وضع عدد من علماء السياسة تعريفات متقاربة لـ«القوة الناعمة» في العلاقات الدولية، ترتكز جميعها على القدرة على التأثير من دون إرغام.
الواقع أن أشمل التعريفات هو ما صاغه عالم الاجتماع السياسي، جوزيف ناي، في كتابه «القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية» الصادر في عام 2004. وفي منظور ناي، ترتكز القوة الناعمة لبلد ما على ثلاثة موارد، وهي ثقافة ذلك البلد (في الأماكن التي تكون فيها جذابة للآخرين)، وقيمه السياسية (عندما يطبقها بإخلاص في الداخل والخارج)، وسياساته الخارجية (عندما يراها الآخرون مشروعة وذا سلطة معنوية أخلاقية). قلّة من الدول في العالم تتمتع بجاذبية ثقافية تستقطب الآخر، لأن «القوة الناعمة» ليست برنامجاً أو خطة عمل إدارية، وإنما هي بحق حصيلة تراكم سنوات طويلة من العمل المستمر في اتجاه تصاعدي، ومن دون كبوات.
وفي هذا الإطار، تشكل دولة الإمارات نموذجاً صاعداً للدولة ذات الإمكانات الكبيرة في امتلاك أدوات القوة الناعمة، على مختلف المستويات، الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية. غير أنّ هذه الميزة الإماراتية أيضاً ليست نتاج خطة إدارية قصيرة الأمد، بل حصيلة التقاطع بين أجيال من العمل المضني، أرسى قواعدها الأولى المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وكانت مع مشروعين رمزيين قبل الاتحاد، وهما تشييد جسر ثابت يربط جزيرة أبوظبي بالبر الرئيس، وتأهيل خور دبي لاستقبال السفن الكبيرة. خطوتان حيويتان لا تخلوان من الرمزية. كان هذا التأسيس اللبنة الأولى للانطلاق من المحلية إلى العالمية. وتلاقت الرؤيتان مع رؤى حكام الإمارات الأخرى، فكان إعلان الاتحاد في ديسمبر 1971 بمقام توحيد الجهود لتأسيس قوة ناعمة موحدة على مستوى الإمارات السبع، فبدأت الخطوة الأولى من الاتحاد حين كانت فرص النهضة العربية تتمركز في عواصم أخرى بعيدة عن ساحل دولة الإمارات.
ما الذي حدث في 50 عاماً حتى أضحت الإمارات من أبرز مراكز الإشعاع الحضاري عربياً وإقليمياً، وباتت في الصف الأول في صناعة القرار على المستوى العالمي؟
لقد تعرضت العديد من التجارب النهضوية الإقليمية إلى انتكاسات غيرت من مساراتها إلى الاستنزاف الحضاري، بينما تنامى حضور دولة الإمارات من دون أي انقطاع، في تجربة رائدة، وفي مسار تصاعدي من دون عوائق، وبات نموذج نهضة مدن الإمارات، مثل دبي، مصدر إلهام عربياً ودولياً، وقصة نجاح تتفاخر بها الشعوب العربية كنموذج حضاري رائد، تأسس على توظيف موارد الدولة لتنفيذ رؤى قادة وحكام الدولة في جعل دولة الإمارات ليس فقط متقدمة اقتصادياً، بل أيضاً جعل نموذج الإمارات مقياساً للنجاح.
ما يميز نموذج الإمارات في القوة الناعمة أنها ليست نتاج خطة للهيمنة كما هو الحال في أغلب النماذج المعروفة عالمياً، وهذا هو الفارق والميزة الإماراتية في هذا الجانب. أدوات القوة الناعمة الإماراتية مكرسة للمساهمة عالمياً في الانتقال الحضاري إلى طور أعلى من رفاهية الشعوب، وكذلك بالنسبة للمساعدات الإنسانية في تجسيد الوجه الإيجابي للتنافس بين الدول في استخدام القوة الناعمة بما يعود بالنفع على المحتاجين في العالم. ويضرب في هذا الإطار المثل بدولة الإمارات التي تقدم مساعدات للعديد من الدول لأغراض تنموية.
