مسؤولون وخبراء خلال جلسة نقاشية في «مساحتكم عبرالبيان »:

الأمن الغذائي يتصدر الأولويات عربياً

ت + ت - الحجم الطبيعي

أكد خبراء ومتخصصون في مجال الأمن الغذائي، أن التحديات التي عصفت بالعالم خلال السنوات القليلة الماضية، بدءاً من التداعيات الملموسة لظاهرة التغير المناخي، وتأثيرات جائحة «كورونا»، والصراعات السياسية، وضعت ملف الأمن الغذائي في صدارة ملفات النقاش والتخطيط، التي حرصت معظم دول العالم على مناقشتها على كافة المستويات.

وذلك بفعل التحديات التي فرضتها هذه الأحداث، من تأثر سلاسل الإمدادات، وارتفاع تكلفة المواد الغذائية الأساسية، ولجوء بعض الدول إلى منع تصدير بعض محاصيلها الغذائية إلى الخارج.

تداعيات الأحداث

وأشار المشاركون في جلسة «مساحتكم عبر البيان» النقاشية، على «تويتر space»، التي طرحت موضوع «الأمن الغذائي.. نحو جهود مستدامة»، إلى أن الدول العربية خلال السنوات الماضية، انصب تركيزها على قطاعات الصناعات والخدمات، ولم تولِ قطاع الزراعة اهتماماً كبيراً، وهو ما نتج عنه وجود هشاشة كبيرة في ملف الأمن الغذائي لدى بعض الدول، فور تأثر سلاسل الاستيراد من الخارج، جراء تداعيات الأحداث المتتالية التي يشهدها العالم، مشيدين في الوقت نفسه بتجربة الإمارات النموذجية في إدارة الملف الغذائي، وحرصها على توفير مخزون استراتيجي من السلع الأساسية وغير الأساسية.

وتطرق المتحدثون إلى مفهوم وواقع الأمن الغذائي في الإمارات والوطن العربي، وأهمية الأمن الغذائي كمرتكز لتحقيق التنمية المُستدامة، وجهود الإمارات في تطويع التكنولوجيا لتوفير الغذاء في بيئة صحراوية، إضافة إلى أبرز التحديات التي تواجه تحقيق أمن غذائي شامل، لا سيما في الدول العربية، والآليات المطلوبة لتحقيق الأمن الغذائي ضمن خطط التنمية المُستدامة.

الجلسة أدارتها سحر الميزاري المذيعة في قناة بلومبيرغ الشرق، وتحدث فيها كل من البرفيسور حسين منصور رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية لسلامة الغذاء في مصر، والدكتور عصام شرف الهاشمي مدير قسم رقابة تجارة الأغذية في بلدية دبي، والدكتورة جهاد الفاضل نائب رئيس الشبكة البرلمانية للأمن الغذائي في أفريقيا والعالم.

والدكتور محمد عبد المحسن وكيل كلية الزراعة والطب البيطري بجامعة الإمارات، والمهندس أسعد آشي المؤسس والمدير التنفيذي لمشروع زرعنا لحلول الأمن الغذائي وتنمية المناطق الريفية في المملكة العربية السعودية، والدكتور حسام عايش خبير اقتصادي في المملكة الأردنية الهاشمية.

ترتيب الأولويات

وفي بداية الجلسة، قالت سحر الميزاري: إن الأمن الغذائي يعد أحد أهم القضايا التي تشغل العالم في الوقت الراهن، والحديث فيه ليس مقتصراً على المختصين بالسياسة أو رجال الاقتصاد والأعمال، بل هو يمس كل شخص في العالم، والتحديات التي عصفت بالعالم في السنوات القليلة الماضية، بدءاً من التحديات الملموسة لظاهرة التغير المناخي، ومروراً بتداعيات جائحة «كورونا»، وانتهاء بلا شك بالحرب الأوكرانية، كل ذلك أعاد ترتيب الأولويات على مستوى دول العالم.

وبالتالي، برز ملف الأمن الغذائي على طاولة التخطيط الاستراتيجي للدول العربية، ودول العالم أجمع، كل ذلك سعياً للوصول إلى حد مقبول من الاكتفاء الذاتي، لا سيما في ظل ارتباط القضية بالتنمية المستدامة، والقضاء على الجوع، والتغذية المحصنة، وتعزيز الزراعة المستدامة، وإيجاد مسارات جديدة للتغذية والزراعة والنظم الغذائية.

