أكد أكاديميون متخصصون في الشأن الاقتصادي أن الإمارات تحرص على تطبيق أفضل الممارسات التي من شأنها أن تدعم جهودها في إدارة الملف الاقتصادي وتعزيز مرونته في التعامل مع التحديات التي أفرزتها الجائحة العالمية على المديين المتوسط والبعيد، حيث تتمثل أولويات الدولة في تسريع عملية التعافي الاقتصادي والتحول إلى نموذج الاقتصاد الجديد القائم على التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة، لا سيما وأن الحكومة تعمل مع كافة الجهات المعنية وفق رؤية طموحة لمضاعفة الاقتصاد الوطني خلال الخمسين المقبلة، مبينين أنه لا بد من التوجه نحو بناء اقتصاد قوي متين من خلال التركيز على إنشاء مراكز البحوث والتطوير واستخدام المعلومات من أجل التقدم التقني والتكنولوجي، بالإضافة إلى السعي نحو إعداد واستقطاب الخبرات الرائدة للوصول إلى الهدف المنشود، كما أن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود من أجل بناء اقتصاد أخضر من خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية والحرارية وطاقة الرياح من أجل توفير الطاقة بكلفة منخفضة والسعي إلى استخدام أفضل الاستراتيجيات للحد من تلوث الهواء والمياه.
مراحل
يقول الدكتور محمد الشبول أستاذ مشارك في قسم التمويل والاقتصاد بكلية إدارة الأعمال بجامعة الشارقة:إنه في ظل السعي الدؤوب والمتواصل من الدولة لبناء مستقبل واعد ومشرق يتمتع بقوة اقتصادية تتناسب مع مراحل التقدم التكنولوجي المستمر قامت الحكومة برسم رؤى استراتيجية تدعم التطور المستمر لجميع القطاعات، لافتاً إلى أن هذه الاستراتيجية الشاملة هي عبارة عن خارطة طريق تسعى لتحقيق إنجازات نوعية شاملة في شتى القطاعات الحيوية التي من شأنها تعزيز الازدهار والتقدم والرفاه الاجتماعي، وضمان بناء مستقبل راسخ لأجيالها بعيداً عن الاعتماد على الموارد النفطية.

وأضاف إن من تلك الرؤى بناء اقتصاد مرن قادر على مواجهة التحديات المستقبلية التي تجلب المنافع والرفاه الاجتماعي، وان التنمية الاقتصادية شيء مهم جدا يؤدي إلى رفد المجتمع بالطاقات الشبابية المتعلمة القادرة على تقديم قوى عامله مدربة وكفوؤة قادرة على مواكبة التقدم العالمي والعلمي والتكنولوجي المتسارع وكذلك تطوير مؤسسات الدولة والارتقاء بها نحو تقديم أفضل الخدمات للمواطنين والعالم.
ارتقاء
وأكد الشبول أن المطلوب من جميع الجهات التكاتف والتشارك في الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمجتمع والسعي إلى إنتاج أفضل السلع والخدمات المنافسة عالمياً وذلك للسعي نحو تحويل الإمارات إلى مركز اقتصادي قوي ومتقدم، وبالتالي فإنه من الواجب السعي نحو التنمية الاقتصادية المستدامة في المرحلة المقبلة، كما يجب التركيز على المصلحة الوطنية العليا بالتوجه نحو بناء اقتصاد قوي متين من خلال التركيز على إنشاء مراكز البحث والتطوير واستخدام المعلومات من اجل التقدم التقني والتكنولوجي، بالإضافة إلى السعي نحو إعداد وجلب الخبرات الرائدة للوصول إلى الهدف المنشود، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود من أجل بناء اقتصاد أخضر من خلال الاعتماد على الطاقة الشمسية والحرارية وطاقة الرياح من أجل توفير الطاقة بكلفة منخفضة والسعي إلى استخدام أفضل الاستراتيجيات للحد من تلوث الهواء والمياه.
محرك
من جهة أخرى أكد الدكتور سامر خرفي رئيس قسم الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالشارقة أن الميزانية التي تم اعتمادها تعكس متطلبات تأسيس اقتصاد قوي ومستدام، من خلال توجيه الموارد نحو قطاعات ينظر إليها على أنها محرك النمو في المدى البعيد، تحقق معدلات نمو مرتفعة وقابلة للاستمرار، وتوفر درجة مرتفعة من المرونة في التعامل والتأقلم الاقتصادي مع التحديات الخارجية.

