«البيان» تحاور المختصين للوقوف على أسباب الظاهرة وسبل الحد منها

«الأثاث العشوائي وتذبذب أنماط الاستهلاك».. فوضى على الأرصفة واستنزاف للجيوب

«الروتين.. التغيير.. التجديد» كلمات ترددت كثيراً الآونة الأخيرة على مواقع التحليل الخاصة بتتبع محركات البحث العالمية، وقد لا نتساءل لماذا يبحث البعض عن خطط لكسر القيد والتغيير، ذلك لأن الظروف الاستثنائية ألقت بظلالها، فجعلت التجديد أمراً حتمياً، لاسيما في ظل أزمة «كوفيد 19»، ومن بين الطرق الرائجة في بعض أوقات السنة، والتي أصبحت مهيمنة لاسيما في الفترة الماضية خلال شهر رمضان المبارك والاستعداد لاستقبال العيد، قيام بعض الأسر بالتخلص من الأثاث المستعمل وأجهزة المطبخ من منازلهم، وفي الوقت الذي يحرصون على تنظيف البيت من الداخل وتجديده وإضفاء روح جديدة في أركانه لكسر الرتابة، تتراكم هذه المقتنيات بجوار حاويات النفايات بالأحياء السكنية وفي براحة المناطق الشعبية، حيث تنعكس تلك الممارسات والأساليب بشكل سلبي على المظهر العام للمدن، إذ شكل الأثاث العشوائي وتذبذب أنماط الاستهلاك ثنائية زاحمت الأرصفة واستنزفت جيوب البعض.

وما يزيد الأمر مرارة، لجوء بعض المارة للبحث عن الأجزاء الصالحة في الأثاث المتروك وقيامهم بتفكيك أجزائه والعبث بمكوناته ليتفاقم حجم المخلفات وتتوزع على مساحات أوسع من تلك التي احتوت الأثاث المستعمل لحظة رميه، الأمر الذي يشكل ظاهرة سلبية تؤثر على جمال المناطق ونظافة الطرقات، لذا قامت «البيان» برصد الظاهرة، وتجاذب أطراف الحوار مع المختصين للرسو على حلول ناجعة والوقوف على التدابير الخاصة للجهات المختصة في الحد من هذه الظاهرة من جهة، وفهم السلوك المجتمعي وتقويمه من ناحية أخرى.




135 طناً


وبما أن لغة الأرقام ترصد المشهد بدقة، رصد مركز أبوظبي لإدارة النفايات - تدوير هذه الظاهرة، حيث قُدرت كمية النفايات كبيرة الحجم كالأثاث ونحوه، والتي تم جمعها من الأحياء السكنية في إمارة أبوظبي في ٢٠٢٠، بـ 135.798.94 طناً.

 



وتعقيباً على ذلك التقت «البيان» مبارك سهيل العامري، مدير إدارة مشاريع الجمع والنقل، للحديث حول الخدمات والآليات المتبعة لتلقي طلبات التخلص من النفايات كبيرة الحجم، حيث أشار إلى أن (تدوير) تقدم خدمة ترحيل النفايات كبيرة الحجم (الأجهزة الكهربائية / الأثاث المستعمل /.... إلخ) بشكل مجاني في المناطق والأحياء السكنية، الواقعة ضمن النطاق الجغرافي لإمارة أبوظبي، ويأتي ذلك مع التوجه والعمل على الحفاظ على المظهر العام للإمارة وتحقيق التعامل السليم مع النفايات، ويتم طلب تقديم الخدمة عن طريق مركز الاتصال الحكومي لإمارة أبوظبي على الرقم 800555، حيث يتم أخذ كل التفاصيل الخاصة بالنفايات كبيرة الحجم (موقع السكن / رقم التواصل / كمية النفايات كبيرة الحجم)، وبعد تقلي طلب الخدمة يتم توجيه طاقم العمل الميداني برفع النفايات كبيرة الحجم وتوثيق العمل المنجز لدراسة مدى رضا مقدم الطلب عن الخدمة المنفذة لاحقاً، هذا وتثمن تدوير ما يقوم به سكان الإمارة من جهود طيبة في الإبلاغ عن النفايات كبيرة الحجم عند رصدها في المناطق السكنية المختلفة في الإمارة.

وبعد الجولة التفقدية التي قامت بها «البيان» راصدة خلال الفترة الماضية الكثير من الأثاث كبير الحجم الذي تم التخلص منه بجانب الحاويات في المناطق والأحياء السكنية، أكد العامري أنه وفي ظل الظروف الراهنة التي فرضت على العالم بأسره، عملنا في «تدوير» على تبني خطط طوارئ فعّالة محدثة انسجاماً مع توجيهات حكومة أبوظبي من أجل حماية كل مظاهر الصحة والسلامة العامة في إمارة أبوظبي، فمنذ شهر فبراير الماضي علقنا جميع الفعاليات والأنشطة وحملات التوعية وورش العمل الميدانية، وتم استبدالها بحملات مكثفة عبر منصات المركز على مواقع التواصل الاجتماعي والنشرات الدورية وغيرها من استخدام كل أشكال الاتصال لتعزيز وترسيخ ثقافة المسؤولية البيئية لدى أفراد المجتمع بآلية التعامل السليم والآمن مع النفايات ومكافحة آفات الصحة العامة.


