الطفل كالصفحة البيضاء، سريع التأثر بما يدور حوله، من هنا تكمن أهمية دور الوالدين في تنشئة الأبناء وتوجيههم، وخصوصاً الأم باعتبار دورها بالنسبة للطفل يتعدى الرعاية المادية المتمثلة في تقديم الطعام وتغيير الملابس وتلبية المتطلبات الأساسية، إلى توصيل مشاعر الأمومة الحقيقية ورعايتها لأبنائها من خلال علاقتها المباشرة بهم، والتي تسمح بإشباع حاجتهم العاطفية وبناء القيم الإيجابية لديهم، بالإضافة إلى تعديل وتقويم سلوكياتهم، إلا أن ترك تربية الأبناء للخادمات غير المؤهلات بطبيعة الحال لمثل هذه المهمة يعتبر أمومة مزيفة، ويدق ناقوس الخطر لما تحمله هذه الظاهرة من مشكلات تنخر في كيان الأسرة والمجتمع، لاسيما بعد أن امتد دورهن لما هو أكثر من تنظيف المنزل وطهو الطعام ليشمل رعاية الأبناء أيضاً، بل أصبحت الخادمة في كثير من العائلات بديلاً عن الأم.

وأكد مسؤولون ومتخصصون أن ظاهرة الخادمات غير المؤهلات من أهم المشكلات التي تواجه المجتمع، لما لها من انعكاسات سلبية على حالة الأبناء النفسية، والصحية، والثقافية، والسلوكية، إضافة إلى رصد العديد من الحالات والقضايا على مدار سنوات لاعتداء وإهمال من الخادمات في حق الأطفال والتي قد تصل إلى إصابات بليغة، مشيرين إلى أن الاعتماد على المربية الأجنبية، التي تحمل لغة مختلفة وعادات وتقاليد مغايرة وقيماً قد لا تتفق مع مجتمعاتنا، يكسب الطفل أنماطاً سلوكية غير طبيعية.

دعوة

ودعوا إلى ضرورة تكثيف حملات التوعية حول مخاطر العمالة المنزلية المساندة، وتركيز الرقابة عليهم باستمرار وعدم إعطاء الثقة الكاملة لهم وترك الأبناء معهم لفترات طويلة، مشددين على أهمية قضاء الوالدين الوقت الكافي مع أطفالهم وتحفيزهم على ممارسة السلوكيات الإيجابية وزيادة الإرشاد للأسرة لضمان سلامة أبناء المستقبل.

وقالت الدكتورة نعيمة عبد اللطيف قاسم، استشارية تربوية: «يعتبر الأمن الاجتماعي والاستقرار الأسري، منظومة متشعبة في صورتها الظاهرية، تنعكس إيجاباً أو سلباً على الحاضر والمستقبل، وحين نولي الاهتمام بهذا الجانب فإن الأولوية تكون في الاهتمام بمرحلة الطفولة لأنها البذور التي سنجني ثمارها ونحن نستعد للخمسين.

وقد أولت القيادة الرشيدة لدولة الإمارات الاهتمام بهذا الجانب عبر الاستراتيجية الوطنية للأمومة والطفولة، كما حدد المجلس الأعلى للأمومة والطفولة 5 أهداف أولها تعزيز حق الأطفال والأمهات في رعاية شاملة ضمن بيئة صحية مستدامة، وتقديم الخدمات الصحية لجميع الأمهات والأطفال إلى جانب أهداف أخرى تعزز من رعاية الأمومة والطفولة في دولة الإمارات وحمايتهما.

وأضافت: «من هذا المنطلق كان الدور الكبير على الأسرة كونها البوصلة الرئيسة في هذه المرحلة، فحين نتابع بعض الحالات التي يتعرض لها الأطفال للأذى والإهمال؛ سنجد أن السبب غياب دور الأم والأب، فالأم عليها أن لا تنتظر من الخادمة أن ترعى أطفالها بالصورة التي تحقق نموهم بصحة نفسية وجسدية وتربوية، ولا نتفاجأ حين نرى السلوكيات السلبية تنمو مع أطفالها يوماً بعد يوم حتى تتجذر ويصعب علاجها، فالأم هي المحور الرئيسي والأب هو المكمل لهذا الدور».

غرس القيم

ولفت الدكتور أحمد الخزيمي، عضو مجلس رعاية التعليم في الفجيرة، إلى أن تربية الأطفال يجب ألا تترك لغير الوالدين، كما أن استقطاب الكثير من الجنسيات لمساعدتنا في رعاية شؤوننا المنزلية لا يعني أيضاً إطلاق توكيلهم بتربية فلذات أكبادنا.

وأضاف: «إن التربية شأن تتداخل فيها مرتكزات الأخلاق وغرس القيم المهمة في الأبناء التي تساعدهم على التنشئة السليمة ليكونوا لبنات صالحة ومنتجة في بناء المجتمع، لذا فلنكن حريصين على فلذات أكبادنا مثل حرصنا على أنفسنا، فهم المستقبل».

