حملة «100 مليون وجبة» تحيي قيمة العطاء والخير

محمد بن راشد 100 مليون رسالة محبة بليغة إلى فقراء العالم

تختلف استراتيجيات الدول في تحصين نفسها، واختيار دورها، وتصميم ثقافة مجتمعها، حسب نهج القيادة وفكر الإدارة اللذين تتبعهما في تحديد الأولويات وسبل تحقيق التنمية الشاملة؛ فبينما تذهب الغالبية العظمى من الدول والمجتمعات إلى تحصين نفسها بمحاولة تكديس أسباب القوة التقليدية، تسعى دولة الإمارات لأن تكون حصانتها ودورها وثقافة مجتمعها، مرتبطة بنموذجها التنموي الريادي، وبتطلعاتها الإنسانية. فانتهجت إلى جانب ضمان أسباب المنعة التقليدية، نهجاً خاصاً يقوم على العطاء والتعاون، والتشاركية المبنية على حس الانتماء إلى الحضارة الإنسانية الواحدة.

ومن واقع تجربة الإمارات، وسجلها في العطاء الإنساني، يثبت للعيان أن سبل تحصين الذات، وابتكار الأدوار العالمية المؤثرة، وبناء ثقافة جامعة تؤسس لعمليات التنمية الشاملة، لا تتحقق حصراً عبر الوسائل التقليدية، بل يمكن تحقيقها بفعالية أكبر من خلال وسائل جديدة مبتكرة، بالاستناد إلى القواسم المشتركة مع الدول والمجتمعات الشريكة في الحضارة الإنسانية، لا من خلال أسباب التنازع والتناحر.

 

نهج عطاء

وفي الحقيقة، أنتج مجتمع الإمارات تجربته الخاصة، بالاعتماد على وسائل منعة وعزة جديدة، مستمدة من إرث الآباء والأجداد، والثقافة المحلية. وأرست مع طفرة العلوم والتكنولوجيا والمفاهيم المرتبطة بهما نهجاً إماراتياً مميزاً يقوم على الابتكار و«التفكير خارج الصندوق». وأثبتت هذه التجربة أن الوسائل التقليدية الخشنة، المعروفة منذ فجر البشرية، ليست أكثر نجاعة من الوسائل الناعمة الحديثة، وأن العطاء يمكنه أن يكون سلاحاً يحصن الدول والمجتمعات، وأن الأدوار الهامة في مجال العمل الدولي لا تقتصر على السياسة، كما أن الثقافة المحلية يمكنها أن تكون ثقافة وطنية جامعة، تنتمي إلى الأرض والإنسان، وتخدم المجتمعات وتسند الدول، بانفتاحها على شركاء الحضارة والثقافات الأخرى، لا بالانغلاق والانعزال.

إن تجربة الإمارات في العطاء، التي تمثل امتداً لنهج الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، تجد اليوم في شخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، خير راعٍ، وملهمٍ، وصانع.

وفي الواقع، عبر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن أفكار واضحة بهذا الخصوص، وجاءت أقوال سموه محددة دقيقة، ومنها: «بلادنا محفوظة بهذا الخير الذي تقدمه»، و«إننا الأقوى بتوحدنا.. بتسامحنا.. بعطائنا»، و«راية الإمارات عالية بعلو همم أبنائها وتلاحم شعبها وعطاء مجتمعها»، و«رقي الوطن مرهون بقدرة أبنائه على العطاء».

إرث وطني

في ذات السياق، فإن الجانب الأخلاقي شديد الحضور في اهتمام سموه بالعمل الإنساني، من خلال التشديد على أن عدم الالتفات إلى المعوزين والمحتاجين لا يليق بأعضاء الإنسانية. وفي جانب آخر يؤكد سموه أن العمل الإنساني هو جزء من الإرث الوطني الإماراتي، مستذكراً عطاء الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله. وبنفس الدرجة فإن العمل الإنساني، بالنسبة لسموه، هو إحدى الأدوات الفعالة في مجال الاهتمام بالقضايا الكونية مثل البيئة، وإشاعة ثقافة التسامح والتعايش، وغير ذلك.

