رأى خبراء عالميون في قطاع الطاقة أن هناك ثلاثة محاور رئيسية يمكنها، حسب رأيهم، أن تضمن مستقبلاً مشرقاً للطاقة، بخاصة وأن الأزمات الحالية قد فرضت على الجميع واقعاً جديداً يجب التعامل معه بسرعة لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة في مختلف أنحاء العالم.وقال الخبراء لـ «البيان» إن هذه المحاور تتلخص في: ضرورة الاستثمار في الطاقة البديلة وتطوير مصادر جديدة، وبناء سلاسل إمداد عالمية جديدة، ومجابهة التهديدات السيبرانية التي تشكل أزمة حقيقية أمام مشاريع الطاقة الكبرى.
ولفتوا إلى أهمية استدامة الطاقة وأمنها، حيث إن مدى التهديدات السيبرانية اليوم يتجاوز اختراق البيانات إلى قابلية تعرض البنى التحتية الحساسة المنتجة للطاقة للهجوم مثل مصافي النفط ومحطات توليد طاقة الرياح، كما حصل في مدينة «نويراث» الألمانية الشهر الماضي عندما تعرضت مزارع لطاقة الرياح في المدينة للاختراق، وكذلك تعرض ناقلة نفط في ألمانيا للاختراق في فبراير الماضي، والذي أدى إلى توقف أنظمة الناقلة بالكامل، لافتين إلى أن الخطر السيبراني أصبح يعرض الأشخاص كذلك للخطر.
وأشاروا إلى أن هناك تباطؤاً في الاستثمارات بمشاريع الطاقة المتجددة، وتنوع مصادر الطاقة وعدم الاقتصار على الطاقة التقليدية، وأن الصراع الآن بين أوكرانيا وروسيا عزز مفهوم الاعتماد على تنوع سلة مصادر الطاقة، وأن الطاقة المتجددة المتزايدة تمثل أحد الحلول المهمة في ظل ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري.
وذكروا أن العالم يمر حالياً بتحولات كبيرة تحمل معها تحديات ومصاعب، لكن في النهاية سيتم التغلب عليها، وأن هذه التحولات تتطلب استراتيجيات على المدى الطويل، وبالرغم من التحديات التي يفرضها كل تحول، إلا أنها تساهم في تطوير حلول وتقنيات جديدة.
التزام
وتحدث الرئيس وافيل رامكالا، رئيس جمهورية سيشل، عن الارتباط الوثيق بين الاستثمار في الطاقة المتجددة، والتحديات الخاصة بحماية البيئة، معتبراً التحول إلى الطاقة النظيفة التزاماً مهماً وتحديداً لدى الدول الصناعية، داعياً إلى حراك جدي في هذا الإطار حفاظاً على البشرية من المخاطر البيئية وتبعاتها. وأضاف: إن المخاطر البيئية تؤدي إلى استنزاف البيئة، وبالتالي الموارد، وعليه فإن الأولوية يجب أن تكون لحماية البيئة من التحديات المتزايدة.
استثمارات
من جانبه، قال المهندس شريف العلماء، وكيل وزارة الطاقة والبنية التحتية لشؤون الطاقة والبترول، إن الإمارات من أوائل الدول التي استثمرت في الطاقة المتجددة وكونت شركة «مصدر» في 2006 وخلال هذه السنة كان لا يوجد العديد من الشركات في العالم ترغب في الاستثمار في هذا القطاع باعتباره قطاعاً مكلفاً جداً، لكننا في الإمارات أنجزنا الكثير ولدينا قصة نجاح مبهرة في الاستثمار بالطاقة المتجددة حالياً، حيث أنجزنا عدداً من المشاريع الضخمة داخل وخارج الدولة.وأضاف: حصلنا على أسعار تنافسية عالمية، وآخر مشروع لنا كان مشروع الظفرة للطاقة المتجددة، حيث حصلنا على أسعار 1.35 سنت للكيلووات ساعة، وإذا قارنتها بالأسعار عندما أطلقنا الاستراتيجية في 2017 كانت الأسعار تقريباً 5.5 دولارات، مشيراً إلى أنه في عام 2017، أطلقت الإمارات استراتيجيتها للطاقة 2050 التي تعتبر أول خطة موحدة للطاقة في الدولة توازن بين جانبي الإنتاج والاستهلاك، والالتزامات البيئية العالمية، وتضمن بيئة اقتصادية مريحة للنمو في جميع القطاعات.
وأكد أنه لا يوجد حل واحد يجب الاعتماد عليه في تنوع مصادر الطاقة، ولهذا السبب لا نركز فقط على الطاقة المتجددة والبديلة، بل نستثمر في الهيدروجين رغم أنه اليوم مع التكنولوجيا المتوفرة مكلف جداً، ونعمل حالياً على استراتيجية وطنية للهيدروجين.