شرطة دبي ترصد حالات اعتداء على الأطفال

أكد اللواء خليل إبراهيم المنصوري مساعد القائد العام لشؤون البحث الجنائي في شرطة دبي، أن وجود خادمة أو مساعدة ومربية في البيت للأبناء أمر قد يكون ضرورياً خاصة إذا كانت الأم عاملة، إلا أن بعض الأمهات للأسف يتركن مسؤولية الأبناء بالكامل للخادمات، لافتاً إلى أنه تم رصد العديد من الحالات والقضايا على مدار سنوات لاعتداء وإهمال من الخادمات في حق الأطفال والتي قد تصل إلى إصابات بليغة.

وقال اللواء خليل إبراهيم المنصوري لـ«البيان»: إن شرطة دبي تقوم منذ سنوات بإطلاق الحملات التوعوية ونشر الأخبار التي تفيد بوقوع جرائم من قبل الخدم على الأطفال في ظل غياب رعاية الأهل وخاصة الأم، مشيراً إلى أن الخادمة تجد الأم غير مهتمة بأبنائها فلا تكترث بذلك، كذلك تقوم الأمهات بإرهاق الخادمات بتوكيل مسؤوليات الأبناء في كل شيء إليهن حتى الأمور المتعلقة بالدراسة، وهو ما قد يدفع الخادمة إلى الانتقام من الضغط الملقى على عاتقها وتقوم بإيذاء الطفل بطريقة ما.

وأضاف اللواء المنصوري أن الخادمات مساعدات للأعمال المنزلية فقط، أما التربية فهي مسؤولية الأم التي يجب أن تلقن أطفالها أصول الدين والعادات والتقاليد، خاصة أن العديد من الخادمات لديهن خلفيات ثقافية بعيدة عن مجتمعاتنا العربية، لافتاً إلى أن وظيفة المرأة كأم من أخطر الوظائف لأنها مسؤولة عن تربية النشء وتخريج رجال وفتيات لديهم القدرة والمقومات للحياة السليمة بدون انحراف.

ونوه بأن بعض الخادمات يلقنّ الأبناء أموراً غير أخلاقية وينشأ الطفل في بيئة مشوّهة، وعندما يكبر يتفاجأ الوالدان بأن الابن منحرف أو غير متزن سلوكياً.

وطالب اللواء خليل إبراهيم المنصوري مساعد القائد العام لشؤون البحث الجنائي في شرطة دبي، الأمهات بالقيام بدورهن مثل أمهاتنا اللواتي زرعن فينا الأخلاق الحميدة والتربية السليمة، منوهاً بأن بعض الأمهات يفضلن الخروج والسفر على رعاية الأبناء، وأن أول مطلب للفتيات قبل الزواج هو وجود خادمة، وهو الأمر الذي يفاقم من المشاكل التي يعاني منها الأبناء، حيث إن كل طفل وليد بيئته.

كاميرات المراقبة ضرورة ملحة

أشارت مريم القصير، استشارية نفسية، وخبيرة أسرية، إلى انتشار مشكلات الخدم واعتداءاتهم وأثرهم على تربية الأطفال وسلوكياتهم، في ظل انشغال الوالدين وغيابهما عن المنزل للعمل أو بالحياة الاجتماعية، إضافة إلى تأثيرهما على تربية الأبناء وعلى المعتقدات الدينية والثقافية واللغوية أيضاً التي يجب أن يتربوا عليها، حيث يكتسبون عادات وتقاليد الخدم ما يعتبره البعض غزواً ثقافياً لعقول الأطفال.

وناشدت القصير أولياء الأمور إلى ضرورة الانتباه والحذر من مشكلات الخدم وعدم ترك الأبناء لهم فترات طويلة حتى لو كانت الأسرة تعتبرهم كأحد أفرادها، إضافة إلى ضرورة وجود كاميرات مراقبة على جميع منافذ المنزل.

وذكرت الباحثة موزة القبيسي، ومدربة معتمدة في مجال المهارات الحياتية والأسرية، أن مهمة الوالدين تتمثل في حماية الطفل من المخاطر لاسيما النفسية، لافتة إلى أن الخادمات لا يستشعرن احتياجات الأطفال واهتماماتهم، ولا يمكن أن يكن عوضاً عن الوالدين.

انعكاسات سلبية على حالة الأبناء التربوية والنفسية والصحية

دعت الاختصاصية الاجتماعية شيخة محمد النعيمي، أولياء الأمور إلى الاهتمام بأطفالهم، والحرص على احتوائهم وغرس القيم التربوية والعادات والتقاليد في نفوسهم ليكتسبوا السلوك الإيجابي منهم، وعدم تركهم للعمالة المنزلية في قضاء مهام صغارهم، حتى لا يتأثروا بعاداتهم وتقاليدهم في التصرفات والسلوكيات غير المرغوبة فيهم من بلدان وثقافات مختلفة، مشيرة إلى أن ظاهرة الخادمات لها انعكاسات سلبية على حالة الأبناء التربوية والنفسية والصحية.