لقد اتصفت سيرة سموه في القيادة بالحكمة وسعة المعرفة وبعد النظر، وكذلك بإنتاج الأفكار والمبادرات والحلول المبتكرة، التي شملت بعين رعايتها التحديات التي تنبع من الواقع الذي تعيشه مجتمعات قريبة وبعيدة، في مجالات الصحة والتعليم وانعدام البنية التحتية اللازمة للحياة، وكذلك ظواهر الفقر وانتشار الأوبئة والكوارث الطبيعية والهزات الاجتماعية، التي تعطل قدرة تلك المجتمعات على القيام بواجبها إزاء أفرادها، وتعيقها عن الإسهام بدورها المفترض في تقدم الحضارة الإنسانية.

وفي هذا السياق، شهدت مبادرات سموه الإنسانية نقلة نوعية مع إنشاء مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، في العام 2015، التي أصبحت المؤسسة الأكبر من نوعها في المنطقة وتضم العديد من الأذرع الخيرية والإنسانية، المتبلورة مؤسسات متخصصة بالعطاء والعمل الإنساني، تترجم وتنطلق من رؤية سموه المبنية على مفهوم يقوم على ضرورة العمل من أجل تسخير كافة الجهود والإمكانات المتاحة، واستثمارها على نحو فعال، يسهم في بناء مجتمعات حضارية ومتقدمة، وتحويل العمل الإنساني والإغاثي والتنموي والمجتمعي إلى منظومة عمل تتخطّى فعلَ الإحسان العابر إلى فعل التغيير الشامل.

تفاعل مجتمعي

في هذا السياق المتصل من المبادرات والعمل الإنساني المؤسسي، جاءت حملة «100 مليون وجبة»، التي أطلقها سموه مع حلول شهر رمضان المبارك بهذا العام، ودخلت في سجل التاريخ باعتبارها الحملة الأكبر، لتقديم الدعم الغذائي للمحتاجين والأسر المتعففة، والمساهمة في التغلب على تحدي الجوع في العالم.

لقد بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى، التي أطلق فيها سموه، هذه الحملة، بأنها ستلقى استجابة قوية عريضة، وتحقق أصداءً واسعةً؛ فمبادرات سموه الإنسانية المتتابعة تكتسب زخماً منذ الإعلان عنها، لما فيها من رؤية تستشرف الحاجات الحقيقية للمجتمعات. وبالفعل، فإن الحملة، التي استندت إلى رؤية سموه الثاقبة، باتت اليوم الحدث الإيجابي الأهم في العالم، والمبادرة الأبعد أثراً في مكافحة الجوع في العالم.

ومن اللافت أن الحملة، التي حققت هدفها المعلن منذ الأيام الأولى لإطلاقها، باتت تأخذ زخماً أكبر، ويتسع نطاق المستجيبين لها، والمنخرطين في العمل بها، وسط تفاعل مجتمعي كبير.

رسائل وعناوين

مما لا بد من الانتباه إليه هو أن «حملة 100 مليون وجبة» مثلت رسالة إنسانية من الإمارات إلى العالم. أو بالأحرى، 100 مليون رسالة خير ومحبة إلى الإنسانية جمعاء، في مواجهة أكبر تحد تواجهه البشرية، التي دهمتها أزمة فيروس «كورونا» المستجد. وهذا يعكس بدرجة كافية حس المبادرة في الإمارات، ومقدار المسؤولية الإنسانية التي تضطلع بها الدولة في دعم الحضارة الإنسانية.

وفي السياق، فإن مضمون رسائل المحبة الإماراتية التي تم توجيهها عبر حملة «100 مليون وجبة»، بلغت عناوين متعددة، أولها المستهدفين المباشرين بالوجبات ومحيطيهم، وثانيها مجتمع العطاء والعمل الإنساني ومؤسساته ومنظماته في العالم، وكذلك مجتمعات العالم ودوله وقادته، ممن يمكنهم أن يرفدوا العمل الإنساني، ويلتفتوا إلى عذابات الفئات الأقل حظاً والمتعثرة، وأثر ذلك القوي على عافية الحضارة البشرية، ومردوده في استعادة عافية الاقتصادات، وتحفيز المجتمعات.