وأضاف أنه من هنا يأتي الاهتمام بالاقتصاد المعرفي، وبالأخص قطاعات البحوث والتطوير والابتكار، والتركيز الكبير في الفترة القادمة على النهوض بمساهمة العنصر البشري الوطني، مع استمرار العمل على جذب الكفاءات والاستثمارات العالمية، وبشكل أقل العمالة غير الماهرة والتي ستستمر في لعب دور مهم في بعض القطاعات الخدمية، مبيناً أن الميزانية تعكس الاهتمام الكبير بالقطاع الصحي، وتطوير نوعية التعليم، القادر على الاستجابة لمتطلبات سوق العمل الحديث.
وبين رئيس قسم الاقتصاد بالجامعة الأمريكية أنه نظراً لانفتاح الاقتصاد الوطني على السوق الدولية وطبيعة التركيبة السكانية للدولة، هناك إدراك بضرورة توفير أسس التنافسية والكفاءة على مستوى الأفراد والشركات الوطنية، وإزالة العوائق التي تقيد المنافسة والابتكار لرفع الإنتاجية، لذا من الضروري تعميق ونشر التنافسية من خلال التعليم والتدريب، وخلق بيئة مؤسسية مواتية واستقرار اقتصادي يساهمان في توسيع الاعتماد على قطاع الأعمال الخاص، لافتاً إلى انه من خلال الميزانية التي تم اعتمادها مؤخراً يتضح أن هدفها تفعيل سياسات ملائمة للوضع التنموي الحالي في الدولة، من خلال التركيز على تطوير الموارد البشرية بعد أن تم إلى حد كبير في العقدين الماضيين الانتهاء من إنجاز بنية تحتية مادية حديثة، والتي لا تتطلب مستقبلاً وبشكل أساسي سوى نفقات للإحلال والصيانة.
قناعات
وقال:إن التطور النوعي يعكس قناعات اقتصادية بمحدودية وعدم استمرارية النمو طويل الأمد المعتمد على تراكم عناصر الإنتاج من عمالة ورأس مال وموارد طبيعية، لذلك تمثل الميزانية الخمسية تصورات بعيدة المدى وخطة استراتيجية لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد الإماراتي بعد 3 عقود، اقتصاد يعتمد على المعرفة والابتكار، وهي أنشطة متجددة لا تنضب، وعلى كفاءة العنصر البشري لا على كميته،وفي هذا اهتمام واضح بالأجيال القادمة، إذ ينبئ التطور التقني المستمر، بتراجع مضطرد في الاعتماد على الموارد الطبيعية الناضبة والملوثة للبيئة كالفحم والنفط. ومن هنا يأتي اهتمام الدولة بتنويع مصادر النمو وتطوير القطاع الاقتصادي غير النفطي، خاصة مع تراجع تكلفة الطاقة المتجددة وتوسع استخدامها بدعم قوي من حكومات عدة، وانخفاض سعر النفط على المدى البعيد، رغم تقلباته قصيرة الأمد.
استراتيجية
وأوضح الدكتور سامر أن استراتيجية الدولة تعكس الاهتمام الكبير بالأوضاع البيئية وتأثيراتها المناخية، متمثلاً بالتزام الدولة بتحقيق الحياد المناخي بحلول 2050. وتأتي الخطة الخمسية بعد أن تم إلى حد كبير تجاوز التحديات المرتبطة بجائحة كوفيد-19، والتي ترافقت مع الضغوط المترتبة على تراجع سعر النفط في السنوات الخمس الماضية، لذا تمثل خطة الإنفاق للسنوات الـ 5 القادمة الانتقال من مرحلة التعامل مع الأزمات لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي إلى مرحلة النمو والتغيير الهيكلي، بهدف تحسين نوعية الحياة للمواطن، الذي تشكل مهاراته وقدراته التنافسية محلياً وخارجياً، سواء كان موظفاً في القطاع الحكومي أو الخاص، أو صاحب عمل ورائداً للأعمال، أساس الاقتصاد المعرفي.
اقتصاد

