العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    زكي نسيبة في حوار شامل مع « البيان »: دار زايد وطن ثري بالخير والابتكار والعقول والفرص

    الإمارات منارة ثقافية عالمية ومركز إشعاع حضاري

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    قال معالي زكي أنور نسيبة، المستشار الثقافي لصاحب السمو رئيس الدولة، الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات، إن الإمارات تمكنت على مدار الخمسين عاماً الماضية من التحول إلى منارة ومركز إشعاع حضاري وثقافي، من خلال مبادراتها العديدة التي مكنتها من مد الجسور بين الثقافات والجنسيات المتنوعة على مستوى العالم، معززة بذلك مناخات لقاء وحوار الحضارات وترسيخ التآلف والتسامح والتقارب بين أبناء شتى الثقافات، موضحاً، في الوقت نفسه، أن دار زايد أصبحت وطن الخير والابتكار والعقول والفرص. وأضاف نسيبة في حوار شامل مع «البيان»، أن: «دبلوماسية الإمارات الثقافية تعكس قيمها المُتسامحة والبعيدة عن التطرّف والطائفية»، مبيناً أن هذه الدبلوماسية أظهرت الإمارات مركزاً للامتياز المعرفي والثقافي، ونموذجاً رائداً لمجتمع يعتزّ بهويته الوطنية وثقافته عالمياً. كما بين معاليه أن «إكسبو دبي» يرسم ملامح مستقبل أفضل للبشرية ويحفز الأجيال الشابة على الإبداع والابتكار.

    وأكد نسيبة أن الإمارات استطاعت تطوير مفهومها الخاص للصناعات الثقافية والإبداعية بهدف تحويلها إلى صناعة اقتصادية ذات مردود اقتصادي وتأثير إيجابي على القوة الناعمة للدولة، قائلاً بأن «الإمارات تستحوذ عربياً على أكثر من 75% من مجمل قيمة صادرات الدول العربية من السلع الإبداعية»، مؤكداً أن الاستثمار في قدرات ومواهب الشباب، وإعداد أجيال مُبدعة مُتسلّحة بأدوات المُستقبل، يُشكّل القاعدة الأساسية لبناء اقتصاد إبداعي مُستدام يتناسب مع تحدّيات العصر، واصفاً في الوقت نفسه الشباب بأنهم «الثمرة المُباركة لجهود الآباء المؤسسين الذين وضعوا اللبنات الأولى في صرح الاتحاد».

    1 في ضوء معايشاتكم ومشاركتكم في حقول الحراك الثقافي بالدولة، كيف تقيمون تجربة الإمارات في الخمسين عاماً الماضية على هذا الصعيد؟

    لا شك أن الإمارات منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، استطاعت أن تقطع أشواطاً كبيرة في بناء وترسيخ دعائم ثابتة لمجتمع المعرفة ولمجتمع المستقبل من الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والعلوم والتعليم والثقافة، فتميّزت بين دول المنطقة والعالم، وباتت تلعب دوراً هاماً على المسرحين الدولي والإقليمي، مع طموحٍ بأن تصل إلى المركز الأول عالمياً من الآن ولغاية 2071 بمناسبة مئوية الاتحاد.

    لقد نجحت الإمارات على مدار الخمسين عاماً الماضية في تبوؤ مركزها الحالي كمنارة ومركز إشعاع حضاري وثقافي من خلال مبادراتها العديدة التي تعمل على مد الجسور بين عديد الجنسيات المقيمة على أرض الدولة، وإزالة الحواجز الثقافية المتعلقة بالعادات والتقاليد والدين بين كافة الأفراد الموجودين في الدولة والزوار القادمين إليها، كما أضحت الإمارات وخلال سنوات قليلة، أكبر محطة ثقافية إقليمية، وإحدى أهم الوجهات الثقافية العالمية بفضل المشاريع الثقافية الاستثنائية في مختلف إمارات الدولة، حيث أسهمت حالة التنوع الثقافي الثري في الدولة، في جعلها بلداً حاضناً لثقافات العالم، مختزلة ثقافات العالم في بقعة واحدة.

    وعند الحديث عن الثقافة في الإمارات لا يُمكن إغفال حقيقة أن المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أثبت أن الرؤية القيادية الحكيمة والمستنيرة قادرة على تشكيل المجتمع، فقد كان، رحمه الله، يمتلك رؤية واضحة لمستقبل الإمارات، وإيماناً عميقاً بأن التعليم والثقافة والمعرفة تُمثّل البوابة الذهبية التي ينطلق منها أبناء وبنات الوطن نحو مسيرة واعدة من التطور والازدهار والتقدم الاقتصادي والريادة، والإبداع في مختلف المجالات التنموية.