ومن جهة أخرى، مثلت مضامين هذه الرسائل علامة فارقة في الخطاب المتمحور حول العمل الإنساني ومجمل التحديات التي تواجهها البشرية؛ فقد قالت بعض هذه الرسائل إن الخير والعطاء أدوات فعالة في بناء الاستقرار العالمي، وحفظ السلم الأهلي في المجتمعات. كما أنهما قادران على استقطاب الفئات والشرائح الأوسع في المجتمعات للانخراط في عمليات التنمية، ما يوفر طاقات كبيرة معطلة بالفقر والمرض والجهل وعجز المنظومات في العديد من البلدان عن استيعاب ودمج تلك الفئات والطاقات المعطلة في سياق اقتصاداتها.

شراكة إنسانية

من هنا، فإن حملة «100 مليون وجبة»، تأتي إلى جانب مبادرات سموه السابقة، لتجسد فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، ورؤيته المتمحورة حول الشراكة في بناء الحضارة الإنسانية، ووحدة مصير الأسرة البشرية. وفي صلب هذه الرؤية توسيع دائرة العمل الخيري الذي ينفع الناس..

وهنا، تمثل مبادرات سموه في مجال العمل الإنساني أنموذجاً فريداً في ممارسة قيادة عالمية، تلتفت إلى الإنسان، وتهتم بتأهيله وتمكينه. وتعيد ربط التعاليم السماوية التي تحض على عمل الخير والعطاء، بالإرادة الإنسانية، وتوجيه الإرادة الإنسانية، ذاتها، إلى العمل المثمر والمنتج، الذي يحدث فرقاً في حياة الناس.

ومما لا شك فيه أن هذه المبادرة ومثيلاتها، في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها العالم اليوم، إنما تشكل واحداً من أنبل المحفزات على استعادة الحياة الطبيعية، ومواجهة آثار أزمة «كورونا» وتداعياتها في العديد من المجتمعات.

أثر إيجابي

في حديث مع أعضاء مؤسسة «مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية»، قال سموه موجهاً: «واصلوا عملكم الإنساني وضاعفوا الجهود.. حتى يستفيد الناس ونحن نستفيد». وفي كلمات سموه هذه، ينبثق الفهم الدقيق للعمل الإنساني، ولأثره الإيجابي العائد على من يقوم به.

وفي الواقع، إن من أهم عوائد العمل الإنساني هو ذلك الأثر الأخلاقي والثقافي، الذي يعود على الإنسان، ويرسخ في إنسانيته، ثم يترجم تالياً في دعم مسيرته التنموية، ومكانته العالمية. وقد قال سموه في مناسبة إطلاق حملة «100 مليون وجبة»، كذلك، إن الإنسان لا يمكن أن يشعر «بالاكتفاء إلا عندما يبدأ بالعطاء»، وإن من يدير ظهره لحاجات أخيه الإنسان «لا يستحق شرف الانتماء للإنسانية». وهذه كلمات، تصيب هدفها، وتوصل معناها، وتبلغ مغزاها، بدقة ووضوح.

في الواقع، إن في العمل الإنساني تهذيباً للنفس، وتحقيق أبلغ معاني إيجابيتها، ويعزز فيها التزامها الإنساني. كما أنه يحفظ المجتمعات، ويُغلِّب قيم الإيثار والتضحية بين أفرادها، ويحقق لها التكافل والتضامن الاجتماعيين، الضروريين لتحقيق استقرار المجتمعات ورفعتها.

ومن هنا، فإن من أهم ما حققته حملة «100 مليون وجبة»، هو تأصيل للعمل الخيري في الإمارات، وبين سكانها، مواطنين ومقيمين. كما أنها مثلت دليلاً دامغاً على استمرار ريادة الدولة في مجال العمل الإنساني على مستوى العالم. وقد ظهر هذا جلياً من خلال التفاعل المجتمعي والمؤسسي الواسع والكبير معها منذ إطلاقها.

وبلا شك، فإن هذا التجاوب الكبير والواسع، من مختلف الفئات يعكس دور الإمارات باعتبارها حاضنة للعمل الخيري، وبمستويات عالمية من حيث الحجم وحصافة الأهداف والغايات، وجدارة الإدارة والتنظيم. وهو ما أوصل الحملة إلى سمع وبصر القاصي والداني، فكانت أهم حدث إيجابي على مستوى العالم، تابعه الملايين من الناس. ناهيك عن أنها استقطبت شراكات عالمية وفي العديد من الدول، فأحيت بذلك همم المتطوعين ورواد العمل الخيري والإنساني في الكثير من البلدان.

