أكد خبراء في الأمن السيبراني أن الحروب السيبرانية التي ترعاها الدول هي من أكبر التهديدات المستقبلية التي تواجه الحكومات اليوم، وذلك على خلفية التوترات الجيوسياسية والجغرافية الاقتصادية المتصاعدة، وذلك لامتلاك تلك الجهات المصادر المالية والموارد التقنية اللازمة لتنفيذ هجمات تخريبية على البنية التحتية الحيوية للدول.وأشار الخبراء لـ«البيان» إلى أن أكثر من 40 % من إجمالي الهجمات اليوم تقوم بها جهات منظمة مدعومة من حكومات حول العالم.
فيما يقدر تقرير حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) متوسط تكلفة الهجوم السيبراني المدعوم من دولة بنحو 1.6 مليون دولار لكل حادثة.
وقال خبراء مشاركون في القمة العالمية للحكومات، إن الإمارات كانت من أولى الدول التي عملت على حوكمة وترسيخ ثقافة دمج الحلول الأمنية والخصوصية في تصميم خدماتها الحكومية منذ البداية من أجل التصدي للتحديات الأمنية في المستقبل وتلبية متطلبات الأمن السيبراني وتعزيز ثقة السكان بالخدمات الحكومية.
مؤكدين أن دبي كانت كذلك من أوائل المدن على مستوى العالم التي نفذت بالفعل استراتيجية حكومية لتعزيز الأمن السيبراني، وتوفير بيئة آمنة لازدهار الأنشطة الرقمية والإلكترونية التي تسارعت وتيرتها بشكل كبير بعد جائحة «كورونا»، لافتين إلى أن القمة العالمية للحكومات هي المنصة المثالية لتبادل الخبرات بين الحكومات في سبيل تعزيز الأمن الإلكتروني للبنى التحتية الحساسة والبيانات على حد سواء.
أنظمة
وأكد الخبراء أهمية تعزيز حماية أنظمة التقنيات التشغيلية المرتبطة بنظم العمل المختلفة وعلى كافة الأصعدة، وتضافر الجهود على المستوى الدولي للتصدي لهجمات وحوادث أمن المعلومات التي تستهدف الأجهزة الحكومية، مفيدين إلى أهمية خروج القمة بحزمة توصيات تضمن حماية الأنظمة بشكل عالمي.
وتهدف الهجمات المنظمة إلى تعطيل أو التلاعب أو تدمير أو الحصول على وصول غير مصرح به إلى أنظمة وشبكات كمبيوتر حكومية أو خاصة من خلال الوسائل الإلكترونية.
وبدأت الحكومات بتطوير أطر عمل وعلامات استدلالية واستراتيجية وطنية واسعة لفهم مواضع اعتمادها على البنية التحتية للإنترنت ومواضع الضعف بشكل أفضل، من أجل تأمين الشبكات والبنى التحتية والخدمات الوطنية التي يعتمد عليها مستقبلها الرقمي ورفاهها الاقتصادي، فيما اتخذت العديد من الدول نهجاً واسعاً وطالبت بحماية البنى التحتية الحساسة، وخاصةً مع زيادة الأجهزة المترابطة والاعتماد على الإنترنت.
ومن التدخل في الانتخابات إلى محاولة سرقة أبحاث اللقاحات إلى الهجوم على البنى التحتية الحساسة إلى الهجوم على محطات الكهرباء التي تؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي لمئات الآلاف من البشر، تتسلل الهجمات الإلكترونية التي ترعاها الدول اليوم إلى البنية التحتية الحيوية للبلدان في جميع أنحاء العالم.
الأمر الذي يتطلب من الحكومات والمؤسسات على حدٍ سواء حماية الهويات الرقمية وسلاسل التوريد الرقمية الخاصة بها من الرقائق إلى الفاكهة، حيث عندما تكون سلاسل التوريد أقل عرضة للخطر فإن أعمال المؤسسات تكون أقل عرضة للخطر كذلك.
استراتيجيات

