لم يكن فعل الخير وإيثار الغير محصوراً ضمن زمن معين في دبي، فمند عقود وأجيال، يسارع أهلها إلى صنائع البر والإحسان، ولعلها صفة متأصلة لدى قاطنيها، ومنهم بطلة حكايتنا سلامة الفريحي التي عكست قصتها مع الوقف الخيري صورة مجتمع محب للخير ومخلص لحاجات الأفراد والمجتمع.
ولدت سلامة بنت علي الفريحي في أوائل القرن العشرين في إمارة دبي، نشأت في عائلة كريمة ميسورة الحال، وتزوجت لكنها لم ترزق بالأبناء، فتفرغت لأعمال الخير ومساعدة الناس، ويذكر عنها إطعامها الفقراء في رمضان واهتمامها بالمساجد والمساهمة في بنائها وصيانتها.
وفي تلك الفترة الزمنية لم تكن المساجد تابعة لأوقاف إسلامية أو جهات رسمية فأخذت سلامة على عاتقها مسؤولية رعاية المساجد القريبة من منزل عائلتها في منطقة ديرة وسوق الذهب القديم بدبي، كما اهتمت بأحوال الأئمة وطلبة العلم في المساجد، وساندت أرحامها وأقاربها المحتاجين ومدت لهم يد العون في تحسين ظروفهم المعيشية.
لم يتوقف نشاط سلامة الخيري عند هذا الحد، إنما أرادت أن يستمر ما تفعله بحياتها إلى ما بعد رحيلها، وقبل نحو 80 عاماً أبلغت سلامة عائلتها رغبتها بأن توقف عدداً من عقاراتها لخدمة المساجد ومساعدة الأقارب، وطلبت سلامة من الشيخ العلامة محمد نور بن سيف المهيري أن يدون وصيتها وشهد عليها عدد من الأئمة والأقارب، وقد أوقفت سلامة بحسب وصيتها ستة محلات تجارية في سوق الذهب القديم بدبي بحيث يعود ريعها على خمسة مساجد وأئمة تلك المساجد وذريتهم من بعدهم وعلى أرحامها من جهة الأبوين.
نفذ أقارب سلامة وصيتها على مدار عشرات السنين، إذ لم يكن في تلك الفترة مؤسسات رسمية تدير الأوقاف، وظل وقف سلامة تحت إشراف أقاربها إلى أن تسلمت دائرة الشؤون الإسلامية نظارة الوقف حتى عام 2005 ثم انتقلت نظارته إلى مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر بدبي وما زال ريعها يصرف على المساجد والأرحام حتى يومنا هذا.
عقود من الزمن مرت على رحيل سلامة ولم ينس أقاربها فضلها وبرها فواصلوا أيضاً أعمال الخير إخلاصاً لذكراها واستمراراً لجودها، وخلال السنوات الماضية حفروا بئراً وبنوا مسجداً وعملوا مختلف أفعال البر والإحسان وفاءً لها.
يقول خالد محمد الساكت الفلاسي وهو أحد أرحام سلامة الفريحي إنهم ظلوا دائماً مخلصين لوصية سلامة التي يتوارثونها منذ أجيال، ويؤكد أنهم (أقارب سلامة) يبذلون قصارى جهدهم بمشاركة مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر بدبي لاستثمار أوقافها وتنميتها لتحقيق الفائدة والمنفعة بأفضل صورة ممكنة لكي لا ينقطع ذكرها الطيب وفعلها الخيّر، بل ينمو ويعطي أكثر بمرور الزمن.