وأضافت: يجب على الوالدين قضاء الوقت الكافي مع أطفالهم وتحفيزهم على ممارسة السلوكيات الإيجابية، وأريد التنويه هنا بأن للعمالة المنزلية طاقة معينة لتحمل الأطفال بعكس الوالدين، مما يؤدي لعواقب وخيمة وغير سليمة تلحق بأطفالهم وعدم الإحساس بالأمان بتركهم بين أيديهم طوال الوقت مهما بلغت الثقة فيهم.

ودعت إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر خلال التعامل مع الخادمات لأن ردة فعلهن ستؤثر سلباً على الأطفال، فليس جميعهن مؤهلات للتربية، فلابد من مراقبتهن والانتباه لهن والحرص على حسن التعامل معهن.

تكاتف

وشدد الإعلامي محمد المناعي على ضرورة تكاتف وتعاون الجهات المعنية في زيادة حملات وبرامج تستهدف التوعية بمخاطر هذه العمالة وأهمية تحديد أدوارها في المنزل وعدم الاعتماد عليها في إدارة شؤون الأطفال.

وأضاف: «كما يجب على الأسرة اختيار العمالة المتعلمة والمثقفة لأن بيئات العمالة المنزلية تختلف من بيئة إلى أخرى، ويمكن أن تكون لها وسائل عنف أو معتقدات غير مقبولة داخل المجتمع». ونوه بخطورة أن ينشأ الطفل بين يدي الخادمة، فيصبح ولاؤه للخادمة أكثر من الأم، واقترح المناعي عمل إعلانات جاذبة ومشوقة تستهدف الطفل على اليوتيوب، بحيث توعيه من عدم تقمّص السلوكيات السلبية من الخادمة.

عقوبات لتعريض سلامة الطفل للخطر

قال المحامي والمستشار القانوني محمد العمر المنهالي: أولى المشرع الإماراتي اهتماماً بالغاً بالطفل ونشأته وتربيته وحقوقه الأسرية والصحية والثقافية وكافة نواحي حياته حتى البلوغ لضمان نشأته نشأة سليمة، وللتأكيد على ذلك سن القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 2016 بشأن حقوق الطفل «وديمة»، ونظم من خلاله كافة حقوق الطفل والتزامات والديه ومن في حكمهما والقائمين على رعايته والمؤسسات القائمة على تنفيذ هذا القانون بما يكفل للطفل تحقيق متطلباته واحتياجاته في إطار أسرته.

وأضاف: «كما أورد المشرع في هذا القانون آليات التنفيذ، وشدد في العقوبات والمخالفات لتتفاوت من الغرامة حتى السجن لعشر سنوات، وذلك في المواد 60 إلى 69 في هذا القانون، فضلاً عن العقوبات الأخرى الواردة في قانون العقوبات الاتحادي التي تعاقب على إضرار الطفل وتكفل حمايته».

وتابع: «ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من الجرائم الواقعة على الأطفال، وذلك بسبب إهمال الوالدين وعدم الالتزام بما أوجبه الشرع والقانون من الرعاية وحسن التربية والتوجيه والإرشاد مع المتابعة».

3

يشدد القانون الاتحادي رقم 3 لسنة 2016 بشأن حقوق الطفل والمعروف باسم قانون «وديمة» على حق الطفل في الحياة والبقاء والنماء، وتوفير كل الفرص اللازمة لتسهيل ذلك، كما يعمل القانون على حماية الطفل من كل مظاهر الإهمال والاستغلال، وسوء المعاملة، ومن أي عنف بدني ونفسي.

ويعطي القانون اختصاصي حماية الطفل حق إبعاد الأطفال عن منازلهم في حال وجود خطر محدق بهم. أما في الحالات الأقل خطورة، فيحق للاختصاصي في حماية الطفل زيارته بانتظام وتوفير الخدمات الاجتماعية، والتوسط بين أفراد الأسرة والطفل.

2009

أنشأت وزارة الداخلية، اللجنة العليا لحماية الطفل في عام 2009، ومركز وزارة الداخلية لحماية الطفل في عام 2011 ليتولى مهمة تطوير وتنفيذ وتقنين المبادرات والإجراءات التي تهدف إلى توفير السلامة والأمن والحماية لجميع الأطفال، ووضعت وزارة الداخلية الخط الساخن 116111 لحماية الأطفال، وتسهيل عمليات الإبلاغ عن حالات الاعتداء على الأطفال عبر الهاتف، كما فعلت عملية الإبلاغ الإلكتروني عن طريق موقع مركز الوزارة لحماية الطفل، بالإضافة إلى ذلك، أطلقت الوزارة تطبيق «حمايتي» على الهواتف الذكية والمتوفر على منصتي Android وiOS.