وأوضح مروان الزرعوني، الرئيس التنفيذي لمركز دبي للبلوك تشين ومدير دائرة خدمات المعلومات في مركز دبي للأمن الإلكتروني، أن أفضل استراتيجيات الأمن السيبراني للحكومات والمدن تتمثل في اعتماد مقاربة تجمع بين الحماية المركزية بشكل عام لكافة المنظومات، إلى جانب الحماية غير المركزية لكل جهة بشكل مستقل من خلال إنشاء مركز أمن سيبراني خاص بكل منها.
بحيث يتم تنسيق جهود التصدي للهجمات السيبرانية بين مختلف الأطراف بشكل متكامل، وهو ما يتم في دبي بحيث يتلقى مركز الأمن الإلكتروني المعطيات والبيانات من المراكز التابعة لكافة الجهات الحكومية الأخرى.
وأشار إلى أن مركز دبي للأمن الإلكتروني طور مؤخراً نظاميّ «طارش» و«الكاشف» الرقميين، حيث يعمل نظام «طارش» على كشف الثغرات الأمنية في البريد الإلكتروني لمختلف الجهات الحكومية على مستوى دبي، وذلك عبر رفع مستوى الضوابط الأمنية للبريد الإلكتروني وتجنيبه الهجمات عن طريق توفير نظرة شاملة للحالة الأمنية، أما نظام «الكاشف».
فيعمل على توسعة نطاق التغطية لتشمل الجوانب الأمنية الأخرى من البنية التحتية، حيث يقوم بشكل تلقائي واستباقي بتحديد ومعالجة نقاط الضعف في الشبكة الداخلية للجهات الحكومية، لتضمن لها إمكانية التعامل معها وتعزيز أنظمتها وبرامجها وأجهزتها بأسرع وقتٍ ممكن للحد من المخاطر والهجمات الإلكترونية.
ونوّه الزرعوني بأن مؤشر دبي للأمن الإلكتروني يمكّن الجهات الحكومية من تقييم قدراتها على التصدي للهجمات السيبرانية، ويضمن المؤشر تعزيز جاهزية الجهات الحكومية للتعامل مع مختلف الأزمات وسيناريوهات الطوارئ الإلكترونية، وتأمين وتطوير أنظمة الأمن الإلكتروني الخاصة بها، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتوقع الهجمات.
بما يؤدي إلى تراجع احتمالية الهجمات الإلكترونية بشكل عام. ولفت إلى أن تقنيات الأمن السيبراني لا تواكب بشكل فوري التطورات المتسارعة في عالم التقنية بمختلف فئاته، فبعد ظهور تقنية جديدة يتطلب تطوير حلول أمنية خاصة بها فترة زمنية معينة.
تحول

وقال سيم سيكوت، الشريك في شركة «ديجيتال ناشين»، شريك التحول الرقمي لحكومة إستونيا، والتي تعتبر من أنجح الدول الأوروبية في التحول الرقمي لمواطنيها والتي تقدم أكثر من 99% من خدماتها للمواطنين عبر الإنترنت، عدا الزواج والطلاق، إن تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على أخذ الخدمات الحكومية إلى المستوى التالي.
وأضاف: نعتقد أن المساعدات الرقمية القائمة على الذكاء الاصطناعي ستكون مكوناً رئيسياً من الخدمات الحكومية وزيادة كفاءة تلك الخدمات التي سنقدمها في إستونيا، مثل تجديد الجوازات وإصدار المعاملات المختلفة. وعلينا تفعيل الأمن الإلكتروني بالتلازم مع هذا التقدم.
وأضاف أنه من المهم في هذه المرحلة زيادة الحكومات لحوكمة الأمن السيبراني من خلال وضع ضوابط تؤمن بيئات سيبرانية آمنة للجميع بعيداً عن الاختراق والتنمر والاعتداء وتكون قادرة على تمكين المواطنين والشركات. وأشاد سيكوت بمستوى المرونة والسرعة التي تتمتع به اليوم حكومة الإمارات، مشيراً إلى أنه إذا أردت أن تكون متفوقاً في التحول الرقمي فعليك أن تكون متفوقاً في الأمن السيبراني.
وتابع: ليس فقط الجهات الفاعلة الحكومية ولكن أيضاً الجهات الفاعلة غير الحكومية لديها تقدم تقني وحافز وموارد مالية أكثر من أي وقت مضى لتنفيذ هجمات تخريبية على البنية التحتية الحيوية للبلد. أي هجوم على البنية التحتية الحيوية في قطاع واحد من بلد ما يمكن أن يؤدي إلى اضطراب في قطاعات أخرى أيضاً. قد يؤدي الهجوم على اتصالات دولة ما، على سبيل المثال، إلى تعطيل المدفوعات الإلكترونية.
ولفت إلى أن الحكومات تمتلئ بالأنظمة ومراكز البيانات والمعلومات المهمة مثل بيانات أرقام الضمان الاجتماعي والمعلومات الضريبية الخاصة بالمواطنين وتدير البنية التحتية الحيوية وخدمات الطوارئ مثل الشرطة والإطفاء. وأشار إلى أن هذه الأنواع من البنية التحتية والمعلومات هي بعض من الأصول الأكثر استهدافاً التي سيتبعها المتسللون.
اهتمام حكومي

وأكدت الدكتورة عهود شهيل، مدير عام الدائرة الرقمية في عجمان، اهتمام حكومة الإمارات بتعزيز الأمن السيبراني، باعتباره أساس تطوير الخدمات الرقمية التي توفرها الحكومة للمتعاملين، مشيرة إلى أهمية توفير نسبة الحماية شبكة المعلومات مع زيادة التطور في الخدمات المقدمة للجمهور، والحفاظ على بينات المجتمع والحكومة.
وذكرت أن الحكومة تعمل جاهدة على تعزيز الأمن السيبراني من خلال تشكيل مجلس الأمن السيبراني الوطني العام الماضي، وهو دليل على اهتمام الدولة لتوفير الحماية والأمان لعمل جميع شبكات نظم المعلومات وحمايتها وذلك لأهمية الأمر.
حيث توجد العديد من المعايير التي تضعها الحكومة خلال تقديم الخدمات الرقمية وذلك بالتعاون مع الشركاء في مجال تقنية المعلومات ومتابعة الجهات المعنية بأحدث النظم الخاصة بمجال الحماية والأمان.
وأضافت: توجد معايير عالمية موضوعة من مجلس الوزراء والمجلس الأمن السيبراني الوطني تعمل عليها الدوائر المعنية بالخدمات الرقمية وذلك من أجل حماية المعلومات وتعزيز الأمان جميع الشبكات المستخدمة.
اتصال رقمي

