أسهمت التداعيات التي خلّفتها جائحة كورونا على المجالات والقطاعات كافة عالمياً، وبالأخص القطاع الاقتصادي، في عودة قضايا العمل من أجل البيئة والمناخ إلى صدارة الاهتمام الدولي، خصوصاً مع اعتماد أغلب الدول مفهوم التعافي الأخضر لمرحلة ما بعد كورونا.

وتشهد الساحة الدولية الآن تحركات متسارعة لتحفيز ودفع وتيرة الحراك العالمي لمواجهة التغير المناخي باعتباره التحدي الأكثر تهديداً لمستقبل الحياة على كوكب الأرض، حيث عادت الولايات المتحدة الأمريكية إلى قائمة الداعمين للعمل من أجل المناخ، ودعيت إلى قمة بهذا الخصوص وهي قمة القادة للمناخ، وبشكل عام يستعد المجتمع الدولي كافة للدورة الجديدة من مؤتمر دول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن المناخ.

مسيرة العمل

وتمثل دولة الإمارات واحداً من أهم اللاعبين والمؤثرين في مسيرة العمل من أجل المناخ إقليميا وعالمياً، حيث تبنت منذ انضمامها لاتفاق باريس للمناخ 2015 كأول دولة في المنطقة، نموذجاً رائداً يقوم على تحويل كافة التحديات إلى فرص نمو، وضمان تحقيق توازن شامل بين استمرارية النمو الاقتصادي وحماية البيئة.

وحالياً وفي إطار جهودها المتواصلة لخفض مسببات التغير المناخي وتعزيز قدرات التكيف مع تداعياته، تعمل وزارة التغير المناخي والبيئة حالياً على تفعيل مشروع «شبكة الإمارات لأبحاث المناخ»، لتمثل منصة متكاملة لأبحاث المناخ في منطقة الشرق الأوسط بالتعاون مع العديد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية في المنطقة بهدف توفير دراسات علمية توضح طبيعة تأثر المنطقة حاليا ومستقبلاً بالتغير المناخي، ومتطلبات التكيف مع تداعيات هذا التغير، وتعزيز تبادل التجارب الناجحة في مجال العمل المناخي وبالأخص بعد الإعلان عن مبادرة الإمارات الاستراتيجية للسعي لتحقيق الحياد المناخي بحلول 2050.

دورة جديدة

وقالت المهندسة عائشة العبدولي وكيل وزارة التغير المناخي والبيئة المساعد لقطاع التنمية الخضراء والتغير المناخي بالوكالة: «إن الدورة الجديدة من مؤتمر دول الأطراف (كوب 26) بما ستتضمنه من مناقشات ومفاوضات للعمل المناخي، وتقييم لما تم تحقيقه من المساهمات التي حددتها الدول مسبقاً، ستمثل خطوة داعمة ومحفزة بقوة لمسيرة حماية كوكب الأرض من التحدي الأكثر خطورة على مستقبله وقدرة الحياة على الاستمرار».

وأضافت: «التوجه العالمي الحالي لاعتماد مفهوم التعافي الأخضر كآلية لاستعادة النشاط والنمو الاقتصادي من التباطؤ الذي خلفته جائحة كوفيد – 19، تزيد من أهمية (كوب 26)، وتضع عليها أمالاً كثيرة في تحفيز الدول على رفع طموحها للعمل المناخي وسقف مساهماتها المحددة وطنياً لتواكب متطلبات النمو بمعدلات سريعة وصديق للبيئة في الوقت ذاته، وهذا ما بادرت دولة الإمارات إليه عبر إعلانها التقرير الثاني من مساهماتها المحددة وطنياً في ديسمبر الماضي والذي ترفع فيه سقف هذه المساهمات بصورة ترفع مستوى جهودها المحلية والعالمية للعمل من أجل المناخ، وتقدم للعالم نموذجاً في العمل الحقيقي من أجل حماية كوكب الأرض، وضمان مستقبل أفضل للأجيال الحالية والمقبلة».

