صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، هو مؤلف القصيدة التي ذاع صيتها بين الناس وتملكت قلوب أبناء هذه البشرية والعالم، واسمها «دبي»؛ لقد ورث سموه أوزانها عن أبيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وامتلك إيقاعها الذي نظمه جده المرحوم الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله، «أطيب رجل عرفته في حياتي»، كما يرد وصفه في كتاب «قصتي» لسموه.

والحق يقال أن «دبي» تُذكر في مطلع قصائد سموه، وبين أجمل بحوره، وضمن أقوى الأفكار التي آمن بها، وانحاز وأخلص لها، وخصها بطاقته وجهده وعقله وتفكيره؛ ولكن سموه، مؤلف القصيدة الكبيرة «دبي»، وصاحب ديوان من الشعر، توزع على كتب ومواضيع وألوان مختلفة من النظم، برزت من خلالها شخصية سموه الأدبية، وتجلت في أبياتها مهجته الشعرية، وكينونته الوجدانية ومنطلقاته الفكرية.

وقارئ شعر سموه يواجه في مبتدأ الأمر جملة من الموضوعات؛ يكشف مبتدؤها عن صلته القوية بالأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ويلقي الضوء على دوره في بناء دولة الإمارات العربية المتحدة، وإنشاء مؤسساتها، وحماية الاتحاد بالقوة والعقل والوجدان. وتكشف في ثاني موضوعاتها عن صلته القوية بالإرث العائلي الذي أمد دبي بالطاقة والمرونة التي أهلتها لأن تلتقط تطلعات البشرية، في بناء علاقات مستقرة مبنية على المصلحة المشتركة.

غنى في الموضوعات

وفي شعر سموه، هناك الوجدانيات التي تربط الأخ بأخيه، ومن أبرزها ما جادت به قريحة سموه في مخاطبة أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في تعبير عن وحدة الإرادة والتفكير والموقف.

وكذلك ما يربط أجيال الأسر العظيمة، مثل ما قال سموه في استذكار «والد دبي»، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، أو والدته الكريمة، المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيان، طيب الله ثراها، أو تلك الأبيات الجميلة الرائعة التي خص بها سموه، نجله، وولي عهده، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، رئيس المجلس التنفيذي، والتي تبرز فيها إلى جانب عاطفة الأب تجاه ابنه، قوة الانسجام والصداقة والمحبة، بين إنسانين يتماثلان في التفكير والرؤية القيادية.

وفي جانب آخر يكتب سموه قصائد تحمل مواقف حياتية وحكماً وأفكاراً قيمية، وأحياناً تسجيلاً وسرداً لتاريخنا العربي الإسلامي، وهذا تجلى واضحاً في الألغاز الشعرية الرمضانية. وهو ما يُذكّر الجميع باقتحام سموه المقتدر فن الألغاز الشعرية، التي شغل بها الناس ومحبي الشعر أكثر من مرة.

ويقدم سموه بين جنبات الشعر، وفي أبياته، ملحمة في وصف العلاقة الكبرى التي تربط الإنسان العربي بالخيل، مستمدة من علاقته وتجربته الشخصية المشهودة، فجاءت قصائده في حب الخيل لتملأ الفضاء الشعري بنظرات جديدة، غابت عن النص العربي منذ وقت طويل.

إرث الشاعر

وهنا، يجب القول إن إرث الشاعر لا يقتصر على ما يكتب أو ما تجود به قريحته فقط؛ فإرث سموه الأدبي جاد على الشعر عشرات القصائد، وأنجب كثيراً من الشعراء الذين تأثروا بقوله، وبأبياته، ومقولاته، وشخصيته الأدبية. ولعل المرء لا يبالغ إن قال إن الشعر النبطي اغتنى باهتمام سموه، فزاد حضوره على الساحة العربية، وفي المشهد الأدبي، قصائدَ وشعراء.

ونجد أن الكثيرين من شعراء اليوم دخلوا ميدان الشعر متأثرين بتجربة سموه، محاكين أبياته، متمثلين نظرته في الشعر والحياة.

وأغنت أبيات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أنواعاً وألواناً أخرى من الفنون الحديثة، وعلى رأسها الدراما التلفزيونية التي استندت إلى أشعار سموه، وكذلك الأغنيات التي أثرت المكتبة العربية، وكانت سبباً في شهرة الكثير من الأصوات العربية الموهوبة.

وهنا، في هذين المجالين على وجه التحديد الكثير مما يقال في دور سموه البناء في دفع الحركة الفنية والثقافية إلى الأمام، والتأثير في مساراتها، وتحديد توجهاتها.

واللافت هنا، أن الشعر ليس الحقل الوحيد الذي أبدع فيه سموه؛ هناك أيضاً التأملات الفكرية والتجارب الإنسانية والخبرة القيادية والآراء الإدارية والمواقف الوطنية والحوار مع الآخرين المجاورين له في التجربة القيادية أو المواطنين والمقيمين وضيوف الدولة في مناسباتها وفي المحافل العالمية التي تقيمها.

إنها، في الواقع، مكتبة غنية من الشعر والكتابة والنظرات الفكرية والآراء القيادية!

