المقاييس.

نموذج عالمي

ويعود علي المنصوري بالذاكرة قليلاً، ممتلئاً بمشاعر الفخر، لا سيما أنه من سكان منطقة الظفرة، ويقول: كانت منطقة براكة معلماً للبدو الأوائل، يستدلون بها على الطرق والأمكنة، والآن أصبحت معلماً من نوع جديد، حيث تحتضن محطات براكة للطاقة النووية، التي أصبحت نموذجاً عالمياً، تسترشد به الدول الساعية لإطلاق برامج جديدة للطاقة النووية السلمية، ووضع حلول جدية لظاهرة التغير المناخي.

ومن جانبه، قال أحمد الجزيري مدير المشاريع الاستراتيجية طويلة الأمد، في شركة نواة للطاقة التابعة لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية.

والذي كان أيضاً من بين المئات من الكفاءات الإماراتية التي شاركت في بدء الأعمال الإنشائية في أولى محطات براكة، قبل أكثر من عقد من الزمن: كانت الأجواء حماسية على نحو لا يوصف، مشاعر مختلطة انتابتنا، ونحن نبدأ مسيرة جديدة تماماً في الدولة، تتمثل في تطوير مشروع غير مسبوق في العالم العربي ككل، لكن في داخلنا ثقة كبيرة، بأننا على قدر رهان القيادة الرشيدة، وأننا سننجز ونتميز أيضاً.

وأضاف: مع كل إنجاز يتحقق أمام أعيننا في المحطة الأولى في براكة، سواء على صعيد العمليات الإنشائية أو الاختبارات الرئيسة، كان الدافع لمواصلة العمل وفق أعلى المعايير العالمية الخاصة بالجودة والسلامة يكبر فينا، وحلم اكتمال المحطة يقترب أكثر، حتى وصلنا إلى لحظة التشغيل التجاري للمحطة، وتوفير مصدر استراتيجي للطاقة الخالية من الانبعاثات الكربونية.

نعم أنجزنا وشغلنا أول محطة للطاقة النووية في تاريخ دولتنا والعالم العربي. إنها لحظة فخر لا توصف.