لقد عكست حملة «100 مليون وجبة»، قيم التضامن والعطاء والتراحم والتكافل المتجذرة في مجتمع الإمارات. وأظهرت ما يتمتع به هذا المجتمع من روح إنسانية محبة للخير والعطاء، ومقدار ما تتجذر فيه قيم الانتماء للإنسانية جمعاء، وأن عمل الخير في الإمارات نهر جارٍ، لا ينقطع. وأن مجتمع الإمارات يستجيب للعمل الإنساني بصورة متزايدة، عاماً بعد عام.

أسباب منعة وعزة

إن مما يبعث على الارتياح أن حملة «100 مليون وجبة»، وما سبقها من حملات ومبادرات إنسانية، استقطبت مشاركة واسعة، شملت مختلف أطياف المجتمع، وجاءت نتائجها دائماً متخطية الأهداف الموضوعة لها بمسافات كبيرة.

إن الإمارات قوية، طالما أن الخير والعمل الإنساني أحد أسباب منعتها وعزتها!

مبادرات وحملات

من الغني عن القول إن حملة «100 مليون وجبة»، التي جاءت استكمالاً لحملة «10 ملايين وجبة»، تستكمل كذلك حزمة من المبادرات النوعية، التي كان أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلال أشهر رمضان في السنوات السابقة، مثل مبادرات: «نور دبي»، و«دبي العطاء»، ومبادرة «قرية العائلة للأيتام»، وحملة «كسوة مليون طفل محروم حول العالم»، وكذلك مبادرة «سقيا الإمارات»، و«مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقُصر»، و«المدينة العالمية للخدمات الإنسانية» و«مؤسسة بنك الإمارات للطعام»، وغيرها الكثير.

الاكتفاء يتحقق بالعطاء

قال سموه متوجهاً إلى رجال الأعمال: «يقضي الإنسان أيها الإخوة حياته كاملة في بناء مهاراته وكفاءاته وتعظيم ممتلكاته وتكثير موجوداته.. ولكنه لن يجد معنى الحياة الحقيقي إلا عندما يبدأ في منحها لمن يستحقها.. لا يمكن أن يشعر الإنسان بالاكتفاء إلا عندما يبدأ بالعطاء؟». وهو في هذا يشخص العطاء باعتباره نبعاً للقناعة والرضا، ومجالاً للتمتع بالخيرات والنعم، وقبل ذلك سبيلاً للاستمتاع بالجهد الذي بُذل في سبيل جنيها وتحصيلها.

توثيق الخير وتسهيل العطاء

قال سموه: «أعرف من رجال الأعمال من تجاوز ذلك وشيّد مجمعات سكنية لإخوانه المواطنين أو زوج الشباب أو ساهم حتى في مشاريع البنية التحتية.. لهم من الإمارات كل الشكر والتحية ومن المجتمع كل التقدير والعرفان.. ولا أستثني رجال الأعمال من المقيمين على أرضنا.. فعطاؤهم مشهود.. وبصمتهم موجودة». وفي هذا، يؤكد سموه أن عمل الخير لا يضيع، وجزء من المسؤولية المجتمعية الملقاة على الجميع، المواطن منهم والمقيم.

قال سموه في المقال نفسه: «الخير فطرة الله التي خلقنا عليها، ليس صعباً أن نفعل خيراً.. ليس صعباً أن نحدث فرقاً.. كل أب يمكن أن يسأل نفسه ماذا يمكن أن يفعل هذا العام من خير لأسرته؟ كل أم يمكن أن تحدث فرقاً عظيماً في أسرتها وفي حيّها وفي مجتمعها؟ كل ابن يمكن أن يسأل ماذا يمكن أن يقدم لأبيه وأمه كي يسعدهم ويحدث فرقاً في حياتهم؟». وفي هذا، يؤكد سموه أن الجميع مكلفون بالعطاء، وهو سبيل الانسجام مع الفطرة الإنسانية.