وأوضحت أنه عند الحديث عن ملف الأمن الغذائي، لا بد من التطرق لجهود دولة الإمارات، والتي دائماً لها السبق والأولوية في التفكير في التحديات التي تشغل العالم، لذلك كان هذا الموضوع محور اهتمام القيادة الرشيدة في الدولة، التي وجهت باستشراف المستقبل له في مختلف مجالاته، وسارعت منذ سنوات، لتعيين أول وزيرة للأمن الغذائي والمائي في العالم.

تقييم وتشخيص

وقالت الدكتورة جهاد الفاضل: إنه من المهم جداً أن نقوم بتقييم وتشخيص الأمن الغذائي في الدول العربية، حتى نضع الحلول المناسبة، خصوصاً مع وجود تفاوت في مراكز الدول العربية في مؤشر الأمن الغذائي العالمي، وعلى الرغم من أن دول الخليج تصدرت قائمة الدول العربية، وفق التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة الفاو، إلا أن هناك ثلاث دول عربية تذيلت القائمة فيه، وهي سوريا والسودان واليمن، من بين أكثر من 115 دولة.

وأوضحت أن التحديات التي تواجه الدول العربية في ملف الأمن الغذائي، مرتبطة بارتفاع تكلفة الغذاء وإنتاجه، وجودته وسلامته، وقدرة الموارد الطبيعية على الاستمرار في الإنتاج أو التأثير فيه، وهو ما أكد عليه البيان الذي أصدرته منظمة الغذاء العالمي في يناير 2022، الذي تحدث عن ارتفاع كبير في أسعار الغذاء العالمية لأعلى مستوى في 10 سنوات، بسبب الجائحة، وهو ما أثر في اقتصاد الدول والأفراد، والتي كانت الدول العربية من ضمنها.

تشريع نموذجي

وأشارت الفاضل إلى أن أغلب الدول العربية بحاجة إلى تقنين موضوع الأمن الغذائي، والمقصود به وضع التدابير المناسبة والآليات التي تكفل التخطيط لقراءة المستقبل، بالاستفادة من دروس الماضي، لافتة إلى أن الدول العربية متباينة في مستوى إطلاق وتنفيذ مشروعات الأمن الغذائي، فالبعض يعتبرها أولوية وطنية، كدولة الإمارات، والبعض الآخر يعتبرها ليست ضمن قائمة الأولويات.

وأوضحت أن الدول العربية بحاجة إلى تشريع نموذجي عربي، يركز على توفير مخزون استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية، وهنا، لا بد من الإشادة بالمبادرة الإماراتية في هذا المجال، بإصدارها القانون الاتحادي في عام 2020، بشأن تنظيم المخزون الاستراتيجي بشأن تنظيم السلع الأساسية في الدولة، وكذلك مملكة البحرين، التي أحالت الحكومة فيها مؤخراً للسلطة التشريعية، قانوناً بشأن تأمين مخزون استراتيجي من السلع.

وبينت أن الشراكة العالمية مع المؤسسات المتخصصة بالغذاء، مثل الفاو وإيفاد، يسهم في تعزيز الأمن الغذائي في البلدان المستهدفة، كما هو الحال مع مساهمة دولة الإمارات في دعم المزارعين الصغار في زيمبابوي، بالشراكة مع منظمة الفاو، والشراكة لمكافحة سوسة النخيل.

والتي تعود بالنفع على الجميع، وتجعل دولنا مبادرة ومقدمة، ونموذجاً ملهماً لإدارة ملف الأمن الغذائي عربياً، كما أن مثل هذه الشراكة، يكون لها أثر إيجابي في تحسين بعض الدول طريقة إدارتها لملف الأمن الغذائي.

23 سلعة

وقال الدكتور عصام شرف الهاشمي، إن دولة الإمارات طورت استراتيجية للأمن الغذائي، ركزت على محاور رئيسة، تقوم على توفير 23 سلعة غذائية على مدار العام، وتحورت هذه الاستراتيجية لخطط تنفيذية، فعلى سبيل المثال، تم تطوير منصة الأمن الغذائي، التي تقوم بمتابعة الواردات الغذائية إلى الدولة من دول العالم المختلفة، وسهلت المنصة معرفة مصادر الغذاء، التي يتم الاستيراد منها، ما فتح آفاقاً بديلة في حالة حدوث أي مشاكل سياسية أو اقتصادية في أحد دول الاستيراد، مشيراً إلى أن دولة الإمارات لديها مصادر متنوعة لاستيراد الغذاء من مختلف العالم، وتحرص على بناء شراكات فاعلة، تقوم على تبادل المصالح مع دول الاستيراد.