حملات ميدانية.. وعن بُعد

 

بدورها، أكدت بلدية مدينة أبوظبي أنها تنفذ بشكل دؤوب مجموعة من حملات التوعية عن بُعد وفي الميدان للحفاظ على المظهر العام، استهدفت جميع أفراد المجتمع من الملاك والمستثمرين والمستأجرين وطلاب المدارس في مناطق تابعة لمراكز البلدية الفرعية في مصفح والشهامة والوثبة ومدينة زايد، وذلك بهدف التوعية بأهمية الالتزام بقوانين إمارة أبوظبي للمحافظة على المظهر العام، وتعزيز التواصل المجتمعي مع كل شرائح المجتمع، والحفاظ على البيئة الصحية الآمنة التي تضمن سلامة الجميع.

وتنفذ البلدية حملات ميدانية تشمل جميع المناطق، للتوعية بأضرار المخلفات الصلبة مجهولة المصدر بجانب وأمام المساكن على المظهر العام والآثار السلبية التي تترتب على ذلك.


ضرورة نفسية


وبعيداً عن لغة الأرقام، للموضوع جانب آخر، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالوضع النفسي، لاسيما أثناء الأزمات، حيث تولدت لدى المجتمع أنماط متذبذبة في الاستهلاك، رصدت «البيان» جوانبها مع خلال لقائها بالدكتور عادل أحمد كراني، استشاري طب نفسي، يؤكد أن التجديد من طبيعة البشر، فحين تكون حياة الإنسان مكررة، يحكمها الروتين والرتابة، يشق طريقاً لإرضاء نفسه، وأحد الطرق التي تعلمها البشر خلال النشأة والتطور أن التغيير يساعد بشكل كبير على تحسين المزاج، ولكن التغيير يختلف باختلاف المجتمع والمقدرة المالية، ففي المجتمعات الفقيرة من المهم المحافظة على الموجود، فيدخل السلوك في دائرة «التكنيز» وهو عكس من التغيير في هذه المجتمعات، وهو يأتي من الاستفادة من الموجود اليوم وفي المستقبل، وعلى خلاف ذلك، في المجتمعات المتطورة والتي تملك المقدرة المالية، فيرى البعض أن التخلص من الأشياء يأتي بالاعتقاد أنني لن أحتاج لهذه الأشياء مستقبلاً، فيتم التخلص منها، لاسيما إن دخل الملل كحد فيصل بين كسر الروتين وتوافر المقدرة المالية.


ظاهرة



وثمة ظاهرة أخرى تتمحور حول ارتباط ذكريات معينة مع الأثاث مثلاً حسب الدكتور كراني، فحين ترتبط هذه المقتنيات بذكرى سيئة أو حزينة، يرنو الأشخاص للتخلص منها حتى وإن كانت جديدة، ولاسيما إن كانت الذكريات مؤلمة، وهنا ثمة نصيحة نفسية بالتخلص من كل ما ينفر الروح ويستفز الألم، وقد يحتفظ بالمقتنيات لارتباطها بذكرى قديمة، أو هدية من شخص عزيز، وهناك أيضاً بعض الأشخاص الذين لا يميلون للارتياح والاستمتاع بما يمتلكون، وهذه النوعيات تحتاج لوقفة ومتابعة نفسية، فيظنون أن التغيير طريق معبد للاستمتاع بما نملك أو نقتني، ويبقون حبيسي هذه الدائرة، دون شعور بالرضا، وعلمياً ثمة نظريات مختلفة لارتباطنا بالأشياء، فهي مرتبطة بالأشخاص، وتخزن في أماكن ذاكرة العاطفة بالدماغ.

وحين يصبح التجديد عادة، هنا تبدأ بوادر المشكلة، ويؤكد كراني أن بعض الأشخاص يلجأ للغرق في دائرة الديون من أجل التغيير والتجديد، وتحقيق إرضاء تام للنفس، وهذا ما قد يُحدث بداية المشكلات في المحيط العائلي.


كسر الروتين


والظروف الصحية كان لها وقفة مع موضوعنا، وهذا ما يؤكده الدكتور كراني، حيث لجأ الكثير من الناس إلى التسوق الإلكتروني للحد من الملل وكسر الروتين، والتغيير لإضفاء روح جديدة في المنزل في ظل فترة الحجر، وهنا يأتي سبب آخر للتكديس وعدم الاحتياج، وهناك من أصيبوا بالمرض، والتزموا الحجر في مكان واحد، وبعد انقضاء فترة الشفاء، ارتبط الأثاث بشكل سلبي ونفسي يذكر الشخص دائماً بالوحدة والعزلة، فيلجأ للتغيير.


أنماط جديدة


ولأن الأزمات تفرز أساليب وأنماطاً جديدة لدى المجتمعات، الدكتور أحمد العموش، الأستاذ في علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الشارقة، يؤكد ذلك، موضحاً أن الأنماط الروتينية التي ظهرت في مجتمع الإمارات خلال جائحة كورونا، تشكل أسلوب حياة جديداً، فبقاء الناس في الحجر المنزلي وقتاً طويلاً، أوجد سلوكاً جديداً، ولكن هذا السلوك عند البعض يحتاج إلى تقويم وتوجيه، والاتجاه بدلاً من ذلك في الاستثمار بأمور ذات أهمية كالاستثمار في التعليم والصحة، والنشاط والرياضة وتطوير النفس، والادخار المثالي الذي يُقيّم الاحتياجات المالية المرتقبة أو الظروف التي قد تستجد، وهذا ما تؤكد عليه الظروف الراهنة، والسعي لخلق صورة جديدة من السلوك الواعي لدى المجتمع.

طباعة Email