لطيفة بنت حمدان تروي لـ «البيان» جوانب من حياة والدها:

سنواصل مسيرة حمدان بن راشد في الخير والعطاء

حمدان بن راشد مع ابنتيه لطيفة وحصة | البيان

رحل المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ولكن ذكره الطيب باق، وأفعاله جلية، وأبناؤه يكملون مسيرته المظفرة، متمسكين بالقيم والمبادئ، التي كان، رحمه الله، يحرص عليها، حيث يقول لأبنائه دائماً: «أنا حريص على تعليم أبناء الآخرين، فكيف لا أحرص على تعليم أبنائي».

الشيخة لطيفة بنت حمدان بن راشد آل مكتوم، رئيسة نادي زعبيل للسيدات، ألقت الضوء في حوار خصت به «البيان» على بعض جوانب الحياة العائلية لوالدها، طيب الله ثراه، وعلاقته بأبنائه وبالعاملين في القصر، والتي تثبت أنه كان أباً رحيماً رفيقاً وعطوفاً بكل من حوله، وكان قريباً منهم وحريصاً كل الحرص على الارتقاء بمستواهم التعليمي الذي أولاه أهمية خاصة، والتي أكدت مواصلة مسيرة المغفور له الشيخ حمدان في الخير والعطاء.

سألناها عن علاقتها بوالدها فاستحضرت الذكريات العالقة في ذهنها، وقالت كان دوماً يناديني ويقول مرحباً بـ«أمي» لأني سميت على اسم والدته الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد، طيب الله ثراها، والتي لم يحالفني الحظ أن أراها لأنها توفيت قبل ولادتي.

أول رمضان بدون أبي

واستكملت الشيخة لطيفة حديثها، موضحة بنبرة حزينة: «أكثر ما يحزنني أنني لن أجتمع مع أبي في هذا الشهر الفضيل لأول مرة على مائدة السحور، تلك العادة التي لم يتخل عنها طيلة حياته، إذ كان يحرص على تجميع أبنائه على هذه المائدة ويطرق أبواب غرفنا منادياً (تعالوا نتسحر)، كان يقرأ القرآن الكريم ويختمه في هذا الشهر الفضيل، وهذه من العادات التي لم يتركها في حله وترحاله، ولأن هذا نهجه طيلة حياته، فقد قضى أيامه ولحظاته الأخيرة في ذكر الله الذي لم يفارق لسانه، وكان يعبر عن آلامه بالتسبيح».

قلب عطوف

وأضافت: «كان يجالسني ويتحدث معي عن التربية الدينية والأخلاقية، ذلك الرجل الذي رحل بهدوء مثلما عاش بهدوء رغم ما صاحب حياته من زخم في الأفعال والأحداث، وبرغم ملامح الحزم التي ارتسمت على وجهه، فقد كان يحمل قلباً عطوفاً وابتسامة حين تتجلى تكشف عن وداعة.. كان يحنو على الأطفال ويلين في معاملتهم، ويحرص على إدخال البهجة والسعادة على قلوبهم، ففي كل مرة كان يعود فيها من السفر كان يأتي محملاً بالهدايا واللعب التي يوزعها عليهم، لا لشيء سوى أن يلمح تلك الفرحة في عيون هؤلاء الصغار، وكان يلقي التحية ويردها على الفئات المساعدة، وكان محباً للقراءة والشعر القديم ويتمتع بذاكرة قوية قلما توفرت في أبناء جيله».

مذكرات خاصة

وثقت الشيخة لطيفة الكثير من المواقف التي جمعتها بوالدها بالصور ومقاطع الفيديو من خلال هواية التصوير التي تعتبرها جزءاً من شخصيتها حتى باتت الكاميرا مرافقتها في حلها وترحالها لتخلد بها ذكرياتها مع والدها وعائلتها وأصدقائها وتحتفظ بها في أرشيفها.

وتابعت:«المواقف المحفورة بتفاصيلها في ذاكرتي عديدة لا يمكن التفضيل بينها، لكن من ضمن المواقف المؤثرة التي أتذكرها في بداية جائحة فيروس كورونا، أن الوالد الشيخ حمدان بن راشد، طيب الله ثراه، أحضر لنا مجموعة من الفيتامينات وأمرنا جميعاً بتناولها وقاية لنا وتعزيزاً لمناعة أجسادنا ضد هذا الزائر غير المرغوب فيه، وكان يتفقد أحوالنا باستمرار ليس نحن أبناءه فقط، بل كل العاملين في القصر».

عدم التهاون

كما أوضحت الشيخة لطيفة: أكثر وصية كان يوصينا بها أثناء فترة مرضه هي أن نحصل على التطعيم وألا نتهاون في هذا الأمر وفي أخذ الإجراءات الاحترازية التي توصي بها الجهات المختصة والمعنية.