ترسيخ ثقافة التطوع بالتعليم

يتوجه سموه إلى المؤسسات الحكومية، فيقول: «إن عملكم كله خير.. لأنه عطاء لا ينتهي بهدف إحداث فرق حقيقي في بلدنا». ويضيف: «كما أقول لهم افتحوا أبوابكم للمتطوعين.. ورسخوا ثقافة التطوع وخدمة الوطن عبر مناهجنا ومدارسنا وفي شبابنا.. ووفروا فرص الخير وشراكات الخير مع القطاع الخاص.. وسهلوا القوانين والإجراءات لكل من يريد الخير لمجتمعنا». وفي هذا يؤكد سموه أن مجتمع العطاء لا ينسى فضل أهل الخير ولا حسن عطائهم.

«إن التفوق في العطاء»

تحدث سموه عن عام 2020، وكتب يقول: «عام 2020.. عام تحديات.. وإنجازات.. عام ظهرت فيه القيم الحقيقية لدولتنا.. عام أثبتنا فيه أننا الأقوى بتوحدنا.. بتسامحنا.. بعطائنا.. عام جمع أُسرنا.. جمع قلوبنا.. جمع كل فرق عملنا في مواجهة التحدي الكبير.. وأخذت فيه الإمارات علامة النجاح الكاملة». مؤكداً: «إن التفوق في العطاء». وفي هذا يضع سموه العطاء في مصاف أدوات مواجهة التحديات، ويجعل منه القيمة الفارقة التي تحدد مستوى التفوق.

بنيت على الخير ومحفوظة به

قال سموه، بمناسبة الإعلان عن إطلاق حملة «100 مليون وجبة»: «إطعام الطعام خير ما نتقرب به في شهر الصيام.. وبلادنا محفوظة بهذا الخير الذي تقدمه». مؤكداً سموه بهذا، أن العطاء سلاح إعمار شامل لأمن واستقرار الحضارة الإنسانية، ومحفز للأنفس البشرية، ونشر الإيجابية، وقطع الطريق على أسباب الفرقة بين الإنسان والإنسان، والمجتمعات فيما بينها. وأن الإمارات محفوظة بالخير الذي يتولد من هذا العطاء.

كتب سموه يقول: «العطاء يمتد بامتداد الحياة»، مؤكداً أن «العمل الإنساني المنهجي والمستدام هو الأقدر على دعم المجتمعات وخدمة الناس في أوقات الأزمات»، وإن «دولة الإمارات ليست كياناً سياسياً واقتصادياً فقط، وإنما كيان حضاري وإنساني ومنارة للأمل في المنطقة». وفي هذا يؤكد سموه ارتباط العطاء بالحياة، ويحدد ضرورة أن يكون العمل الإنساني منهجياً ومستداماً. كما أنه يعيد تعريف دولة الإمارات، فيضع الخير والعطاء في صلب هويتها الوطنية.

قال سموه، بمناسبة إطلاق حملة «100 مليون وجبة»: «يوجد 52 مليون شخص مهدد بالجوع على بعد 4 ساعات منا فقط.. ومن يدير ظهره لهذه الأرقام لا يستحق شرف الانتماء للإنسانية»؛ وفي هذا يؤكد سموه أن الانتماء للإنسانية هو الفضاء الرحب، الذي يجد فيه الإنسان إنسانيته. وأن هذا الانتماء يعظم مسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان. ويجمع المجتمعات على خير الإنسانية؛ ويحدد مكانتها، لا بجبروتها، ولكن بخيرها على البشرية.

شدد سموه، في تعهد ملفت، قائلاً: «لن ندير ظهرنا للإنسانية أياً كانت التحديات.. وسنواصل غرس بذار الأمل في كل بقاع المعمورة.. وسنكون عوناً وسنداً للإنسان في كل مكان». مؤكداً أن: «كل عام يمر على عملنا الإنساني يزيدنا إصراراً على رؤيتنا.. ومع كل عام يزداد عدد شركائنا.. ويزداد عدد المستفيدين.. ويزداد إيماننا بأن العمل الإنساني جزء أساسي من استئناف الحضارة». وفي هذا، يؤكد سموه على المسؤولية الإنسانية التي تكبر المجتمعات بعظم التزامها بها.