من جهته اكد الدكتور حسين التميمي مدير برامج الدراسات العليا في كلية إدارة الأعمال بجامعة الشارقة أن الاقتصاد الإماراتي مصنف عالمياً ضمن اقتصادات الدول الناشئة (ُ Emerging Markets Countries )، ويمثل رابع أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، وفي بعض المؤشرات تصنف الدولة ضمن مجموعة الدول المتقدمة، كما أن ما يضفي على الاقتصاد القوة والمتانة هو الاستقرار الاقتصادي والاتجاه التصاعدي لمعدلات النمو في القطاعات الاقتصادية المختلفة والتنويع في مصادر الدخل بالتقليل من الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وعلى سبيل المثال انخفضت النسبة من 77% في العام 2011 إلى 31.6% في العام 2019، الاستقرار النقدي وانخفاض معدلات التضخم والارتفاع المستمر لمعدل دخل الفرد ليصل إلى 160.600 درهم إماراتي في 2019، ولا ننسى التطور الكبير في البنية التحية وهو مؤشر مهم جداً على متانة وقوة الاقتصاد والزيادة المستمرة في الاحتياطات الأجنبية لتصل إلى 99.5 مليار دولار.
تفاؤل
وأضاف إن الذي يدعو إلى التفاؤل الكبير بتحقيق اقتصاد مستدام،هو المبدأ الثاني من المبادئ العشرة، وذلك من خلال توفير المرتكزات الأساسية الآتية، الاستقرار الاقتصادي والاستقرار السياسي الذي يعد مطلباً أساسياً لديمومة النمو الاقتصادي وتحقيق اقتصاد مستدام، والتنويع في الاقتصاد، والاهتمام بالتعليم والبحث العلمي والذي يعزز دون أي شك من التطور الاقتصادي المتوازن وتحقيق الهدف الأساسي وهو الاقتصاد المستدام، ومن المرتكزات توفير بنية تحتية متطورة، من طرق حديثة ووسائل اتصال ومواصلات متطورة وشبكة أنترنت تعد الأحدث في العالم.
مكتسبات
من جهته أكد الدكتور ولاء وحيد القلش رئيس قسم المحاسبة بجامعة الشارقة أن المبدأ الثاني الذي يركز على بناء الاقتصاد يأتي مباشرة بعد المبدأ الأول الذي تناول أهمية قيم الاتحاد والتعاون «تقوية الاتحاد» ما يعكس أهمية الاقتصاد المتزايدة في بناء الوطن والحفاظ على المكتسبات ما يدعم دور الدولة الريادي على المستويين الإقليمي والدولي، و يلاحظ تكامل وترابط المبدأ الثاني مع بقية المبادئ الخمسين في منظومة شاملة و فريدة ما يشجع العمل الجماعي وتحقيق الأولويات والأهداف المرجوة بطرق فعالة.

وقال إن المبدأ الثاني يمثل مدخلاً رئيسياً نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وهو ما يتطلب التوجه نحو الاقتصاد الأخضر من خلال تشجيع المبادرات الفردية والجماعية لتوفير الطاقة، زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة والمتجددة، تقليل نسب التلوث والانبعاثات الضارة، التركيز على تطوير التعليم والصحة واستخدام التكنولوجيا الحديثة في جميع المجالات ما يخدم ازدهار الاقتصاد ويدعم طموح الدولة في تحقيق الريادة العالمية، مبيناً أن الميزانية العامة للاتحاد التي تم اعتمادها للأعوام 2022-2026 تشكل أداة رئيسية وفعالة نحو تطوير الاقتصاد الإماراتي من خلال توفير الموارد المالية والبشرية لتنفيذ الخطط والبرامج الضرورية لتحقيق التنمية الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.
مسيرة

من جانبه أكد الدكتور محمد عميرة نائب رئيس كلية المدينة الجامعية في عجمان أن الإمارات تعمل بخطط مدروسة على تعزيز مسيرة التنمية المستدامة من خلال الإنفاق الحكومي على مختلف القطاعات الاقتصادية سواء كانت الإنتاجية أو الخدمية وفي نفس الوقت تطوير وتنمية التجارة الخارجية عن طريق زيادة الصادرات غير النفطية وتشجيع الاستثمار في القطاع الأخضر والطاقة المستجدة وترشيد استهلاك المياه واستهلاك المصادر الطبيعية وتنمية الزراعة الطبيعية، لافتاً إلى أن التركيز على اقتصاد المعرفة والابتكار والاقتصاد الرقمي واستقطاب المواهب من مختلف دول العالم، إضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة من خلال الثورة الصناعة الرابعة، الأمر الذي يمكن من استمرارية الاقتصاد الوطني بالنمو والارتفاع، كما سيعزز من مسيرة الاتحاد نحو الخمسين المقبلة.
