أكد مفتون في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، على الدور الريادي للوقف في تفعيل الحضارة الإسلامية علمياً وطبياً وإنسانياً وشعائرياً وبيئياً وغير ذلك، موضحين أنها صدقة جارية يسري نفعها ما دامت ذات بقاء ومنفعة.
وبيّنوا لـ«البيان» أن حكومة دبي حريصة على تفعيل دور الوقف، وأن إحياء هذه السنة بالشكل المتطور كما تقدمه المؤسسات والمراكز والهيئات المختصة في الدولة، يعد إحياءً لحضارة الإسلام، وهي الحضارة التي تلقاها الغرب والشرق وطوّروها تطويراً كبيراً.
وقال الدكتور أحمد الحداد مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي: «إن الوقف أسهم في إحياء الجوانب العلمية والبحثية والطبية والإنسانية والدينية حتى أنشأ حضارة إسلامية رائعة، في وقت لم يكن العالم الآخر يعرفه ولا يجد له أثراً في حياته».
وبيّن الدكتور الحداد أن الوقف صدقة جارية يسري نفعها للمرء ما دامت الصدقة ذات بقاء ونفع، والعاقل الحريص على نفع نفسه لا يدخر وسعاً أن يقدم لنفسه في حياته عملاً يستمر له أجره ما أمكنه فعل ذلك، وكما ورد في رواية عند ابن خزيمة وغيره: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته».
وشدد الدكتور الحداد على أهمية اتخاذ المعاصرين لاسيما من لهم طَوْلٌ، أوقافا، وتقديم شيء مما فتح الله عليهم لنفع أنفسهم أولاً بدوام الثواب في دار ينقطع فيها العمل ويبقى الجزاء، وثانياً بنفع المجتمعات الإسلامية والإنسانية أو البيئة، وذلك بوقف عقار قائم، أو إنشاء عقار وقفي بناية كان أو مسجداً أو مدرسة أو مركزاً صحياً أو مشفى، فضلاً عن الآبار والسدود أو المواصلات أو غير ذلك مما لا يدخل تحت حصر، فإن هذه الأوقاف تسهم في نفع المجتمع إسهاماً كثيراً وكبيراً، وأشار فضيلته كذلك إلى الوقف الذري الأهلي «لتبقى القرابة والذرية في حال ميسور ومستور، كما ندب إلى ذلك المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أراد أن يتصدق بكل ماله: فقال له: «الثلث والثلث كبير - أو كثير - إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك».
وبيّن مدير إدارة الإفتاء، أن غير ذي الطول يقدرون على المساهمة ولو بالقليل من المال «فيكونون ممن وقفوا ونالوا الأجر العظيم، بالاشتراك بما تجود به نفوسهم بالمشاريع الوقفية من صناديق الوقف المختلفة التي تُنَمَّى لصالح الجهات المحددة، وذلك في إطار مؤسسي يقوم بدور تنمية الوقف ورعايته».
إحياء حضارة الإسلام
وقال مدير إدارة الإفتاء، إن إحياء سنة الوقف بالشكل المتطور كما تقدمه مؤسسة الأوقاف وشؤون القصر، أو مركز محمد بن راشد العالمي لاستشارات الوقف والهبة، أو الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، يعد إحياءً لحضارة الإسلام، وهي الحضارة التي تلقاها الغرب والشرق وطوروها تطويراً كبيراً، «فكبرى الجامعات الأمريكية كجامعة هارفارد تقوم بدورها الكبير من ريع أوقافها الضخمة، والحرمان الشريفان يُداران من أوقافهما الكثيرة ومن آخرها وقف الملك عبد العزيز رحمه الله، إلى غير ذلك من الصور والنماذج الكثيرة التي كان للوقف دور كبير فيها.
حرص
وأكد فضيلة الدكتور الحداد أن حكومة دبي حريصة على تفعيل دور الوقف كما قال سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي النائب الأول لرئيس المجلس التنفيذي، - بشأن التوسع في الوقف، ليشمل أثره جميع النواحي التنموية، وتحويله لأداة مؤثرة تدعم الثقافة والتعليم والصحة ومختلف مجالات البحث العلمي.
الوقف وأنواعه
من جانبه، قال الدكتور محمد عيادة الكبيسي كبير مفتين في إدارة الإفتاء في «إسلامية دبي»، إن الحضارة الإسلامية ساهمت بنشرها مفهوم الوقف في أرجاء العالم، في نهضة البشرية وتقدمها في شتى مجالات الحياة الإنسانية والعلوم والمعارف.
وبيّن فضيلته أن المراد بالوقف هو حبس عين المال التي يمكن الانتفاع بها – كالعقارات مثلاً - وتسبيل منفعتها لوجه الله تعالى مع بقاء أصلها، أي: جعل ريعها وأرباحها في مصرف مباح في سبيل الله تعالى، مع بقاء أصل الوقف، لا يملكه أحد إلا الله تعالى.
وأشار إلى أن الوقف أنواع، منها «الخيري» العام ليصرف في أي باب من أبواب الخير، و«الأهلي الذري»، ليستفيد منه أبناء الواقف وأقاربه ومن بعدهم. حيث يمكن للواقف أن يحدد المستفيدين من وقفه، فيدخل فيهم من شاء بأعيانهم أو بأوصافهم، فيجعل الوقف مثلاً ليستفيد منه فلان وفلان، وأولاد فلان، والفقراء وطلبة العلم، وعلاج المرضى، وإيواء المسافرين، وإطعام الطيور، ونحو ذلك.
واكد الدكتور الكبيسي أن الوقف ساهم عبر التاريخ الإسلامي في بناء المجتمعات ورعاية أفرادها، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، «فشمل رعاية المرضى والأرامل واليتامى والفقراء والمحتاجين، وأصحاب الهمم، ونسخ المصاحف والكتب، ورعاية طلبة العلم، وإيواء المسافرين، وغيرهم»، بل توسع تطبيق الوقف في الحضارة الإسلامية ليشمل رعاية الطيور والحيوانات والإحسان إليها، في سابقة حضارية رائعة لم يكن لها مثيل.
الفرق بين الوقف والتبرع
وقال: «الوقف فيه تنمية لفعل الخير واستدامة للعطاء والإنفاق، ويختلف عن أنواع التبرعات الأخرى مثل الصدقة والهدية ونحوها التي تنتهي بدفعها إلى مستحقيها، أما الوقف، فإن أصل المال الموقوف يبقى ثابتاً دائماً، ويتم التبرع بريعه وأرباحه فقط، فيستمر خير الوقف وعطاؤه إلى ما شاء الله تعالى».
ولفت الدكتور الكبيسي إلى أن ثمة أوقافاً لا تزال قائمة تنمو وتزداد من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا، ومن أشهرها أوقاف سيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنهما.
وبيّن الكبيسي، أنه يجوز وقف أي نوع من الأموال التي يملكها الإنسان، ويستفاد من منفعتها، ويصح الوقف من المسلم وغيره في أوجه البر والمصارف المباحة، وبالتالي فإن المجال مفتوح أمام الأفراد والمؤسسات لابتكار أنواع مختلفة من الأوقاف، والمساهمة بدورهم الإنساني والمجتمعي.