مكتبة ووطن

في مكتبة سموه العديد من المؤلفات والكتب والدواوين الشعرية. ويبدو فيها ميله إلى الحكمة واضحاً، أديباً ومفكراً. كما يظهر فيها وفاؤه وتقديره للقيم الوطنية والإنسانية الكبيرة وأصحابها، ومن هذه الكتب: «زايد» و«ومضات من فكر» و«قصائدي في الخيل» و«رؤيتي» و«قصتي» و«ومضات من شعر»، و«ومضات من حكمة»، والمسابقات الشعرية و«محاضرة روح الاتحاد» و«في الصحراء يهتدي الصحيح الذكي فقط» و«خواطر رمضانية» و«40 قصيدة من الصحراء»، ودواوين قصيدة اللغز والحل والردود، وديوان «الأمسية»، إضافة إلى ديوان «القصائد المتبادلة».

واللافت أن هذه الكتب والمؤلفات جميعها، تعكس فكر سموه، وعمق انغماسه في التفكر في شؤون الحياة والبشرية، وتعكس في الوقت نفسه العقل الاستراتيجي لسموه.

وهنا، تبدو «الإمارات»، التي منحها سموه سني عمره، في هذه المكتبة الوطنية من الأفكار والأشعار، خياراً تاريخياً، بينما تبرز دبي أملاً وراية من رايات الإمارات.

سار سموه في ديوان الشعر والقيادة على وزن الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واتبع في التدبير والتفكير والإدارة نهج أبيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، واستن منذ عقود نهجاً خاصاً في القيادة والإدارة يشكل المثال الجديد الذي يعبر عن المستقبل والفكر الابتكاري، الذي يعبر عنه أداء حكومة الإمارات اليوم.

وهذا النهج القيادي الخاص مقترن على نحو وثيق بعلاقة سموه بالثقافة والإبداع، وهو ما يتضح من توجهات الدولة نحو إثراء واستثمار الاقتصاد الإبداعي. وهذه رؤية مبتكرة وخلاقة تستكشف ممكنات الوعي، وقدرته على إنتاج الحياة، وتحريك الاقتصادات، وإغناء المجتمعات.

وهنا يمكن القول، لم يشتهر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، بكتابة الشعر، ولكنه كان من أول آباء المعرفة والتعليم ورعاة الإبداع. واليوم نرى سموه وقد انتقل بهذه الأبوة والرعاية إلى مصاف جديدة، وغير مسبوقة، سيكون لها مردودها الاستثنائي الذي سيكون فضلاً ينسب لصاحبه.

الإدارة والفكر

يسأل أي قارئ للقصيدة عن معنى الشعر، وغايته. وفي حالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، يتعدى الأمر ذلك إلى سؤال عن الحاجة إلى قصيدة؛ وفحوى الأمر أن سموه صاحب أمر ونهي، ينفذ قراره بقوة ثقة شعبه به، وهو في كل الأحوال لا يحتاج إلى قصيدة يحملها مضامين ما، أو يواري فيها رأيه.

ولكن قارئ شعر سموه، والمتابع لانشغالاته الفكرية التي تذهب باتجاه استئناف الحضارة العربية الإسلامية، وإعادة هيكلة مجتمع الشباب العرب على أسس القراءة والبرمجة الرقمية وإنشاء مجتمع ريادة الأعمال، يعود إلى الفكرة الأولى التي بدأت منها هذه الكلمات: دبي قصيدةُ مديح للخير والحياة والأمل، يؤلفها سموه يوماً بعد يوم.

بلى، هذا موقع دبي وفرادتها العالمية، وهذا الدور الذي انتدب التاريخ سموه لأدائه.

أصل الفكرة

قارئو تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة، وجزء غير يسير منه ترصده الصور، التي التقطها محبون ومقيمون ومواطنون، يعرفون أن الأمر أصيل ويمثل مرحلة من تاريخ الدولة، صاحبة التجربة الفريدة؛ وواحدة من أشهر هذه الصور تُظهر الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بينما هو يَخطُ بعصاه على الرمل شكل وخريطة المستقبل.

وفي أخرى يظهر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، بينما هو وراء مكتبه القديم، وأمامه أكداس من الورق، وبيده قلم «بك»، وعلى وجهه تصاريف التعامل مع الواقع، وفي عقله قناعة بأن أي دولة ومجتمع بقدر ما يحتاجان إلى قيادة، يحتاجان إلى إدارة، وتنظيم مصالح الفئات الاجتماعية، وضبط العلاقات مع شركاء المصلحة.

بعد هاتين الصورتين، يكتمل المشهد لدى من يؤرخ لتاريخ الإمارات إن يلتفت إلى عشرات الصور والفيديوهات، التي يظهر بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بينما هو يقول قصيدة، وفي القصيدة، بغض النظر عن موضوعها، يبث شحنة من القيادة. وبينما هو يدخل المؤسسات فجأة، ويجول في الأسواق يتفقدها، يعطي التوجيهات هناك، ويوجه بمتابعة الأمور هنا. إنها حكمة القائد، وقدرة صاحب الإدارة. وهي كذلك، قريحة الشاعر.

وأسعد الناس من يرى في وطنه قصيدة أثيرة، وذا ذخر الإمارات!