مؤلمٌ هو الرحيل والفقد، على الدوام، إلا أنه يغدو مصدر حزن مجتمعي عام، وأعمق أثراً وأشمل، حين يطال قامات وطنية ارتبطت وثيقاً بعبق المكان وسطرت مسيرتها بحبر الخير والعطاء، مستنيرة بقيم الولاء للقادة والمجتمع وحب الناس والإخلاص، ذلك حال المرحوم الوالد عيسى عبدالله بوحميد، الذي توفاه الله، اليوم، حيث غادر دنيانا عن 83 عاماً، مخلفاً سيرة عطرة ثرية بألوان الإنجاز وممهورة ومكللة برفقة درب قادة دبي الأماجد، إذ كان، رحمه الله، قريباً جداً من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، باني نهضة دبي، وكانت له إسهامات نوعية في مشوار تنمية وازدهار دانة الدنيا، منذ البدايات، من خلال عمله في عدة مجالات ومواقع، حيث إنه لم يألُ جهداً أو يتردد في تحمل المسؤوليات في شتى أماكن العمل والمهام، لتحقيق هدف الإنهاض والتطوير المجتمعي. كما شهد الراحل، مسيرة ومشوار التطوير في دبي، خلال عهد المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، ومن ثم واصل مسيرة العطاء والوفاء، في ظل قيادة ورؤى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
مشوار تميز
لم تقتصر مناقب وعطاءات الراحل عيسى عبد الله بو حميد، المولود عام 1938 بمنطقة البطين في ديرة بدبي، على جانب ومجال محددين، إذ أبى إلا أن يترك بصمة متميزة وذكراً وضاحاً براقاً في شتى حقول العمل المجتمعي، متسلحاً بنهج الخير والتمسك بالعمل والوفاء والإخلاص للوطن، فمنذ أن تفتحت عيناه على الدنيا في دانة الدنيا، تشرب في أركانها ومناطقها ومن فكرها ومن أهلها، حب الناس والطموح والهمة العالية للعمل والتفاني في سبيل أمن ونهضة الوطن. وقد تربى في بيت علم وخلق، فنشأ وبقي يستزيد في كل محطة من سمات الدماثة والجود والخير والترحاب، بموازاة التمسك بنهج الجِد والتفاني في العطاء والعمل بالقيم الإنسانية. وهكذا فإنه حرص منذ البدايات، على الانخراط في كافة المشروعات التطويرية الوطنية الرامية إلى إنهاض دبي ودولة الإمارات، حيث إنه من أوائل الذين التحقوا بشرطة دبي، حين لم يتجاوز سنه 18 عاماً، لينتقل بعد سنوات إلى بلدية دبي بأمر من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراه، حيث عمل لسنوات مديراً لدائرة المياه، فأسهم خلالها في حفر الآبار، ومد شبكات المياه؛ بغية توفير احتياجات الناس من الماء. وبطبيعة الحال، لم يعرف الراحل عيسى بوحميد الراحة أو التوقف عند حدود إنجاز ما، فكان جذوة نشاط وعطاء مستمرين، حيث لم يكتف بالعمل الوظيفي، بل عمل في مجال العقارات.
عائلة صالحة
كان الراحل عيسى بوحميد حريصاً على إنشاء ورعاية عائلة صالحة ناجحة، ترتوي من ينابيع الخير والمحبة، فزرع في أفئدة أبنائه خالد وإبراهيم وعبدالله ومنذر وحميد، وأيضاً معالي حصة بنت عيسى بو حميد، وزيرة تنمية المجتمع، حب الوطن والعمل الدؤوب، واجتهد في تعليمهم حتى أضحوا جميعًا في مناصب رفيعة، ويتسمون بأعلى درجات الخلق والمعرفة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الراحل لم يكن مشغولاً فقط بقضايا دبي ودولة الإمارات، بل كان أيضاً مسكوناً بقضايا الأمة العربية والإسلامية، بل وبقضايا الإنسانية جمعاء، فاستمر لا يوفر طاقة أو إمكانات للإسهام بما فيه الخير للعرب والمسلمين والناس جميعاً.
