قراءة

رعاية الطفولة وبَعْثُ العزائم

راعي الطفولة، ناثرَ النَّوّارِ

شيخَ الرجولةِ يا عميدَ الدارِ

حُيّيتَ يا ضوءَ الصباحِ وغيثَه

يا قائدَ الفرسانِ والأحرارِ

تبني بعَزْمٍ لا يكلُّ وترتقي

شُمَّ المصاعبِ كالهلالِ الساري

ما زلتَ تدأبُ في الفضائلِ سيدي

وتصونُ أرض الوصل بالإعمار

أصدر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، مجموعة من القصص الموجّهة للأطفال بعنوان «عالمي الصغير» استوحاها من طفولته الميمونة التي سبق له أن ذكر بعض تفاصيلها في سيرته الذاتية البديعة (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً) .

والتي تشكل وثيقة تاريخية مسبوكة بلغة شعرية وجدانية عميقة التأثير في نفس القارئ، فانعطف صاحب السموّ إلى تلك القصص التي تحكي طفولته الجميلة وتشتمل على غير قليل من الدروس والعِبَر فوضعها في هذا القالب القصصي الجميل الموجّه لبراعم الوطن وأزهاره، مُصدّراً هذا المنجز الفياض بالحب والدفء بقوله: «إلى أبنائي وبناتي:

عندما كنتُ صغيراً، سعيتُ دائماً لتعلُّم مهاراتٍ جديدةٍ، وخُضتُ مغامراتٍ عديدةً في البرّ والبحر، ها أنا أنقلها إليكم يا أبنائي وبناتي لتُلهمكم وتمنحكم مُتعة القراءة ولتتعرفوا من خلالها إلى قصص مستفادة من تجربتي وحياتي في الماضي. هكذا تعلّمنا وتربّينا، وأريدكم أن تعلموا أنّ الأحلام العظيمة لا حدود لها».

بعد ذلك توجّه صاحب السموّ مباشرة للأطفال حين اختار لهم خمسة كتب تحكي قصة طفولته وكيف كان ينسج الأحلام الصغيرة التي ظلت تلازمه وتسكن في أعمق نقطة من وجدانه حتى تحققت على أرض الواقع ليقول لأبنائه وبناته الصغار: إنّ الأحلام الصغيرة هي التي تصنع الواقع الكبير.

فجاء كتاب «كهفي الصغير» في طليعة هذه المجموعة القصصية التي تعكس طفولة صاحب السموّ وكيف كان يعيش في ظلّ والديه الكريمين، وكيف كان حريصاً على تحقيق ذاته المستقلة رغم وجود كل مظاهر الحياة المتميزة الكريمة ولكنه كان حريصاً على صقل نفسه ومواهبه تحت عين والده الشيخ الحكيم راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، ووالدته الجليلة النبيلة الشيخة لطيفة بنت حمدان رحمها الله التي خصّها بكتاب ضمن هذه المجموعة، وسطّر في حقّها أروع الصفحات في سيرته الذاتية المُشار إليها آنفاً، ليغرس في نفوس الناشئة وبأسلوب سرديٍّ مُشوّق مطلب البحث عن الذات القادرة على التفكير بعيداً عن ضجيج الحياة لأنّ ذلك هو الطريق الصحيح لتنمية الشخصية في سياقها الفردي والاجتماعي.

أما الكتاب الثاني فيحمل عنوان «خيلي الأولى» وهي واحدة من أعجب القصص التي ذكر تفاصيلها صاحب السموّ بحميمية وحبّ ووفاء نادر في سيرته الذاتية ثم أعاد صياغتها هنا بما يناسب مستوى إدراك الأطفال ولكن مغزاها العميق ودرسها البليغ ظل ثابتاً في كلا السياقين، فصاحب السموّ يريد إيصال فكرة التصميم على بلوغ الأهداف، وروعة التعامل مع الخيل، وغرس قيمة الصبر والثقة والرأفة في علاج هذا الحيوان الفريد.

وتثبيت قيمة الفروسية في نفوس الناشئة فضلاً عن الإفصاح عن العلاقة الحميمة التي تنشأ بين الخيل وفارسها الذي يصونها ويُغليها، ولا شكّ في أن صاحب السموّ معمور القلب بحب الخيل، ويحرص أشدّ الحرص على تنمية هذا الحب في قلوب أبنائه من شباب الوطن وأجياله القادمة.