وأضاف: إن النفط والغاز دائماً سيلعبان دوراً مهماً، وهناك ثلاثة عوامل أساسية في مجال الطاقة هي: أمن الطاقة واستدامة الطاقة وتكلفة الطاقة، وكلها ترتبط ببعضها البعض. وتابع: هدفنا للوصول للحياد الكربوني، وأعلنا أن الإمارات ستستثمر حوالي 600 مليار درهم، جزء كبير منها سيتعلق بالطاقة المتجددة والهيدروجين.
وأشار إلى ضرورة تنوع مصادر الطاقة وهذا ما نجحت فيه الإمارات من خلال تنويع مزيج الطاقة في الدولة ووضع استراتيجية شاملة للطاقة ومرنة تواكب المتغيرات، لافتاً إلى أهمية زيادة الاستثمارات في مجال الطاقة في مشاريع النفط والغاز.
نظرة مستقبلية
بدوره، قال عبد الرحمن خالد، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا بشركة «جنرال إليكتريك»: العالم يشاهد الآن الصراع في أوروبا والذي أثر بشكل كبيرة على النظرة المستقبلية للطاقة، وخاصة في قطاعات النفط والغاز، ويبقى هناك شيء أساسي لا يتغير، وهو أن مخرجات اتفاق باريس وكل الدول التي اتفقت في قمة جلاسكو على تقليل الانبعاثات الكربونية سوف تكون هدف الجميع، وهذا لن يحدث إلا بتحول نظام الطاقة من نظام يعتمد على النفط والوقود الأحفوري كالغاز والديزل والفحم الحجري، إلى طاقة نظيفة مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين والرياح والطاقة الشمسية.
وأضاف أن الصراع بين أوكرانيا وروسيا عزز مفهوم الاعتماد على سلة متنوعة من مصادر الطاقة، فألمانيا على سبيل المثال أطفأت محركاتها النووية ولجأت إلى الغاز الآن مضطرة وتستعين بكثير من الأصدقاء لتلبي حاجاتها من الغاز، وبالتالي فإن الاعتماد على سلة متكاملة من الطاقة كالرياح والشمس والهيدروجين والطاقة الشمسية والتوربينات الغازية وغيرها، هو الأفضل لجميع دول العالم.
وأوضح أنه وفقاً لكل التقديرات الموجودة من الفترة الحالية حتى عام 2050 لا يوجد نوع واحد من الطاقة سوف يستحوذ على الساحة، وإذا نظرنا إلى جميع السيناريوهات سنجد جميع أنواع الطاقة من نووية ومتجددة وكل الأنواع حتى الفحم الحجري، وهذا يعني أن شتى أنواع الوقود ستكون موجودة، ولكن التحدي الأكبر من 2020 -2050 يتمثل في أن أكثرها أن يكون صفر كربون، وهذا يحتاج إلى تكنولوجيا في جميع القطاعات للتقليل من الانبعاثات.
وأشار إلى أن الأمن السيبراني يرتبط ارتباطاً وثيقاً، لأنه موضوع مهم جداً والكثير لا يدركون أهميته لأن عدم حماية البيانات في قطاع الطاقة قد يتسبب في تعطيل العديد من العمليات التشغيلية، وسوف تشد الحاجة له في المستقبل أكثر وأكثر.
أمن الطاقة
بدوره، أكد ليو سيمونوفيتش، نائب الرئيس والمدير العالمي للأمن السيبراني الصناعي، أن تهديدات المخاطر السيبرانية الصناعية على قطاع الطاقة تشهد ارتفاعاً مستمراً مع احتمالية وجود حدوث اختراقات نتيجة ظروف خارجة عن سيطرة هذه الشركات أو نتيجة عدم اتخاذها تدابير أمنية كافية.وقال إن الشركة بالتعاون مع جهات أخرى قامت بإجراء دراسات لقياس مدى جاهزية الأمن السيبراني لقطاع النفط والغاز في ظل تسارع وتيرة التقنيات الرقمية وتقارب تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا التشغيلية وارتفاع وتيرة وتطور الهجمات السيبرانية التي باتت تطال البنى التحتية الحساسة المنتجة للطاقة.
ولفت إلى أن الهجمات السيبرانية في منطقة الشرق الأوسط تستهدف قطاع النفط والغاز وتؤثر هذه الهجمات بشكل كبير على الإنتاجية ووقت التشغيل والكفاءة والأمان، وهو الأمر الذي يحتاج إلى استراتيجية واضحة وجهود مضاعفة في هذا الشأن لضمان الحفاظ على هذه المصادر وجعلها أكثر أماناً.
