لم يغادر صاحب القلب النقي وجداننا، فلا يزال ينبض بيننا نبلاً إنسانياً جليلاً، وعطاءً متقداً، وسمواً أخلاقياً رفيعاً يأسر القلوب.. ولا يزال وهج جنانه الطيب يفوح سماحة وخيراً ونقاء، وسيبقى في ضمائرنا ما بقي الخلود؛ فإنسانية المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، الذي ترجّل عن صهوة الحياة، لا تعرف الموت؛ فقد كتب لها البقاء لتكتسب صفة الديمومة والانتشار..

في مأثرة صاحب القلب النقي الإنسانية، تتماهى قيم التسامح والعطاء مع التعايش الإنساني والعمل الخيري، لتبقى منصة حقيقية لصياغة أعمال خير أسس لها الراحل في التعليم والصحة وإغاثة الملهوف، فقد كان الفقيد كبيراً في إنسانيته، يشعر بآلام الموجوعين ويحاكي آمالهم.. ومثالاً يحتذى في السماحة يحرص على التقرب من الناس ويزرع الأمل في نفوسهم.. ونبيلاً في مواساة المحتاجين وجبر خواطر الأيتام يقدر ظروف حياتهم ويمد لهم يد العون. لذلك، ستبقى ملامح وجهه الإنساني رمزاً مؤثراً، عصياً على النسيان.. وجه اكتسب طاقة خاصة من الإشعاعات التي توهجت في قلوب الناس وتفاعل المجتمع وأهل الخير معها وتأثروا فيها.

ولأن العطاء نهج إنساني ثابت في ثقافة الإمارات، فقد كان الفقيد الكبير رحمه الله، جزءاً أصيلاً من هذا الإرث الذي يعيشه الجميع ويمتثل له، اقتداء بنهج المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، حيث وهبه الله طاقة خير استثنائية، سخرها لمشروعات إنسانية امتدت في العديد من دول العالم لمساعدة الأسر المحتاجة، وإقامة مشاريع إفطار صائم وأضاحي العيد وتسيير حملات الحجاج والحقيبة المدرسية وبناء وفرش المساجد ومراكز لأصحاب الهمم.

رسائل محبة

رسائل المحبة لمآثر الفقيد الإنسانية كثيرة، وهي كفيلة بتخليد ذكراه، في قلوب من قدم لهم صنيع الخير، وحثهم على الاقتداء بنهجه؛ فعمل الخير في مسيرته، رحمه الله، لم يكن أقوالاً أو شعارات تركيبية، إنما أسلوب تفكير ومنهج حياة، تميز به؛ فقد عبر صاحب القلب النقي حدود الوطن بجواز الخير، لينشر رسالة محبة، تعكس أصالة قيادة وشعب الإمارات في التعامل مع المحتاجين دون تمييز في العرق أو الدين أو الطائفة ولا البقعة الجغرافية للمجتمعات المستفيدة؛ فصورة واحدة لابتسامة أسرة متعففة فك كربها، كفيلة بإعادة تشكيل المشهد الإنساني لمسيرة الخير للمغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، والتي انطلقت في إيرلندا عام 1997 بإنشاء المركز الثقافي الإسلامي، ثم امتدت لتشمل أكثر من 69 بلداً في جميع قارات العالم، ما يجعله، رحمه الله، باقياً وراسخاً في ذاكرتنا الإنسانية الفردية والجمعية.

دهشة العطاء

في مأثرة الشيخ حمدان الإنسانية، تتجلى دهشة العطاءات التي حوّلت الامتعاض إلى رضى، واليأس إلى ابتسامة تفاؤل عذبة، والشظف إلى قصة خير، نستشف ملامحها في مدارس القارة السمراء التي تتضح فيها بصماته الإنسانية، ففي عام 1997 بدأت هيئة آل مكتوم الخيرية برنامجها التعليمي الواسع في أفريقيا ببناء عشر مدارس ثانوية بكامل تجهيزاتها في عدد من الدول الأفريقية، وهو البرنامج الذي لا يزال مستمراً، ووفق موقع الهيئة الإلكتروني، فقد وصل العدد إلى نحو أربعين مدرسة وكلية موزعة في أكثر من عشرين دولة أفريقية، وقد حقق هذا البرنامج نجاحاً منقطع النظير، حيث ساعد آلاف الطلاب الأفارقة على دخول أهم الكليات الجامعية، وأصبح أهم مشروع تعليمي في أفريقيا خارج نطاق التعليم الحكومي.