الكتاب الثالث حمل عنوان «مَنْ يُشبهك يا أمي» وربما كان هذا الكتاب هو أروع أقسام المجموعة بسبب ما اشتمل عليه من القيم الإنسانية الراقية التي يهدف صاحب السموّ إلى غرسها في نفوس أبنائه وبناته من شباب الوطن، ففي هذا الكتاب يُعلي صاحب السموّ من قيمة البرّ، برّ الوالدين ولا سيما الوالدة التي لا يشبهها أحد في صفاء قلبها وفيض عطائها.

ولكن الكتاب جاء على شكل قصة لطيفة البناء تقوم على رعاية غزال غابت عنه أمه، وأخذه صاحب السموّ من الصحراء في طريق عودته من رحلة صيد، وقدّمه هدية لوالدته التي كانت تُحب الغزلان وتُربّيها، لتكون أخلاقية الرفق بالحيوان واحدة من الغايات التربوية لهذا الكتاب الرائع، فضلاً عن تنمية الإحساس بقيمة الوالدين وتعلّم الدروس منهما.

أما دروسُ الصحراء فقد اشتمل عليها الكتاب الرابع «النوم مع العقارب» حيث اختار صاحب السموّ هذا العنوان للدلالة على طبيعة الحياة في الصحراء القاسية، فكان هذا الكتاب تلخيصاً رائعاً لدروس الصحراء التي أرسلها إليه والده الشيخ راشد بن سعيد رحمه الله كي يتعلم أساليب العيش في الظروف القاسية، وهناك التقى معلّمه حميد ذلك البدوي الأصيل الذي يسكن في عُمق الصحراء، والذي كان نِعْمَ المعلم بسبب حرصه الشديد على تعليم صاحب السموّ كل ما من شأنه أن يصقل شخصيته ويقوي عزيمته في قلب الصحراء اللاهبة.

وقد أشاد صاحب السموّ بأخلاق البداوة الأصيلة التي تجلت في سلوك حميد وزوجته الحرة الأصيلة التي كانت ترعى صاحب السموّ وتعمل له الطعام فيعيش لحظات السمر تحت سماء البادية الصافية، وفي هذا الكتاب يشير صاحب السموّ إلى حرصه على مراقبة سلوك الحيوانات والتعرف إلى غرائزها الذكية وهي تمارس الصيد، ليختم هذا الكتاب بتوضيح العنوان، وأنّ معلمه حميد كان يضع العقارب في فراشه كي تلدغه فيكتسب المناعة من سمومها في مستقبل الأيام، وأيضاً فإن صاحب السموّ يلفت النظر إلى ضرورة تفتيش الفراش قبل النوم في إشارة من سموه إلى وجوب أخذ الحيطة والحذر في جميع مسارات الحياة.

ثم كانت خاتمة هذه المجموعة القصصية مع كتاب «صديقي الأسد» إذ حمل هذا الكتاب نبرة إرشادية واضحة من خلال بناء القصة الذي يتعلم منه الإنسان كيف يفكر بالخروج من المآزق التي ربما ينزلق إليها في لحظة غفلة عن القيام بالواجب، فهذا الأسد قد تسلل إلى غرفة صاحب السموّ حين نسي إغلاق النافذة، كأنه يقول:

احرصوا أيها الأطفال على الأخذ بالأسباب جيداً ولا تكونوا متواكلين في مسار حياتكم، ثم يرشدهم بلغة بسيطة وسهلة إلى أفضل أسلوب للتخلص من هذا الكابوس حيث قفز خارج النافذة فقلّده الأسد في هذه القفزة وتخلص من خطره المحتمل ليقول لنا في نهاية القصة:

إن أفضل الحلول للمشكلات هو أسهلها، لتكون هذه الخاتمة الشيّقة هي الدرس الأخير من هذه المجموعة القصصية التي اختيرت بعناية فائقة من لدن صاحب السموّ، وأعاد تشكيلها بما يتناسب مع الفئة العمرية الموجّهة إليها، ليظل هذا المعلم الكبير كما عهدناه دائماً معلّماً لجميع الأجيال، وقائداً مبدعاً لا يعرف التواني، ينشر حكمته، ويقدم أفضل ما اكتسبه من هذه الرحلة الطويلة في الحياة والإدارة والحكم لأبناء شعبه الذين يحبونه، ويلتفّون حول قيادته بكل ثقة ورجولة واقتدار.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات