الدروس الخصوصية من خارج الدولة.. مخاطر تربوية ومجتمعية

أتاح تطبيق «التعليم عن بُعد» و«التعليم الهجين»، ومنع وزارة التربية والتعليم الدروس الخصوصية المباشرة، ظهور سوق جديد للدروس الخصوصية يديره معلمون من خارج الدولة، حيث رصدت «البيان» لجوء عدد من أولياء الأمور إلى هذه الدروس الافتراضية نظراً لرخص أسعارها، في الوقت الذي يقدم فيه هؤلاء المعلمون الكثير من الإغراءات لاستقطاب المزيد من الطلبة.

وحذر تربويون من تلقي الدروس الخصوصية عن طريق أشخاص مجهولي الهوية من خارج الدولة، لا تُعرف مؤهلاتهم وكفاءاتهم العلمية والمهنية، إلى جانب عدم درايتهم بالمناهج الدراسية المحلية، حتى لا يتعرض الطالب إلى التشتت الذهني، ولا يستطيع التكيف بين المحتوى الدراسي والمهارات التي يتم تقديمها عبر المؤسسة التعليمية، وما يتلقاه من محتوى عبر الأون لاين من معلمين من خارج الدولة، مضيفين: «تبرز تداعيات هذه الدروس الافتراضية من كون هؤلاء المعلمين غير نظاميين، كما أنه لا يستبعد أن يتعرض الطالب للتنمر الإلكتروني، أو ترويج أفكار ومفاهيم مغلوطة».

وقالت الدكتورة أمل آل علي، أستاذ مساعد في جامعة الشارقة، إن جائحة «كوفيد 19» أحدثت تغييراً كبيراً في النظام التعليمي، وتغير معها مفهوم الدروس الخصوصية، حيث ظهرت منصات افتراضية من داخل الدولة وخارجها، مقدمة مفهوماً حديثاً للدروس الخصوصية.

وأوضحت أن أولياء الأمور يلجؤون إلى المعلمين من خارج الدولة نظراً لقلة التكلفة المادية، ولعدة أسباب باتوا مقتنعين فيها منها سهولة الحصول على معلمين في ظل أزمة «كوفيد 19»، ومنع الدروس الخصوصية المباشرة وفرض غرامات عليها.

ولفتت إلى أنها ترفض توجه الطلبة إلى أي دعم تعليمي بمقابل مادي من خارج المؤسسة التعليمية لأن كافة المؤسسات أبوابها مفتوحة لطلابها وفي حال عدم فهمهم للدرس عليهم التحلي بالثقة والجرأة والمطالبة بالشرح مرة أخرى والتقدم بأي سؤال.

وأكدت غدير أبو شمط مديرة إحدى المدارس الخاصة أن هذا السوق الجديد للدروس الخصوصية يلجأ إليه أولياء الأمور لرخص المقابل المالي مقارنة بعروض معلمي المدارس المحلية، مشيرة إلى أن الدروس الخصوصية تسبب إهمال الطالب لما يقدم له من معلومات في المدرسة، واختلاف طرق التدريس وتعددها ما يعرض الطالب إلى التشتت الذهني.

دعايات مضللة

واعتبر الدكتور ماهر حطاب مدير إحدى المدارس الخاصة أن الدروس الخصوصية غير المنظمة من قبل إدارات المدارس من الخطوات التي تضر بمصلحة الطلبة لأسباب عدة، منها أن المعلم الخاص لا يعمل وفق نظام تربوي موثوق به لأنه لا يخضع للرقابة الإدارية والتعليمية، كما أنها تساهم في جعل الطالب سلبياً في الحصة الدراسية وغير متفاعل فيها، ومما يزيد الأمر سوءاً إذا كانت الدروس الخصوصية من أشخاص خارج الدولة لا تُعرف مؤهلاتهم وكفاءاتهم العلمية والمهنية.

قياس المهارات

وقال التربوي إبراهيم بركة إن المدارس يقع على عاتقها رفع مهارات طلابها، من خلال إجراء اختبارات قياس المهارات وتقييم مدى استيعابهم والوقوف على جوانب الضعف لديهم، وفي ضوء نتائج تلك الاختبارات يستطيع المعلم تحديد مستويات الطلاب ووضع تصور لبرامج التقوية اللازمة لترفع مستوياتهم.

وتابع، أن معلم الصف مكلف بمراعاة الفروق الفردية بين طلابه، والتركيز على الطالب الضعيف دراسياً وإعطائه قدراً أكبر من الاهتمام، وتقوية الطلاب من خلال أوراق عمل وبرامج ودروس تقوية بالتنسيق مع أولياء الأمور، مشيراً إلى أن المعلم الخاص لم يكن أبداً بديلاً عن شرح المعلم داخل الصف، ولا بديلاً عن متابعة الأهل داخل المنزل.

وقال محمد مطاوع مدير إحدى المدارس الخاصة «يلجأ بعض الطلبة للدروس الخصوصية بسبب ضعف التركيز في الحصص أو ضعف المعلم في توصيل المادة العلمية بكفاءة لجميع الطلبة». وذكر أن الدروس الخصوصية من خارج الدولة تبرز وتنتشر أكثر لدى طلبة الثانوية الذين يتقدمون للامتحانات القياسية العالمية.

صعوبة الملاحقة القانونية في حال التجاوز سلوكياً

اعتبرت ميساء السهلي، ولية أمر طالب في الصف السادس، وطالبة في الصف الثاني، لجوء بعض أولياء الأمور إلى معلمين من خارج الدولة، لمساعدة أبنائهم في المناهج التعليمية، بالخطأ الجسيم، وذلك لاعتبارات، أبرزها أن هذا المعلم مجهول الهوية، وخارج الملاحقة القانونية والاجتماعية، في حال ارتكاب أخطاء سلوكية بحق الطلاب، أو سوء إدارته للمحتوى المقدم إلى الطلاب.

وأضافت السهلي: إذا افترضنا حسن النية تجاه هؤلاء المعلمين من الناحية السلوكية، فإننا لا نجزم بالثقة المطلقة في إدارتهم للحصص الأونلاين، والمحتوى المقدم، والذي سيأتي في الغالب مخالفاً للمناهج الدراسية المعتمدة في الدولة، بالإضافة إلى عدم معرفتهم بالثقافة الخاصة بالدولة، وغرس قيم التسامح والتآخي، بالإضافة إلى مهارات تطوير الذات، والتي تهدف إلى بناء الطالب مهارياً وسلوكياً واجتماعياً.

وقالت ولية الأمر، قمر الشامي، إنها لجأت للمنصات الافتراضية للدروس الخصوصية، بعد جائحة «كورونا» (كوفيد 19)، لعدة أسباب، منها انخفاض تكلفة الحصة الدراسية، مقارنة بعروض معلمي المدارس المحلية، حيث يصل المقابل المادي للساعة الواحدة للمعلم داخل الدولة، إلى 150 درهماً، فيما يتراوح ثمنها، مع فارق العملة، من 30 إلى 50 درهماً للمعلم من خارج الدولة.

وأوضحت قمر الشامي، أن السبب الثاني، هو أن الحصة الدراسية لا يتم حسابها بالساعة، مثلما يحدث من معلم الدروس الخصوصية داخل الدولة.

وتحدثت عن صعوبة دراسة مواد النظام البريطاني، الذي يتطلب دروساً في كل المواد الدراسية، حتى يستطيع الطالب خوض اختبارات الـ ig، دون عناء.

ولفتت إلى أن المدارس الخاصة، يقع على عاتقها تقديم دعم ونماذج تدريب كافية لكافة الطلبة لمواد الاختبارات الخارجية، حتى يكونوا قادرين على خوض المنافسات، من دون الحاجة لدعم خارجي من معلمين خصوصيين.

«معلم لحل الواجبات» إعلانات تحتاج حظراً

طالب الدكتور هشام عبد الحليم محمود رئيس قسم إدارة الأنشطة الطلابية في جامعة الشارقة، بحظر كافة الإعلانات المروجة لحل الواجبات التي انتشرت أخيراً بعدما تم اعتماد التعلم عن بعد أو التعلم الهجين، حيث بات المعلمون يروجون لأنفسهم علنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي متناسين الجريمة الأخلاقية التي يمكن أن يرتكبونها بحق طلبة يحتاجون إلى أن يتعلموا بشكل صحيح ولا يتكلون على من يحل لهم الواجبات ويحلون محلهم خلف شاشات أجهزة الحاسوب.

وقال إن الإشكالية الخطيرة هي في تنامي مثل هذا السوق الذي بطبيعته يخرج عن سيطرة ومراقبة ومتابعة وضوابط وزارة التربية والتعليم، وماذا عن هوية المعلمين المجهولين الذين يتواصلون مع الطلبة، وما يمكن أن يكتسبه الطالب من سلوكيات أو عادات تمس القيم والأخلاقيات التي يتسم بها مجتمع الإمارات وغير ذلك من تساؤلات حول الهدر المتوقع والاستنزاف الذي يمكن أن يحدث في العملية التعليمية نفسها، في ظل اعتماد الطلبة على معلمين من خارج الدولة، لم يمر أي منهم على لجنة تقييم لإجازة ممارسة التدريس، ولم يمر على اختبار أو حتى مقابلة شخصية للتعرف إليه.