كما تذكرت رحلاتها مع والدها المغفور له بإذن الله تعالى إلى لندن، وقالت: اصطحبني أنا وأختي في رحلة إلى لندن ليرينا المبنى الذي كان يدرس فيه، واسطبلات الخيول الخاصة به وأماكن سباقات الخيول، وأخذ يسرد لنا بعض الحكايات من هذه الحقبة من حياته وكيف كان يشكو لوالده غربته فيطمئنه ويحثه على التعليم بتقديم الوعود المحفزة. ووثقت الشيخة لطيفة هذه الرحلة بالفيديو والصور، ولأنه كان عاشقاً للخيول فقد كان يمهلها الوقت الكافي لتلتقط صور الخيول والمضمار.

مثل أعلى

وحول القيم التي حرص المغفور له على غرسها في أبنائه، تقول الشيخة لطيفة: الكثير من القيم غرسها فينا، فقد كان لنا القدوة والمثل الأعلى، ومن ضمنها التواضع واحترام الآخر وتقدير الناس والتسامح، وكان، رحمه الله ،يحثنا على الإنسانية والرحمة مع الجميع، بالإضافة إلى احترام الوقت والدقة في كل شيء ومتابعة الأمور بنفسه.

أما عن الجوانب الإنسانية والخيرية في حياة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، فأوضحت: أبي كان يعمل أكثر مما يتكلم، وأغلب المواقف الإنسانية والخيرية التي قام بها كان يعتبرها خبيئة بينه وبين ربه، ولم يكن يطلعنا عليها لإيمانه بأن أعمال الخير في الخفاء عبادة لله وحده، غير عابئ بنظرة الناس إليه وغير منتظر لأجر منهم مهما قل أو كثر، لذلك لقب بـ «الغيث الصامت». وتفاجأنا بعد وفاته بالعديد من الناس الذين نعرفهم أو لا نعرفهم قدموا العزاء وبكوه، مؤكدين أن أياديه البيضاء طالتهم، هذا الأمر حفزني على استكمال مسيرة والدي، وأنا أقول لهؤلاء من خلال منبركم الكريم «إن كان نبض «القلب الكبير»، قد استقر عند بارئه سبحانه، فنحن أبناءه امتداد له وسنستكمل مسيرة الخير التي بدأها بإذن الله تعالى».

اهتمامات

وأشارت الشيخة لطيفة بنت حمدان إلى أن أختها، الفارسة الشيخة حصة بنت حمدان، كانت كذلك قريبة جداً من أبيها، كونها تجمعها به اهتمامات مشتركة تتمثل في حب الخيول وسباقات الخيول، وكانت علاقته بكل ابن وابنة من ابنائه تشعرهم بأن كل فرد منهم مميز بطريقته الخاصة وباهتماماته الفريدة.وتابعت: قام والدي بعدة أدوار في آن واحد، فهو القائد والأب والخيال والسياسي والحكيم والإداري، والشاعر والرياضي أيضاً، وكان من محبي نادي النصر ويشجعه باستمرار.

وكان يوازن بين كل هذه المهام، كما ساهم بدفع عجلة التنمية الصحية والتعليمية والاقتصادية في دبي لتوازي أفضل الخدمات في العالم.

اليوم تبكيه الأرامل والأيتام والمساكين الذين همه أمرهم، فقد كان راعياً لهيئة آل مكتوم الخيرية، ورائداً في الإغاثة الإنسانية، ويبكيه طلاب العلم الذين خبروه جيداً.

الحارس الأمين

كما لفتت الشيخة لطيفة إلى أن المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ حمدان بن راشد، طيب الله ثراه، كان الشاهد على بزوغ دولة الإمارات التي تولى حقيبتها المالية وهو لا يزال شاباً (في العام 1971) وحتى النفس الأخير، فكان الحارس الأمين على خزينتها التي ظلت راسخة مع مر الأعوام، درس علوم البلديات ببريطانيا، فكلف ببلدية دبي فكانت دبي بشكلها الحضاري، رأَس هيئة الصحة بدبي، فأصبح القطاع الأكثر تطوراً في المنطقة.وأضافت: حرص على نشر سماحة الإسلام ولغته، وعلى التواصل الإنساني والثقافي بين الأمم، من خلال المشاريع التعليمية والجوائز المشجعة لها، مثل كلية آل مكتوم للدراسات الإسلامية والعربية باسكتلندا، التي يؤمها الطلبة من مختلف الأعراق والأديان، وكلية الإمام مالك بدبي للشريعة والقانون برسم رمزي ومجاني لدول بذاتها، وكان يؤمن بالعبارة القائلة «لا تعطيني سمكة ولكن علمني كيف اصطادها» فلم يكتف، رحمه الله، بتقديم الدعم للأفراد وطلبة العلم، بل حرص على بناء المؤسسات التعليمية التي تخرج أجيالاً مستنيرة جيلاً بعد جيل.

طباعة Email