قدوة في العطاء والتلاحم

قال سموه : «راية الإمارات عالية بعلو همم أبنائها وتلاحم شعبها وعطاء مجتمعها». مؤكداً أن «رقي الوطن مرهون بقدرة أبنائه على العطاء.. والمواطنون والمقيمون في دولتنا قدموا المثال والقدوة في العطاء والتلاحم كل في موقعه وكل حسب تخصصه.. لم يبخل أحد بوقت أو جهد بل تنافس الجميع ليكونوا في مقدمة الصفوف للوفاء بالواجب ليبقى وطننا منيعاً أمام كل التحديات». وفي هذا، يربط سموه رقي كل بلد بقدرة أبنائه ومقدار إقبالهم على العطاء والعمل الإنساني.

فكر العطاء

عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، عن رؤيته بشأن العمل الإنساني في عدد كبير من المناسبات. ولعل سموه وضع بذلك المبادئ والمفاهيم والغايات الأساسية التي تحكم هذا المجال النبيل بالنسبة للإمارات. وكان مما قاله سموه:

الخير كلمة عايشناها في زايد

أكد سموه في أكثر من مناسبة أن «الخير كلمة سمعناها ورأيناها وعايشناها في زايد، رحمه الله.. ونراها اليوم في أبنائه، والخير الحقيقي هو في إحداث فرق». كما سبق أن قال: «زايد.. البداية كانت من زايد.. والجود أصله وبدايته من زايد.. والعطاء الحقيقي له اسم آخر يسمونه زايد». وقال: «بوركت حاضراً وغائباً يا أصل الخير ورائده وسيده يا زايد الخير». وفي هذا، يؤكد سموه أن العطاء إرث إماراتي، ويتتبع ماء الخير إلى منبعه.

«سعادتنا في العطاء»

العطاء سر من أسرار السعادة، وشرف لمن يقوم به. هذا ما قاله سموه في أكثر من مناسبة، مؤكداً: «سعادتنا في العطاء.. وشرفنا في خدمة المحتاج.. وبلادنا محظوظة بالخير الذي نفعله.. والبلاء يرتفع بالصدقة»، وقد أضاف سموه في معرض الحديث عن عن أزمة وباء فيروس «كورونا» المستجد، قائلاً: «هذه الأزمة.. وكل الأزمات ستمضي.. ولن يبقى إلا عمل الخير». وفي هذا، يحيلنا سموه إلى أن العطاء من مظاهر عافية المجتمعات.

«يستفيد الناس ونحن نستفيد»

يؤكد سموه أن الخير يعود بالخير على صاحبه، حيث دعا فرق العمل في مؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية إلى الاستمرار في تنفيذ المبادرات والمشاريع بالقول: «واصلوا عملكم الإنساني وضاعفوا الجهود.. حتى يستفيد الناس ونحن نستفيد»، فيما استحضر سموه بيت شعر من نظمِه جاء فيه: «ومنْ كانَ فيها ذا مقامٍ ودولةٍ.. فخيرٌ له جمعُ الفضائلِ لا الذهب». وفي هذا، يؤكد سموه أن العطاء استثمار إنساني له مردوده المجزي.

الخير هو في إحداث فرق

كتب سموه في مقال تحت عنوان «ماذا نريد من عام الخير؟»، نشر في 2016: «تعريفي للخير أيها الإخوة من خلال تجربتي المتواضعة ليس في التبرع أو العطاء أو السخاء فقط.. الخير الحقيقي هو في إحداث فرق.. فرق في حياة إنسان أو حياة مجتمع أو مسيرة وطن..». وفي هذا يضع سموه قاعدة تؤكد أهمية أن يأتي العطاء ليس مجرد إحسان، ولا مجرد سخاء، ولكنه فعل خير يأخذ معناه وأهميته من اقترانه بإحداث أثرٍ إيجابي نوعي في حياة متلقيه.


سمات ونجاحات


لقد اتسمت سيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، في مضمار مبادرات العطاء الإنسانية بسمات أصيلة، لا بد من التوقف عند أبرزها:


1 أصبح العطاء جوهراً أساسياً في العمل الإنساني وسياسة الدولة. كما أصبح وجهاً من وجوه الإمارات، يزيدها جاذبية، ويعبر عن نموذجها التنموي، وينسجم مع رؤيتها القائمة على أن الحضارة الإنسانية هي مجتمع واحد، وأسرة مترابطة.