ضعف الدراية بمناهج الدولة يعرقل الطالب دراسياً

قال محمد عبدالله غنيم، مدرس لغة إنجليزية في إحدى المدارس الخاصة، إن الدروس الخصوصية عن بُعد من خارج الدولة بدأت مع نزول عدد من المعلمين أصحاب الخبرات المحدودة إلى بلادهم عقب انتشار فيروس كورنا المستجد «كوفيد 19» والذين كانوا متواجدين داخل الدولة، أو منطقة الخليج، بالإضافة إلى فئة مجهولة الهوية أغرت بعض أولياء الأمور برخص أسعار الحصص عن طريق «الجروبات» ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن هنا بدأ انتشار الدروس الخصوصية الافتراضية من خارج الدولة.

وأشار إلى أن المشكلة تتفاقم مع التعامل مع معلمين من خارج الدولة ليسوا على دراية بالمناهج الدراسية للدولة، وطرق التدريس، والمهام والواجبات، ومن هنا يجد الطالب نفسه في مشكلة كبرى لا يستطيع من خلالها التكيف بين المحتوى الدراسي والمهارات التي يتلقاها عبر المؤسسة التعليمية، وما يتلقاه من محتوى عبر الأون لاين من معلمين مجهولي الهوية من خارج الدولة، في الوقت نفسه يصبح ولي الأمر مغيباً وليس على دراية كافية بالتفاصيل الدقيقة، ما يعرض أبناءه للتشويش والتضليل وحتماً ستصبح الأمور كارثية على الطالب نفسه.

مسؤولية

وشدد غنيم على أن تلقي أبنائنا الطلاب والطالبات دروساً خصوصية عن بعد من خارج الدولة يضعف الجهود الجبارة التي تبذلها المدارس والجهات المسؤولة وقطاعات التعليم بشكل عام في تطوير مهارات الطلبة وخضوعهم لمناهج مدروسة بدقة ومتفق عليها وفق أعلى المعايير العالمية، مشيراً إلى أن ولي الأمر هو السبب الرئيس في انتشار الدروس الخصوصية من خارج الدولة باعتباره الحلقة الأولى المسؤولة عن التنسيق مع المعلمين، بداعي تحسين مستوى الأبناء وأيضاً هروباً من الدروس الخصوصية داخل الدولة والتي تعتبر غير قانونية، وتنهك ميزانية الأسرة.

وقال: هناك معلمون عن بُعد، من خارج الدولة، لا يعملون أساساً في مهنة التدريس، وبعضهم خريج عاطل عن العمل، أو لا يزال طالباً جامعياً، وفق ما تشير صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ويسوقون سيراً ذاتية مزيفة عن خبراتهم التعليمية والأماكن التي عملوا فيها، بهدف خداع أولياء الأمور وتحقيق ربح مالي سريع.

توعية أولياء الأمور ضرورة ملحة

شدد أحمد عبدالله خليفة، مدرس تربية إسلامية في إحدى المدارس الخاصة، على ضرورة توعية أولياء الأمور بهذه الظاهرة السلبية، لافتاً إلى أن بعض المدارس قد نظمت محاضرات افتراضية ووسائل استرشادية بمثل هذه الظاهرة.

وأوضح أحمد عبدالله خليفة أن الحلقة تضيق على المعلم التقليدي، لذلك لابد من المعلمين من تطوير مهاراتهم وإمكانياتهم، مشيراً إلى أن المعلم المحترف يستطيع التحكم في مسار الوقت وتنفيذ الخطة التعليمية الموضوعة، لأنه يمتلك هذه المهارات والذكاء في التعامل مع الطلاب، وذلك بخلاف المعلم مجهول الهوية من خارج الدولة الذي لا يتقيد في العموم بالمنهاج الدراسي والخطط الموضوعة والمهارات التي يجب غرسها في الطلاب، ما يؤدي إلى ضعف الطالب دراسياً.

وذكر أحمد عبدالله خليفة أن تطبيق منظومة التعليم عن بُعد والتعليم الهجين أدخل منافسين من خارج الدولة في سوق الدروس الخصوصية، أغلبيتهم يبحثون عن المكسب المالي، دون نظر إلى مصلحة الطالب أو مدى استفادته.

وبيّن أن المعلم جزء مهم من العملية التربوية وهو الموجه والمدرب وما يبنيه أو يؤصله من قيم ومهارات يصعب بعدها تعديلها أو تغييرها نحو الأفضل.
 

طباعة Email