وتطرق في حديثه لأحد مشاريع الاستدامة لمشروع بنك الإمارات للطعام، والذي يعد جزءاً مكملاً لسلسة الأمن الغذائي، من حيث إن جميع الأغذية التي يتم استيرادها بشكل عام، تفقد جزءاً منها خلال عملية التوريد أو التصنيع، ويقوم البنك بتوجيهها مع الفائض من الطعام، لتصل للأسر والأشخاص المحتاجين، وهو ما يحافظ على منظومة الغذائي.

وأشار إلى أن دولة الإمارات، قامت أيضاً بوضع خطط استباقية في حال حدوث مشكلة في أحد سلاسل الإمداد أو دول الاستيراد، من خلال اللجوء لمصادر ودول بديلة، تسهم في توفير السلع الغذائية الأساسية بشكل عام، وحتى غير الأساسية، من خلال قاعدة البيانات المتاحة، مشيراً في الوقت ذاته، إلى مساهمة المكاتب الخارجية للشركات والاتفاقيات التي تقوم بها مختلف مؤسسات الدولة في الخارج.

والتي تعد عاملاً مساعداً في البحث عن مصادر لاستيراد الغذاء، في حال حدوث مشكلة معينة في أحد سلاسل التوريد، أو تطبيق بعض الدول للحمائية الغذائية، وهي التي تعني حظر تصدير بعض المنتجات، كما قامت به بعض الدول التي حظرت تصدير القمح.

سيادة غذائية

وأفاد البرفيسور حسين منصور، بأن الأمن الغذائي يعني توفر المنتجات بأسعار في متناول الجميع، ولذلك، قامت مصر بإصدار قانون السيادة الغذائية، والتي تعني أن توفير الغذاء يكون فيها ليس مبنياً على الاستيراد، وإنما على الإنتاج المحلي، وهو ما أضاف تحدياً جديداً للجمهورية، خصوصاً بعد تأثر سلسلة الإمداد، جراء الحرب الأوكرانية، وسبقتها جائحة «كورونا»، التي أثرت بشكل سلبي في وسائل النقل، وعدم وصول المنتجات والسلع للجمهورية، ولتجاوز ذلك، قامت الحكومة المصرية مؤخراً بعمل صوامع لتخزين وتأمين القمح، وهو الذي يقصد به توفير المخزون الاستراتيجي.

وأكد أن الظروف الحالية التي يعيشها العالم، تتطلب العديد من الإجراءات، لتحقيق الأمن الغذائي، والخروج بأقل تأثير، وأن يكون الأمن الغذائي الاهتمام الأول للدول العربية، علاوة على ضرورة وضع سياسية تكاملية، لمواجهة ندرة المياه والأرض، ومستلزمات الإنتاج بعيداً عن كل الأمور السياسية.

كما أنه من الضروري إزالة كافة القيود المفروضة على التبادل التجاري بين الدول العربية، طالما أنه لا ضرر على صحة الإنسان، إضافة إلى ضرورة تبادل المعلومات، وزيادة الدراسات، واستغلال الهندسة الوراثية لإنتاج محاصيل ذات عائد عالٍ.

ضغط زراعي

وقال الدكتور محمد عبد المحسن: إن الأمن الغذائي يعتبر ذا أهمية قصوى، بسبب التضخم في تعداد سكان العالم، وبروز تأثيرات التغير المناخي، الذي أحدث نوعاً من الضغط على القطاع الغذائي والزراعي في معظم دول العالم، وارتفاع التكلفة بسبب تلوث المياه والتربة.

لافتاً إلى أن الخيار الأمثل للمرحلة المقبلة، هو البحث عن تكنولوجيا متطورة ومتقدمة، يعول عليها في إيجاد بدائل تقلل تكلفة الغذاء، وتستطيع حل المشاكل الزراعية، كالذي تقوم به دولة الإمارات منذ سنوات، من خلال تشجيع الابتكار، وإطلاق جوائز عالمية وحلول مستدامة، وأفكار رائدة في مجال الزراعة.

