عندما يسمع كثيرون منا كلمة «علماء»، يخرج تفكيرهم من الجغرافيا العربية بعيداً نحو أمريكا وروسيا والصين وسواها. تحضر إلى أذهانهم أسماء مثل فيثاغورس وآينشتاين ونيوتن وستيفين هوكينغ وغيرهم، وينسون أو لا يعلمون أن ثمة علماء عرباً تركوا بصمة في التاريخ، وقدموا للبشرية أعظم الاكتشافات والأبحاث العلمية، ومنهم من كان حجراً أساساً في كل العلوم الحديثة، التي لا يغيب عنها أيضاً علماء عرب، إذ لا تخلو كبرى مؤسسات البحث العلمي ووكالات الفضاء العالمية من علماء عرب، فضلاً عن تواجد الأطباء العرب في كبرى مستشفيات العالم.
منذ القدم، كان العرب رواداً في شتى العلوم فابن الهيثم مثلاً المولود عام 965م، وهو عربي من العراق، كان عالماً في طبّ العيون، والرياضيات، والفلك، والفيزياء، وغيرها، ولا يزال أثر اختراعاته وأبحاثه ركناً أساسياً في هذه المجالات حتى يومنا هذا.
ومن العراق أيضاً يعقوب بن إسحق الكِنْدي، الذي وُلد عام 805، وكان عالماً في الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والفلك، والفلسفة، والطبّ، والموسيقى أيضاً، وهو أول من وضع قواعد للموسيقى في العالم العربي.
ومن سوريا هناك ابن النفيس، العالم والطبيب السوري المولود في 1216م، هو أحد أشهر الأطباء في التاريخ البشري عموماً، ومكتشف «الدورة الدموية الصُغرى» في الجسم البشري، ومن مآثره إثبات أنّ الرئتين تعملان على تنقية الدم في الجسم، كما حدّد كيفية مسار الدم في الجسم. وابن الشاطر المولود عام 1304هـ في دمشق، وهو عالم فلك، من أهم إنجازاته ابتكار الأسطرلاب، وشرح نظريات بطليموس وانتقادها، وتصحيح الساعة الشمسيّة المزولة.
علينا أن نتذكر أبو القاسم الزهاوي الملقب بـ «أبو الجراحة»، عاش في الأندلس، ومعروف في العالم الغربي باسم Abulcasis. كانت فكرته استخدام أمعاء الحيوانات للخياطة الداخلية، وهي مادة لا تنتج أي استجابة مناعية وتذوب بشكل طبيعي، ما يلغي الحاجة إلى مزيد من الجراحة، ولا يزال هذا يُستخدم في بعض البلاد حتى اليوم.
ويعد الزهاوي أعظم الجراحين الذين ظهروا في العالم الإسلامي، ووصفه الكثيرون بأبي الجراحة الحديثة، ومن أعظم مساهماته في الطب كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف»، الذي يعد موسوعة طبية من 30 مجلداً.
وكالة ناسا
في العصر الحديث لدينا علماء ونوابغ عرب، ومنهم من يعملون في وكالة ناسا الأمريكية للفضاء، ومنهم أسماء بوجبيار، وهي أول امرأة مغربية تصل لهذا المنصب، واللبناني شارل العشي الذي يشغل منصب مدير مختبر الدفع النفاث في الوكالة، واللبناني مصطفى شاهين، الذي عمل في «ناسا» عندما كانت حقبة غزو الفضاء في بدايتها، والتونسي محمد الأوسط العياري، المهندس المدني والمخترع الذي يعمل كبيراً لمستشاري «ناسا»، وأسهم بشكل كبير في إصلاح المرآة العاكسة لتيليسكوب هابل الفضائي.
ومن الجزائر نور الدين ميكيليشي، وهو من أشهر الباحثين في أمريكا، وأحد أعضاء المجلس الاستشاري للوكالة، وحاصل على 14 براءة اختراع، ومن مصر عصام حجي الذي يعمل في قسم تصنيع محركات الصواريخ الفضائية بالوكالة ضمن فريق متخصص بالتصوير بالرادار، ومن فلسطين لطفي مزيد عياد الذي يعمل في «ناسا» منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وبعيداً عن الفلك، هناك علماء عرب في المجالات الأخرى، منهم د.أحمد زويل، عالم الكيمياء المصري الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، وهو رائد ما يسمى «علم الفيمتو». فالدكتور مجدي يعقوب الملقب بملك القلوب، بروفيسور مصري جراح قلب، تخرج في جامعة القاهرة، ثم أكمل تعليمه في شيكاغو، وأصبح مدير الأبحاث العلمية في مستشفى هارفيلد، قام بتطوير عمليات جراحات القلب ونقله على مستوى العالم. وأجرى الكثير من عمليات القلب لمشاهير، ودخل موسوعة غينيس، لإجرائه عملية زرع قلب للمريض جون ماكافرتي الذي عاش 33 عاماً بقلب مزروع.
لدينا من دولة الإمارات الطالبة علياء المنصوري ابنة الـ16 عاماً، نابغة الفضاء التي انضمت لجامعة نيويورك أبوظبي، وستعمل على تطوير المهارات المخبرية في مجال علم الأحياء، خاصة علم الوراثة.
والمكتشفة السعودية غادة المطيري، وهي مخترعة وسيدة أعمال وعالمة، وهي عضو هيئة التدريس في قسمي الهندسة الحيوية وهندسة النانو، وأستاذ الكيمياء الصيدلية، والمدير العام لمركز التميز المتخصص في طب النانو وهندسة الطب في جامعة كاليفورنيا.
هذه مجرد أمثلة وعيّنة صغيرة من نوابغ عرب تركوا بصمات مشهوداً لها ويعتد بها الشرق والغرب، وما زال العرب موجودين ويلعبون دوراً في العلوم والحضارة البشرية، كما لا يزال الرحم العربي قادراً على حمل أجنّة الإبداع.

