كانت فكرة تستند إليها برامج الخيال العلمي في عقود مضت، بأن تتحول النفايات إلى أموال، وأن تصبح منظومة استثمارية، وفي الوقت الذي بدأ فيه الحديث عن الاقتصاد الدائري الأخضر في الإمارات، اتجهت بوصلة الاستدامة في أبوظبي لتحقيق فكرة أن تكون النفايات «رأس مال أخضر»، يدعم التنمية والرؤى المستقبلية، فهل سنودع المطامر قريباً، لارتفاع أسهم النفايات في بورصة الاستدامة الوطنية؟

سؤال أجاب عنه المهندس عبدالمحسن الكثيري، مدير إدارة المشاريع والمنشآت في مركز أبوظبي لإدارة النفايات «تدوير»، مُشيراً إلى أن الوصول إلى صفر نفايات هو المعيار الرئيسي لتحقيق الاستدامة البيئية، ولا يمكن تحقيقه إلا من خلال تحويل 100% من النفايات إلى مواد معاد تدويرها أو تحويلها إلى موارد ومنتجات قيمة، وأن استراتيجيات الوصول إلى صفر نفايات تساعد في خفض كمية السموم المنبعثة في الهواء والماء مثل سياسة المسؤولية الممتدة للمنتج، وبرامج المنتجات الخضراء وإعادة التدوير، للوصول في نهاية المطاف إلى مستويات أقل من السموم المنتشرة في الهواء، والماء والتربة والأجسام، وبالتالي توفير ظروف بيئية وصحية أفضل.

وأوضح الكثيري أن رؤية المركز المتوافقة مع الأجندة الوطنية فتحت الباب للاستثمار، ما جعل النفايات أحد الموارد الثمينة، التي يتطلع المستثمرون إلى الاستفادة منها، كما أن الاستثمارات المختلفة في قطاع النفايات مهدت الطريق إلى التخلص من المطامر الحالية، وتجنب انتهاج طمر النفايات كونها وسيلة للتخلص منها، والإيمان بمنهج أن التحول إلى الاقتصاد الدائري سيمكن دولة الإمارات من الاستفادة من العديد من الفرص الاقتصادية المستدامة الجديدة، وبالتالي تعزيز مقوماتها لبناء مستقبل أكثر قوة ومرونة للأجيال القادمة.

إحصاءات

ووفقاً لتقرير الفرص المستقبلية، الذي أصدرته مؤسسة دبي للمستقبل فإن العالم ينتج أكثر من ملياري طن نفايات سنوياً، وتقدر وكالة حماية البيئة الأمريكية أن ثلاثة أرباع تلك النفايات قابلة لإعادة التدوير، لكن أقل من ثلثها يدخل في عملية إعادة التدوير فعلياً، والتحدي الأكبر هو في التخلص من النفايات البلاستيكية، التي تلوث المحيطات وتؤذي الكائنات البحرية، وتضر الصحة العامة.

وتبلغ التكلفة الاقتصادية للتلوث البلاستيكي وحده 13 مليار دولار سنوياً، وتبلغ نسبة النفايات البلاستيكية إلى ما يصل إلى 16% من نسبة النفايات بالخليج العربي، فيما تنتج منطقة الشرق الأوسط 8% من كمية البلاستيك المنتجة عالمياً.

بدائل مستقبلية

وعودة للعام 2017 بدأ السعي الحثيث والتفكير الاستثنائي لـ«تدوير»، من خلال الإعلان عن «المخطط الرئيسي لإدارة النفايات في أبوظبي 2040» لتلبية أهداف السياسات البيئية الحكومية والوصول إلى الهدف المحدد، للحد من طمر النفايات، من خلال اتباع نهج متكامل ومستدام طويل الأجل لإدارة النفايات وتحديد البنية التحتية اللازمة المطلوبة حتى العام 2040.