خفض الانبعاثات

ويشمل هدف خفض الانبعاثات في كافة القطاعات الاقتصادية المتضمن في المساهمات المحددة وطنياً لدولة الإمارات طموحها والتزامها بالاستمرار بخفض انبعاثاتها من غازات الدفيئة وصولاً إلى تحقيق انخفاض بنسبة 23.5% عن الوضع الاعتيادي للأعمال لعام 2030، وهو ما يعادل خفضاً مطلقاً للانبعاثات بنحو 70 مليون طن. ويمثل هذا الهدف تأكيداً على التزام الدولة باتفاق باريس للمناخ كونه الخيار الأفضل للتعامل مع إشكالية تداعيات التغير المناخي وجهود الحد منها والتكيف معها. وتأتي العديد من المبادرات والمشاريع الوطنية لتدعم هذا الهدف من خلال استخدام أحدث التقنيات الخضراء وزيادة استخدام ونشر حلول الطاقة المتجددة والعمل على زراعة آلاف الأشجار خلال السنوات القليلة القادمة.

تخفيف حدة التغير المناخي

وفي هدف تخفيف حدة التغير المناخي تلتزم دولة الإمارات بموجب رفع سقف المساهمات المحددة وطنياً بتطوير وزيادة حصة الطاقة النظيفة المحلية لتصل إلى قدرة إنتاجية 14 جيجا وات بحلول العام 2030، مقارنة بـ 100 ميجاوات فقط في العام 2015 وما حققته حتى الآن من قدرة بالغة 2.4 جيجا وات في 2020. هذا وبلغ مجمل حجم الاستثمارات المحلية في مشاريع الطاقة النظيفة 40 مليار دولار أمريكي حتى الآن.

كما تلتزم بالاستمرار في تطبيق منظومة متكاملة من الإجراءات الهادفة لخفض مستوى الانبعاثات في القطاعات الاقتصادية الرئيسية (الطاقة، والنقل، والصناعة، والخدمات، والزراعة، والنفايات). وفي هذا الإطار استحدثت دولة الإمارات أول شبكة تجارية في المنطقة لاحتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، لتعزيز نشر هذه التقنية بالغة الأهمية للحد من انبعاثات الكربون وتخفيف آثار تغير المناخ.

التكيف مع التداعيات

وبموجب هدف تعزيز قدرات التكيف مع تداعيات التغير المناخي، تلتزم الدولة ضمن رفعها لسقف مساهماتها المحددة وطنياً بالاستمرار في جهود الحفاظ على النظم البيئية الساحلية، ومشروع الكربون الأزرق عبر زراعة ملايين الأشجار، ومنها أشجار القرم التي من المخطط زراعة 30 مليون شتلة منها لغاية 2030.

كما تلتزم الدولة بالاستمرار في منظومة اعتماد نظم الزراعة المستدامة والذكية مناخياً، والتوسع في جهود خفض مستويات هدر الطعام وتعزيز سلوكيات الإنتاج والاستهلاك المستدامين.

وأطلقت وزارة التغير المناخي والبيئة دعماً لجهود التكيف مع تداعيات التغير المناخي، البرنامج الوطني للتكيف مع تغير المناخ، والهادف لتقييم المخاطر التي يمثلها التغير المناخي على القطاعات الرئيسة في الدولة (الطاقة، والبنية التحتية، والبيئة، والصحة)، بالإضافة إلى قطاع التأمين، وحددت عبره أهم المخاطر التي تواجهها تلك القطاعات جراء التغير المناخي ومتطلبات وآليات تعزيز مرونتها للتكيف مع هذه التداعيات.

عوامل التمكين

وحددت المساهمات أهم عوامل التمكين التي اعتمدتها الدولة لتعزيز عملها من أجل المناخ، وزيادة قدرات كافة القطاعات لمواجهة التغير المناخي وخفض حدته والتكيف مع تداعياته، وشملت اعتماد الدولة لمنظومة التحول نحو الاقتصاد الأخضر الصديق للبيئة، واعتماد تطبيق آليات ومعايير الاقتصاد الدائري. كما شملت العوامل تعزيز توظيف أحدث التقنيات في تطوير كافة القطاعات بما يضمن تحقيق استدامتها.

وتضمنت المساهمات عوامل التمكين لتوجهات دولة الإمارات بفضل رؤية قيادتها الرشيدة لنشر واستخدام حلول الطاقة النظيفة والمتجددة محلياً في المقام الأول، وعالمياً عبر التمويل والاستثمار.

وقد استثمرت دولة الإمارات في 70 دولة حول العالم في مشاريع بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 16.8 مليار دولار أمريكي. كما قدمت الدولة ما يزيد عن 400 مليون دولار من المساعدات والتمويلات والقروض الميسرة لمشاريع الطاقة النظيفة حول العالم.