كما استعرض المهندس أسعد آشي مشروع زرعنا، الذي تم تطبيقه في المملكة العربية السعودية، وهو عبارة عن مشروع تقني، بدأ منذ عام ونصف، وساهم في إيجاد حلول لمعضلة كان يعاني منها أغلب المزارعين، حيث إنه في فترة ذروة الإنتاج الزراعي والحصاد، لا تجد بعض المحاصيل منافذ بيع بسبب تخمة المعروض.

لذلك لجأ البرنامج لاستغلال هذه المحاصيل، وإنشاء صناعات تحويلية خفيفة، مثل التجفيف والعصر واستخلاص الزيوت، لافتاً إلى أن الدراسات والنماذج الأولوية، أثبتت زيادة دخل المزارعين والحجوزات الزراعية لأكثر من 60 %.

أزمة مركبة

وأكد الدكتور حسام عايش خبير اقتصادي في المملكة الأردنية الهاشمية، أن أزمة الغذاء في العالم العربي، أزمة مركبة، وهي أزمة نماذج اقتصادية عربية، أعلت من شأن من قطاع الخدمات، وربما قليلاً القطاع الصناعي، واستثنت في رحلة تطورها وتقدمها، القطاع الزراعي، وبالتالي، نحن ندفع اليوم ثمن التجاوز لهذا القطاع، بكل ما يسفر عنه من ضرر في منظومة أمن غذائي.

لافتاً إلى أن العالم العربي مستورد للغذاء، وبالتالي، الدول العربية منكشفة على العالم، وفي حال الاستمرار، سيزيد الإخلال بالأمن الغذائي العربي، والتأثير في الأوضاع الاقتصادية العربية.

ومن ثم الإطاحة بفكرة الأمن القومي للدول العربية، وعلى هذا الأساس، بدأ الأمن الغذائي يتأثر بالكثير من الكلف الإضافية، التي تدفع لاستيراد الغذاء، وهو أيضاً يحتاج إلى ربما ضعفي أو ثلاثة أضعاف للكلف التي كان يمكن أن نوفر قسماً كبيراً منها، لو كان هناك اهتمام أكثر بالقطاع الزراعي منذ البداية.

وأوضح أن أغلب الدول في الوقت الحالي، تدفع ثمناً غالياً لاستراتيجيات وأفكار تؤثر في المنظومة الاقتصادية العربية، وتؤثر في معدلات النمو الاقتصادي، بسبب استثناء القطاع الزراعي، باعتباره أقل القطاعات تقريباً مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأقل عناية لجهة الاستثمارات، وعلى سبيل المثال، إجمالي التسهيلات المصرفية المقدمة في الأردن للقطاعات الاقتصادية، 30 مليار دينار، منها فقط 480 مليون دولار مقدمة للقطاع الزراعي، أي ما نسبة 1.6 % من إجمالي تسهيلات القطاع المصرفي.

وأضاف عايش: لو أخذنا إجمالي التسهيلات التي يقدمها القطاع المصرفي العربي، والبالغة حوالي 1.7 تريليون دولار، فإن النسبة المقدمة منها لقطاع الزراعة، لا تزيد على النسبة التي يقدمها الجهاز المصرفي الأردني لقطاع الزراعة، ما يعني أن الاستثمار في هذا القطاع ما زال أقل من المعدلات المطلوبة بكثير.

وبالتالي، فإن الفرص الكامنة في هذا القطاع غير مستغلة، وهذا أحد الأسباب التي أدت لزيادة معدلات البطالة، علاوة على وجود فجوة غذاء عربية تقدر قيمتها بـ 34 مليار دولار سنوياً، وتزداد سنوياً بمعدلات متسارعة، ولدينا الآن فرصة للاستثمار في الأمن الغذائي، لوقف زيادة كلفة توفير السلع الغذائية والأساسية.

وبيّن أن الأعباء سوف تكون كبيرة، وكثير من الدول غير مهيأة لهذه الأعباء، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة، وهو ما سيؤدي إلى حالة عدم من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وسيكون هناك مزيد من الكلف، ما سوف يفرض ضرائب جديدة على شعوبها.

طباعة Email