2 تحول العطاء على يدي سموه إلى مبادرات متتابعة ومتلاحقة. لا تتوقف عن حد، ولا تقتصر على مجال، وتستجيب لمختلف الظروف الطارئة، وتلبي شتى الحاجات الماثلة. وتتطور من مبادرة إلى أخرى، لتثري تجربة العمل الإنساني عموماً.


3 اتسعت هذه المبادرات لتشمل كل مجتمع وأسرة وإنسان معوز ومحتاج. ولم تتوقف عند فئة معينة، ولا اقتصرت على شريحة دون غيرها. والتفتت إلى الأطفال والنساء والشيوخ، كما شملت الأيتام وتلامذة المدارس، وغير ذلك من الفئات.


4 تنوعت في مجالاتها، وصبت في مختلف مناحي الحياة وغطت كافة الحاجات؛ فسجلت حضوراً قوياً في الصحة والتعليم وتوفير الكساء والغذاء وتعزيز البنية التحتية الضرورية لتوفير أساسيات الحياة، وكل ما من شأنه تمكين الإنسان وتعزيز إنتاجيته.


5 تحولت المبادرات على يد سموه، ووفق رؤيته، إلى مؤسسات متكاملة، تعمل وفق قوانين ولوائح وأنظمة، ولها أجندتها الخيرية، وخارطة عملها المحددة، ما يضمن استدامة العمل الإنساني، من خلال تمكين تلك المؤسسات من مراكمة الخبرات والشراكات.


6 نجحت مبادرات سموه في استقطاب مشاركة فئات المجتمع المختلفة، مؤسسات حكومية وشركات خاصة وأفراد عاديين. في انسجام مع نهج التشاركية في الإمارات التي تتحقق من خلالها فكرة تضافر الجهود الحكومية مع جهود القطاع الخاص والمجتمع.


7 استطاعت أن تحدث تحولاً في ثقافة المجتمع، وأن تعزز فيه الانتماء للحضارة الإنسانية. من خلال تكريس لمفهوم المسؤولية الاجتماعية، الذي يتسع في حالة العمل الخيري في الإمارات، ليصبح مسؤولية إنسانية عامة، يشترك فيها المواطن والمقيم.


8 نجحت مبادرات سموه في إيجاد شركاء وبنت شراكات دولية مثمرة وفعالة، وأوجدت منظومة عالمية للعمل الإنساني، تساعد على تضافر الجهود، وتبادل الخبرات، وتعزيز القدرات، وزيادة الفاعلية، بما يضمن الوصول إلى المحتاجين والمستهدفين من أصحاب الأولوية.


9 أسهمت في التأسيس لقواعد وأساليب عمل مبتكرة للعمل الإنساني، تنظم تدفقاً سلساً له، وتضمن وجود أطر واضحة للقيام به، بما يثري أنشطة العمل الإنساني على المستوى العالمي، وتحويله من مجرد عمل خيري إلى عمل تنموي.


10 نجحت في التغلب على الحواجز وتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والعرقية والدينية، في انسجام مع المثل والقيم الإنسانية الجامعة، والثقافة الإماراتية التي تحض على الانفتاح والانتماء للحضارة الإنسانية الجامعة، وتعزيز قيمها التي تحض على الإخاء والتعاون.


11 أحدثت نقلة نوعية في ثقافة العمل التطوعي، واستقطبت قطاعات وفئات واسعة من السكان إلى هذا المجال. في تأكيد معاني العطاء، التي لا تقتصر على البذل المادي، المالي والعيني، وإنما يشمل كذلك بذل الجهد والعمل المباشر.


12 خلقت مبادرات سموه مسارات جديدة لتدوير الفائض من الاستهلاك العائلي والفردي، في الغذاء والكساء وغيرهما، وتحويل الهدر في الاستهلاك إلى ناتج وفائض قيمة، قابل للتوظيف والاستثمار في العمل الإنساني، وكذلك الإسهام في تعزيز قيمة الإنفاق.

طباعة Email
#