حكايات البدايات
تربى الراحل عيسى عبد الله بو حميد في دبي، ونهل الخير فيها، في كنف والد تقي ورع محب للخير والعمل ومخلص للوطن، وهو الثالث في ترتيبه بين إخوانه الذين نشأ معهم في بيت شيِّدت جدرانه على أعمدة المحبة والخير والصلاح. وارتبط الراحل، منذ طفولته ويفاعته بالمكان الذي ترعرع فيه بشكل وثيق، فظل يبادله الحب والوفاء، وطبعاً، فيه درس في مدرسة الأحمدية، حيث تعلم في جنباتها حرفه الأول، وحفظ القرآن الكريم وتعلم الفقه والحساب، وذلك على يد كوكبة مدرسين رواد مثل: أحمد بن ضبوي ومحمد بوملحه، ومن ثم تابع مشوار اكتساب الخبرات والعمل والعطاء في شتى المحافل.
كلمات وفاء
خبر رحيل الوالد عيسى بو حميد، كان وقعه مؤلماً وصعباً على رجالات الدولة وأبنائها كافة، من جميع الفئات والمستويات، فقد نعاه كبار المسؤولين ورفاق دربه، على مواقع التواصل، متحدثين عن سماته الرفيعة وإنجازاته، ودعوا له بالرحمة والمغفرة سائلين الله عز وجل، أن يدخله فسيح جناته.
وقد وصف معالي الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، الفقيد في تغريدة له على تويتر بـ «صاحب الروح البشوشة والطيبة النادرة»، داعياً الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته.
كذلك دوّن المستشار صلاح بوفروشة الفلاسي، رئيس نيابة السير والمرور في دبي: «رحم الله الوالد عيسى بو حميد، أحد رجالات الدولة المخلصين المؤسسين، وصاحب الابتسامة الطيبة».
أما الأديب عبد الغفار حسين، فكتب: «حزنت لنبأ وفاته، كان من الإخوة والزملاء الذين تولوا المناصب الحكومية في بداية تأسيسها، كان ضابطاً في الشرطة، ثم مديراً لدائرة المياه لسنوات، وكان من المقربين للشيخ راشد والشيخ مكتوم، رحمهما الله».
كما أشار معالي الدكتور حنيف حسن القاسم، عضو معهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية، في تغريدة له على «تويتر»، إلى أن الراحل كان مثالاً في أعمال البر والخير، وكتب: «الراحل العزيز من أعيان البلاد المميزين، ومن وجهائه البارزين، كان مثالاً في أعمال البر والخير، ونموذجًا مشرفًا في خدمة وطنه، تغمده الله بواسع رحمته وتقبّله في الصالحين».
فيما لم يتأخر رجل الأعمال خلف الحبتور، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الحبتور، عن نعي الراحل عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، قائلاً: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقينا خبر وفاة المغفور له بإذن الله الأخ العزيز بو خالد عيسى عبدالله بو حميد»، مضيفاً: «أعزي أبناءه وكل أفراد عائلته في وفاة هذا الصديق الذي يذكرنا بأيامنا مع المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، أسكنه الله فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والسلوان»،
بينما كتبت الإعلامية د. حصة لوتاه: «غادرنا إلى جوار ربه السيد عيسى بو حميد، الرجل الذي عمل في حكومة دبي منذ عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، وعرفه أهلها بالطيب والإخلاص»، داعية الله عز وجل أن يتغمد الفقيد بالرحمة والمغفرة وطيب المقام في الجنة.
وقد فاضت جنبات مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات لمسؤولين ومواطنين، تستذكر مآثر الفقيد، الذي كان من أعيان البلاد المعروفين، ومن الوجهاء البارزين، وبقي مثالاً للعطاء والخير والبر، ونموذجاً مشرفاً في خدمة الوطن.