وقال جاي غولدستاين، المستشار في «إكسبون جلوبال»، في فرنسا ومؤلف رواية «بابل مينيت زيرو» التي توضح الأخطار السيبرانية التي تهدد الأمن والسلام العالمي، أن الأفراد والشركات أكثر من أي وقت مضى على الاتصال الرقمي في كل جانب من جوانب وجودهم تقريباً، يتصل ما يقرب من 127 جهازاً جديداً بالإنترنت كل ثانية، وأضاف: يعتبر أي اضطراب في الاتصال الرقمي عقبة في طريق التقدم وتحقيق أهداف الحكومة.
وأكد أن الإمارات حققت شوطاً كبيراً في تعزيز الأمن السيبراني وهي من بين الحكومات التي طورت استراتيجيات وطنية للدفاع عن الأمن السيبراني لمكافحة مخاطر الأمن السيبراني التي يواجهها مواطنوها وشركاتها وبنيتها التحتية الحيوية.
وتابع: لدينا اليوم أمثلة واقعية عن هجمات سيبرانية مخططة تفيد بأنه إن لم تقم الدول بحماية البنى التحتية الحساسة كالموانئ والمطارات وسكك الحديد وأنابيب النفط، فإن العواقب والتكلفة ستكون كبيرة.
توصيات

وفي السياق ذاته، عبرت عائشة محمد البلوشي، رئيس قسم تقنية المعلومات في الديوان الأميري في الفجيرة، عن أملها بتوصل القمة الحكومية لعدد من التوصيات لتعزيز الأمن السيبراني والمساهمة في بناء مستقبل أفضل لعمليات الأمن السيبراني، ومنها تعزيز حماية أنظمة التقنيات التشغيلية المرتبطة بنظم العمل المختلفة وعلى كافة الأصعدة.
وتضافر الجهود على المستوى الدولي للتصدي لهجمات وحوادث أمن المعلومات التي تستهدف الأجهزة الحكومية ومؤسسات القطاع العام والخاص، وترسيخ آليات توفير بيئة آمنة وموثوقة للتعاملات في مجتمع المعلومات، واتخاذ التدابير على مستوى المجتمع الدولي لضمان صمود البنى التحتية الحساسة للهجمات الإلكترونية، وتقديم الدعم اللازم لتوفير متطلبات الحد من المخاطر والجرائم الإلكترونية.
وأضافت: علينا دعم فرص تبني منهجية متعددة المستويات للاستجابة للتحديات السيبرانية، وأهمية استفادة المدن من تطوّر بيئة الأعمال الرقمية المبتكرة مثل الأتمتة باستخدام الروبوتات وتقنية «بلوك تشين» والذكاء الاصطناعي، وتطوير منهجية متقدمة للتعامل مع مختلف التحديات السيبرانية، وتعزيز مرونة وجاهزية المدن الذكية ومواكبة التطورات التكنولوجية، بما يضمن حماية أنظمة المدن، وتعزيز قدرات الأمن السيبراني.
إعادة النظر في الاستراتيجيات الحالية

أكدت شاي لي سبيجلمان، مدير عام وزارة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا في إسرائيل، ضرورة أن تقوم الحكومات اليوم بإعادة النظر في استراتيجيات الأمن الإلكتروني الحالية الخاصة بالبنى التحتية ذات الحساسية الخاصة في ظل زيادة تعقيدات مشهد الأمن السيبراني اليوم.
وأضافت أن وضع سياسات فعالة في قطاعات أساسية خصوصاً الحساسة منها كشبكات الكهرباء والمستشفيات والسيارات ذاتية القيادة والمطارات والمؤسسات الخدمية الكبرى، يمكن الحكومات من اتخاذ إجراءات استباقية للتعامل مع التهديدات والاختراقات السيبرانية المتزايدة.
وأفادت سبيجلمان بأن الإمارات من أولى الدول التي استثمرت وحققت تطوراً ملحوظاً في توفير عدد كبير من الخدمات الحكومية. وأشارت إلى أن توقيع إسرائيل عدداً من الاتفاقيات في مجالات التعاون في قطاعات العلوم والابتكار والتحول الرقمي يعزز تبادل الخبرات بين الدولتين في مجال تعزيز الخدمات الإلكترونية، كما يجري حالياً التحضير للمزيد من مشاريع البحوث المشتركة بين الدولتين.