لوحة وجدانية

ترسم إنسانية الشيخ حمدان بن راشد، لوحة وجدانية في قلوبنا.. جميلة كجمال روحه التي تلتحم في ضمائر الكثير من الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بالجامعات الأردنية ويتلقون دعماً سنوياً.. ونقية كبراءة أطفال صندوق رعاية الطفولة الفلسطينية الذي يعد، رحمه الله، الداعم الرئيس له.. وطموحة بحجم تطلعات أطفال مدرسة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في المكسيك الذين يقدم لهم دعماً سنوياً ثابتاً.

ولأن العطاء كان جزءاً من كينونة المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، وشريك خير أصيلاً في كافة مكونات الحياة، فقد انعكس واقعاً ملموساً في الأفعال والأدوار التي لها الفضاء الأوسع في إنهاض وتطوير المجتمعات، خصوصاً في أفريقيا؛ فثمة أعمال إنسانية تحولت، منذ إنجازها حتى يومنا هذا، إلى معالم حضارية للخير، ومنارات للعلم والمعرفة تستشرف الغد الموعود بآمال وطموحات منتسبيها مثل كلية آل مكتوم للدراسات الهندسية في مدينة دار السلام في تنزانيا، وكلية العلوم بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، والمدارس الثانوية البالغ عددها 40 مدرسة في قارة أفريقيا عموماً يتم الصرف عليها بميزانية معتمدة سنوياً.

ثوابت صالحة

وفي غمرة العطاءات، التي ترفل بمفردات صاحب القلب النقي في مختلف أصقاع الأرض، ثمة رحلة لقطار الإنجازات تعكس قيم الكلمة الطيبة وفضيلة نشر الخير والنصيحة الصادقة، والثوابت الصالحة.. رحلة تأخذنا بطيب النسمة الهادئة كما روحه الهادئة فنلتمس حرصه، رحمه الله، على تجسيد تلك القيم مجتمعة، سواء بإعمار بيوت الله وتوفير المصاحف وتأسيس مدارس خاصة للجاليات المسلمة في أستراليا وأمريكا وأوروبا، أو إقامة قرى خاصة بالأقليات المسلمة في آسيا، وإنشاء محطات تدفئة وطاقة ورعاية ضحايا الكوارث الطبيعية والمهجرين ودعم مدارسهم ومساجدهم، وتوفير منح دراسية عليا للمتفوقين منهم، كما أنشأ، رحمه الله، المعهد التكنولوجي الذي يحمل اسم الشيخ سعيد بن حمدان آل مكتوم في الهند، وأسهم ببناء سكن للطالبات بالجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد في باكستان، وبناء وتجهيز دار الشفاء في لبنان، وتجهيز مستشفى الرازي في فلسطين.

وخلال مسيرته الإنسانية، استطاع الراحل الكبير، أن يفعل ما هو ليس مستحيلاً في الميدان الأممي للتعليم، ليصبح شخصية إنسانية تشرئب لها الأعناق، وواحداً من الشركاء البارزين، في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، حيث أنشأ في مارس 1998 جائزة «حمدان بن راشد آل مكتوم - اليونسكو» لمكافأة الممارسات والجهود المتميّزة لتحسين أداء المعلمين، بالشراكة بين «جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليميّ المتميز» واليونسكو، وهي جائزة تسعى إلى تحسين جودة النظام التعليمي وتشجيع المبادرات والابتكار والتميز في التعليم وفي جميع المجالات العلمية والأدبية.

ويترجم بيان «اليونسكو»، الذي أعربت فيه عن بالغ حزنها لرحيله، القيمة الإنسانية بمفهومها الأممي لالتزام الشيخ حمدان الراسخ برسالة التعليم، وجهوده النبيلة في تحسين أداء المعلمين، وليس غريباً أن تصف المنظمة شراكته والتزامه معها في هذا الجانب الإنساني العظيم بأنه «إسهام قيّم في الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف المنظمة في التعليم».

تواضع

سيظل الشيخ حمدان، رحمه الله، وجهاً إنسانياً وضاء للإمارات، يعكس قيم التواضع والطيبة، والقلب المفتوح للجميع الذي تشع منه سماحة النفس والكرم والسخاء وحب الخير للناس.. وقد تجلى ذلك في رؤيته الطموحة لهيئة آل مكتوم الخيرية بإرساء العمل الخيري وإعداد برامج ومشاريع تنموية تتميز بجودة الخدمة، وأن تكون أحد روافد العمل الخيري لدولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

مآثر الراحل كثيرة، ومهما ترصعت العبارات بجواهر المفردات وعذوبة الوصف، فلن تفيه حقه، فهي مآثر عابرة لحدود المعاني، ونفائس الكلام.. عظيمة القيمة ولها مهابتها وجلالها في العدل والصدق والأمانة والنزاهة، فإنسانية حمدان بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، ترجمة حقيقية لرؤية أتقنت قراءة القيم النبيلة، والتأسيس الممنهج لمستقبل الخير جناحاه السماحة والعطاء.