من الآن فصاعداً، سيكون اللبنانيون أسرى «السجن الكبير» خلف قضبان المنظومة الحاكمة، ممنوعين من السفر بمجرد انتهاء صلاحية جوازاتهم السارية، وذلك بعدما رفع المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم عن كاهله مسؤولية «التفليسة»، ونأى بنفسه وبمديريته عن وعود السلطة في تأمين التمويل اللازم لإبرام العقود اللازمة مع الشركة الفرنسية المعنية بعملية تجديد المخزون من جوازات السفر اللبنانية، لتلبية احتياجات المواطنين بعدما بدأت الكميات المتوفرة منها بالنفاد، فأعلن وقف العمل بمنصة حجز المواعيد لإنجاز معاملات الجوازات حتى إشعار آخر. وذلك، في خطوة وصفتها مصادر وزارية لـ«البيان» بأنها «مؤشر خطير جداً، ودليل إضافي على تفكك مؤسسات الدولة»، مع ما يعنيه الأمر من خلق أسباب إضافية للدفع في اتجاه مزيد من الانهيارات.

ووسط توالي الأزمات المبكية - المضحكة في آن في المشهد اللبناني، لم يكن ينقص اللبنانيون سوى أن يتوقف الأمن العام، لنقص في السيولة، عن إنجاز جوازات السفر للراغبين بمغادرة البلد. ذلك أن المديرية العامة للأمن العام أعلنت، أول من أمس، عن وقف العمل بمنصة مواعيد جوازات السفر، لكونها لم تعد قادرة على إصدار جوازات سفر جديدة قبل تأمين التمويل اللازم لتحقيق المشروع، وهو تمويل مفقود، أقله حتى الآن. وهذا القرار، وفق تأكيد مصادر متعددة لـ«البيان»، يثبت مرة جديدة تحلل الدولة واهتراءها، فـ«الدولة الفارغة معظم مؤسساتها من الموظفين بسبب سوء أوضاعهم المعيشية، هل هي دولة حقاً؟ والدولة العاجزة عن توفير القرطاسية البدائية لأعمالها الإدارية، هل هي دولة حقاً؟ والدولة العاجزة عن تأمين الخدمات الأساسية والبديهية لمواطنيها في القرن الـ21، هل هي دولة حقاً»، يتساءل الشاب الجامعي بلال (24 عاماً)، غامزاً من قناة كوْن «الهجرة غير الشرعية أصبحت شرعية، بمسوغات إدارية رسمية»!

وقائع 

وفي السياق، تجدر الإشارة إلى أن دوائر المديرية العامة للأمن العام ودوائرها الإقليمية كانت شهدت، اعتباراً من العام 2020، ضغطاً كبيراً على طلبات جوازات السفر، فاقت عشرات أضعاف الأعوام السابقة، مما أثر على مخزون جوازات السفر لديها. ومن أجل تدارك هذا الوضع، سيما وأن الحصول على جواز سفر هو حق لكل لبناني، اتخذت مطلع العام الفائت الإجراءات الإدارية اللازمة، لتأمين جوازات سفر جديدة، وتواصل المسؤولون فيها مع إدارات الدولة ومؤسساتها لإبرام العقود المطلوبة والتعجيل بتأمين التمويل اللازم لتحقيق المشروع. ولكن، حتى تاريخه، لم يتم إيفاء الشركة المتعاقدة قيمة العقد الموقع، ما أدى إلى تأجيل تسليم الكمية المطلوبة إلى الأمن العام، في وقت بدأت الكمية المتوفرة من جوازات السفر بالنفاذ. وبناءً عليه، اضطرت المديرية إلى وقف العمل بمنصة مواعيد جوازات السفر، اعتباراً من 27 من الجاري، حفاظاً على مصداقية الأمن العام أمام المواطنين لعدم منحهم مواعيد جديدة دون إمكانية استقبالهم.

 

 «قيْد الإقامة الجبرية»

وغداة إعلان المديرية العامة للأمن العام وقف العمل بمنصة مواعيد جوازات السفر، فإن ثمة إجماعاً على أن اللبناني بات «قيْد الإقامة الجبرية»، إذا كان جواز سفره منتهي الصلاحية، علماً أن إجراء وقف العمل بالمنصة اتخذه الأمن العام بعد «مرض عضال» مع الدولة، التي امتنعت حتى اليوم عن تأمين الأموال المطلوبة لتنفيذ العقد المبرم مع الشركة المعنية، فيما المسؤولون في المديرية تواصلوا منذ 2020 مع الإدارات والمؤسسات الرسمية لإبرام العقود والتعجيل في تأمين التمويل، وهذا ما لم يحصل، إذ تسبب فقدان جواز السفر والانتظار الطويل على أبواب المديرية بدخول سماسرة السوق السوداء، كما البيع الوهمي والشرعي على المنصة. فهل تسمع السلطة إنذار الأمن العام اليوم؟ وهل يحق لها توجيه اللوم إلى مواطنين يفرون بلا جوازات سفر بحراً وبراً؟ وهذا هو لسان حال الكثيرين من اللبنانيين اليوم.