عبد الله بن بيه يفتتح ندوة «تكوين الملكة الفقهية والأصولية»

ت + ت - الحجم الطبيعي

افتتح الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي رئيس المجلس العلمي الأعلى لجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، الندوة الدولية «تكوين الملكة الفقهية والأصولية»، والتي نظمتها الجامعة بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والمفكرين المهتمين بالدراسات والبحوث الفقهية.

وفي كلمته خلال الجلسة الافتتاحية قال بن بيه: نجتمع في هذه الندوة لنتدارس ونتذاكر حول موضوع تكوين الملكة الفقهية، وهذا الموضوع لمن أولى ما تصرف له عناية المربين، وتنصرف إليه همة الباحثين، لما قد أصاب ملكة الاجتهاد من انكماش وضمور. وأضاف: دعونا بين يدي هذه الكلمات السريعة نقف عند الملكة لنستبين حقيقتها، فقد عرفها ابن أمير الحاج في «التقرير والتحبير». بأنها: كيفية راسخة في النفس، متسببة عن استجماع المآخذ والأسباب والشروط، التي يكفي المجتهد الرجوع إليها في معرفة الأحكام الشرعية الفرعية التي لا تنال إلا بالاستنباط، فالملكة على هذا القول هي حصول كليات تهيؤ المجتهد لاستحضار الفروع الجزئية، كلما عنت له الحاجة إليها، من غير افتقار إلى استظهارها، بل تجعله قادراً على استنباط أحكام الوقائع المستجدة.

وأشار إلى أن بعض العلماء عبروا عن الملكة بالصلاح، ويقصدون أن الفقيه صاحب الملكة يكون صالحاً أي متهيئاً لأن يعلم ما لم يعلم، حيث يقتدر بالملكة على إدراك جزئيات الأحكام التي لم تكن معلومة لديه قبل، أي أن الفقه هو ملكة وتهيؤ للعلم، واستعداد، فهو علم بالقوة وليس بالضرورة علماً بالفعل، وإنما هو قدرة كامنة تخرج عند الاقتضاء وتبرز لدى الاستدعاء.

وأضاف بن بيه: الملكة هي أيضاً البصيرة والنور الذي عناه الإمام مالك حين يقول: «ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم نور يقذفه الله في القلب»، ونجد بعضهم يعبر عن الملكة بفقه النفس، وجملة ما يلزم لبناء الملكة هو الربط بين كلي الشرائع وكلي الواقع، أو كلي الاستنباط وكلي الزمان، وتفصيل القول إنها على ثلاثة أجزاء على النحو التالي: كليات تتعلق بالتأويل، ومدارها على فهم ثلاثي «الوضع والاستعمال والحمل» ونعني بالتأويل هنا معناه الأعم الذي يشمل التفسير أيضاً، وهو المعنى الأول في اللغة ليشمل أيضا التأويل بمعناه الاصطلاحي، وهو عند الأصوليين صرف اللفظ المحتمل عن ظاهره لدليل أو قرينة. مشيراً إلى أن هناك كليات تتعلق بالتعليل: ومدارها على فهم مقاصد الشريعة وثلاثي الأقيسة الأرسطي المتمثل في الانتقال من الكلي إلى الجزئي وهو القياس المنطقي، ومن الجزئي إلى الكلي وهو الاستقراء، ومن الجزئي إلى الجزئي وهو قياس التمثيل، إضافة إلى كليات تتعلق بالتنزيل، وهي فهم كلي الزمان، والتحقق بمزاج العصر كما يقول الغزالي، ومدارها على النظريات الخمس: اللغة والعرف والحس والعقل والطبيعة.

وقال بن بيه: إن حاصل أمر الفقيه المستبصر صاحب الملكة الراسخة أن يكون ذا استعداد فطري، متوخياً الوسطية، بصيراً بالمصالح، عارفاً بالواقع، متطلعاً إلى الكليات، مطلعاً على الجزئيات، موازناً بين المقاصد والوسائل والنصوص الخاصة، فهذا الذي يستأهل الانتصاب للاجتهاد، ويستحق التعرض للاستنباط، وأضاف: بصفة عامة أن يكون قادراً على الإجابة عن 3 أسئلة هي الأسئلة المفاتيح: سؤال ماذا وهو سؤال دلالات الألفاظ ويمكن أن نختصره في منظومة التأويل الذي أشرنا إليه، وسؤال لماذا وهو المتعلق بمنظومة التعليل أي مقاصد الشرع وعلل الأحكام وحكمها، وسؤال كيف وهو المتعلق بمنظومة التنزيل وهو فهم الواقع وكيفية نزول الأحكام عليه، فالأحكام معلقة للبحث عن واقع مشخص.

وناقشت الندوة على مدى يومين عدداً من المحاور، تناولت المفاهيم والمصطلحات وأثرها في تكوين الملكة الفقهية والأصولية، وفقه الخلاف ومقاصد الشريعة ودورهما في تقوية الملكة الاجتهادية، والنقد الفقهي والأصولي وأثره في تمتين الملكة الاجتهادية، والمتون والشروح الفقهية والأصولية ودورها في تشكيل الملكة الفقهية، وتناول المحور الأخير النوازل وآليات صناعة الفتوى المعاصرة.

ومن جانبه أكد الدكتور خالد اليبهوني الظاهري، مدير الجامعة، أن الندوة تهدف إلى تحرير المصطلحات والمفاهيم والقواعد الفقهية والأصولية وبيان مجالات عملها، والتطلع إلى الكليات والاطلاع على الجزئيات التي يفزع إليها الناظر في النوازل الفقهية، إلى جانب الوقوف على الخلاف الفقهي وطرق تدبيره وأهميته في تعيين واجب الوقت، والاستفادة من الأحكام المختلفة من مصادر التراث لمعالجة نوازل فقهية واقعية وقضايا فكرية معاصرة، إضافة إلى النظر في منهجية معالجة القضايا الفقهية الحديثة تصوراً وتكييفاً وتنزيلاً.

وقال الدكتور الظاهري: إن مخرجات الندوة ستكون إضافة حقيقية للدراسات والبحوث والاجتهاد في المجالات الفقهية والأصولية، حيث تناولت أوراق العمل التي قدمها نخبة من العلماء والباحثين جوانب مهمة في هذا المجال الحيوي والمهم.

طباعة Email