بهذه الاستراتيجية والرؤية الاستباقية، أكد الكثيري أنه وفقاً لخريطة طريق الاستدامة، ودعماً لهذه التوجهات المستقبلية للاستثمار في النفايات، يستعد المركز لطرح مناقصة لتطوير مشروعي محطة استرداد الموارد القابلة لإعادة التدوير مثل البلاستيك، والورق والكرتون، والأخشاب، والألمنيوم والفولاذ؛ وتحويل النفايات إلى وقود في العين وأبوظبي، بعد الانتهاء من الدراسات الفنية، وسيتم استخدام المخلفات المتبقية في إنتاج الوقود الحيوي لاستخدامه وقوداً بديلاً في مصانع الإسمنت التابعة لشركة أركان لمواد البناء في العين وفقاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين.

وهنا أشار الكثيري إلى أنه تماشياً مع الأهداف المحددة في المخطط الرئيسي، أطلق المركز العديد من المشاريع كنهج مستدام ومتكامل لإدارة النفايات، والتي ستؤدي إلى زيادة معدلات تحويل النفايات بدلاً من طمرها، حيث أكد أنه جرى مؤخراً افتتاح المجمع الصديق للبيئة «إيكو بارك»، الواقع على طريق حميم، ويضم محطتين لمعالجة 7500 طن سنوياً من النفايات الطبية والخطرة، إضافة إلى محرقة لمعالجة مخلفات الحيوانات النافقة بطاقة استيعابية تصل إلى 2000 كغم في الساعة، وتم تشغيل منشأة لإعادة تدوير مخلفات البناء والهدم في أبوظبي لمعالجة 8000 طن يومياً، وواحدة أخرى في مدينة العين لمعالجة 2000 طن يومياً من مخلفات البناء والهدم، وفي إطار جهود «تدوير» الرامية لتحقيق رؤية الإمارات الرامية لتحويل 85% من النفايات البلدية الصلبة بدلاً من طمرها، وإنتاج الطاقة الخضراء، للحد من البصمة الكربونية لقطاع الطاقة، تم اقتراح مشاريع لتحويل النفايات إلى طاقة كونها أحد الحلول السريعة في المخطط الرئيسي.

وأشار الكثيري إلى أن المركز، بالتعاون مع شركة مياه وكهرباء الإمارات عمل على تطوير أول محطة لتحويل النفايات إلى طاقة في أبوظبي بطاقة إنتاجية تصل إلى 900 ألف طن سنوياً، على أن يتم استخدام رماد القاع في مشاريع البناء، كما أبرم المركز تعاون مع الاتحاد للطيران لتطوير مشروع تحويل النفايات البلدية إلى وقود مستدام للطائرات، وسيتم مزج وقود الطائرات المستدام، والذي يتطابق وخطة التعويض عن الكربون وخفضه للطيران الدولي (كورسيا)، مع وقود الطائرات لإزالة الكربون من قطاع الطيران والإسهام في تحقيق أهداف المبادرة الاستراتيجية للحياد الكربوني 2050، ويدرس المركز حالياً مشاريع لإنتاج الميثانول من النفايات وتوفيره للأسواق.

شراكات استراتيجية

وحول جهود مركز أبوظبي لإدارة النفايات «تدوير» في استثمار شراكاته الاستراتيجية، قال مدير إدارة المشاريع والمنشآت في المركز: إنه تم منح عقود مشروع تحويل زيوت المحركات والطهي إلى ديزل حيوي، ومشروع معالجة نفايات الحيوانات، بما في ذلك فضلات الحيوانات، والأغذية منتهية الصلاحية ومنتجات الألبان ومخلفات المسالخ، كما أصدر مركز أبوظبي لإدارة النفايات تراخيص/‏ تصاريح لثلاث شركات لتطوير البنية التحتية اللازمة لمعالجة وإعادة تدوير النفايات الإلكترونية والكهربائية.

وبالتعاون مع وزارة التغير المناخي والبيئة، شارف المركز على الانتهاء من وضع السياسات والتشريعات، بما في ذلك سياسية المسؤولية الممتدة للمنتج، كما حددت الوزارة بعض الأهداف في سياسة الاقتصاد الدائري، بما في ذلك رفع نسبة إعادة التدوير إلى 75% بحلول العام 2026، وخفض معدل إنتاج الفرد للنفايات يومياً إلى 1.4 كيلوغرام بحلول العام 2026، وزيادة إنتاج الكهرباء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة إلى 44% بحلول العام 2050.