وأشار إلى أن المخاطر السيبرانية أصبحت أكبر على مستوى التكنولوجيا التشغيلية منها على مستوى تكنولوجيا المعلومات ناتجة عن هجمات خبيثة وليس عن أخطاء بشرية، وأن هذه الهجمات تزيد عن حجم الأفراد إلى المؤسسات والدول لأغراض سياسية، وهو ما يجعل الدول في سباق وتطوير مستمر لتوفير الحماية الكافية لمصادرها.
ونوه إلى أن قطاع الطاقة المتجددة في تطور مستمر، وأن حمايته أمر في غاية الأهمية، خاصة في ظل اعتماد هذه المصادر على نظام إلكتروني تقني لإدارة أعمالها بشكل فعال، داعياً إلى وضع هذا الأمر في الحسبان وزيادة المخصصات المالية التي تتعلق بحماية البيانات والأنظمة بطريقة تتوافق مع التطور الكبير للاختراقات الذي يشهده العالم يوماً بعد آخر. وأفاد بأن دول المنطقة تحتاج إلى جهود مضاعفة لتحقيق أعلى معدلات الأمن السيبراني مع اتجاهها لمصادر الطاقة البديلة ومجالات أخرى متطورة.
تحرك عالمي
من جهته، رأى فريدريك كيمب، رئيس المجلس الأطلسي الأمريكي، أن المعضلة التي تواجه خطط الاستثمار في الطاقة المتجددة تتركز في تباطؤ شريحة كبيرة من دول العالم على تطوير الطاقة المتجددة، مؤكداً ضرورة التحرك بشكل عالمي للوصول إلى الحالة الصفرية في الانبعاث الكربوني.وأضاف: علينا إيجاد حلول ناجعة تعود بالنفع على البشرية جمعاء وتفادي الأزمات التي قد تواجهنا، وهو ما كشفته أزمة روسيا وأوكرانيا، والاضطرابات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على هذا الملف، مؤكداً أهمية السعي الحثيث من أجل الاستثمار في الطاقة المتجددة، وجذب الشركات الخاصة لتكون حليفاً في هذه الخطوة، والاجتماع معاً للخروج من أزمة شح مصادر الطاقة، سواء كان ذلك على نطاق الدول المنتجة أو المستهلكة.
وعاود التأكيد على ضرورة عدم التخلي عن منظومة الطاقة الحالية قبل إيجاد منظومة بديلة، لافتاً إلى الحاجة الماسة لزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة وإقناع المساهمين لضخ الأموال فيها واستقطابهم لدعم المشروع بنظام العقود طويلة الأمد.
تحولات كبيرة
أما لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، فقد أشار إلى أن التحديات الحالية التي تواجه سلاسل الإمداد وقطاع الطاقة وغيرها هي تحديات قصيرة الأمد، إذ سيتم تطوير الحلول لها مستقبلاً بالتوازي مع البيئة التضخمية التي سيشهدها العالم خلال السنوات القليلة المقبلة.وأوضح أن العالم يشهد بناء سلاسل إمداد عالمية جديدة وتطوير مصادر جديدة للطاقة، وهو أمر يحتاج للمزيد والاستمرار فيه مستقبلاً، سواء كان ذلك بالاعتماد على الطاقة الخضراء، أو بناء مصادر إضافية للطاقة التقليدية لمواجهة تزايد الطلب، لافتاً إلى أن العالم يمر حالياً بتحولات كبيرة وتحمل معها تحديات ومصاعب، لكن في النهاية سيتم التغلب عليها، ومؤكداً أن التحولات تتطلب استراتيجيات على المدى الطويل، وبالرغم من التحديات التي يفرضها كل تحول إلا أنها تساهم في تطوير حلول وتقنيات جديدة.
وأشار إلى أن العديد من الدول أدركت الآن أنها تعتمد بشكل أكبر من اللازم على مورّد واحد للطاقة، على غرار الدول الأوروبية المعتمدة على الغاز الروسي، وبدأت الآن بالعمل على تنويع مصادر وموارد طاقتها، وتوقع أنه مع استمرار ارتفاع أسعار النفط على المدى الطويل، سيحفز ذلك تقنيات جديدة وسلوكاً استهلاكياً جديداً، وينطبق ذلك على مختلف السلع ومنها الأغذية وغيرها.
وأضاف: لطالما استطاعت البشرية إيجاد حلول سريعة للتحديات على غرار ما حصل في الجائحة من تطوير للقاحات، لذا أنا متفائل بأن العالم سيصل إلى الحلول، رغم الصعوبات التي ستواجهنا على المدى القصير، لكننا سنجد حلولاً ستوفر فرصاً كبيرة على المدى الطويل، مؤكداً أن أهم التحديات التي تواجه العالم على المدى القصير تتمثل في ارتفاع التضخم الذي سيستمر على نطاق أوسع من الطاقة والغذاء.