    والإنجازات المهمة والمشاريع الثقافية الرائدة التي شهدها عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، تؤكد أن اهتمامه بالثقافة كان عنواناً شاملاً لكل مكونات الثقافة المادية والمعنوية، فقد عمل على ترسيخ الفعل الثقافي بإطلاق سلسلة من المشاريع، مثل المراكز الثقافية، ومعارض الكتب، كما حرص على رعاية التراث الإماراتي منذ فجر الاتحاد وعمل على حمايته وصونه، إيماناً منه بأهميته في الحفاظ على الهوية الوطنية، والعادات والتقاليد الموروثة. ونفخر جميعاً بالقيادة الرشيدة التي سارت على نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، الحكيم في الانفتاح على الثقافات الإنسانية العالمية ببعديها المُعاصر والتراثي، حيث تقيم الإمارات علاقات ثقافية مع عدد كبير من دول العالم، وهي عضو فاعل في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، وتعتبر من أبرز الدول الداعمة لمشاريع حفظ التراث العالمي وحماية الآثار والتعريف بالثقافات والتواصل بين الحضارات.

    2 لديكم تجربة ثرية ضمن مبادرة وجهود تأسيس مكتب الدبلوماسية الثقافية والعامة بوزارة الخارجية والتعاون الدولي، كيف تصفون هذه التجربة، وتأثيراتها على أرض الواقع؟

    كان لي شرف تلقّي أمر سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، بتأسيس مكتب خاصٍّ بالدبلوماسية الثقافية والعامّة في وزارة الخارجية والتعاون الدولي، وحدّدنا مهمتنا الأساسية المتمثلة في التعاون الحثيث مع السلطات الاتحادية والمحلية الثقافية في الإمارات لمُساعدة شبكتنا الواسعة من البعثات الدبلوماسية حول العالم على تحقيق تفهّمٍ وانجذابٍ دولي أكبر نحو ثقافة الإمارات وقيمها، بالإضافة إلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بينها وبين الدول.

    وبما أننا بلدٌ نابضٌ بالحياة ثقافياً، فقد كانت مهمتي سهلة، ولم تكن وظيفتي إعادة اختراع ما لدينا بالفعل، ولكن ببساطة استخدامه في تعزيز مُشاركتنا للتواصل والتفاهم مع الثقافات والشعوب الأخرى. عملت مع زملائي بوزارة الخارجية والتعاون الدولي وخارجها، على المزج ما بين نسيجنا الثقافي الغني وسياستنا الخارجية القوية، والتأكّد من قيام سفارات الدولة بكل ما في وسعها لدعم هذه الجهود وتعزيزها.

    ويعمل مكتب الدبلوماسية الثقافية اليوم على ابتكار مزيد من السبل لتعريف الشعوب بثقافة الإمارات وقيمها، وعلى تطوير «صندوق أدوات» نُزوّد به سفارات الدولة حول العالم لتنفيذ المُبادرات الثقافية، إضافة إلى التعاون مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية لتدريب دبلوماسيينا على «الدبلوماسية الثقافية والعامّة». ولا تقتصر الأولوية في ذلك على الحوار مع القادة السياسيين فحسب، بل مع قادة الرأي العام في المجالات الثقافة والإعلام والتجارة والتعليم والرياضة، بالإضافة إلى الشريحة الأعم من الشعب.

    3 إلى أي مدى ساهمت الدبلوماسية الثقافية في تعزيز قيم الإمارات ومشهدها الثقافي، وتوسيع شبكة التعريف بها عالمياً، وإلى جانب دورها في تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين الإمارات ودول العالم؟

    نحن نفخر بأن دبلوماسيتنا الثقافية تعكس على الدوام قيم الإمارات المُتسامحة والبعيدة عن التطرّف والطائفية، بحيث باتت تُعزّز علاقة الدولة بكافة الشعوب مهما كانت انتماءاتهم الدينية والطائفية. كما ساهمت أيضاً في تأسيس قاعدة متينة لشراكات طويلة الأمد في مواجهة القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية. ولقد تمكّنا من خلال مكتب الدبلوماسية الثقافية من إبراز ما تمتلكه الإمارات من ثقافة وقيم الخير والتسامح على المستويين الإقليمي والدولي، واستطعنا من خلال «القوة الناعمة» وعلاقتها الثقافية والدولية، إظهار الإمارات مركزاً للامتياز المعرفي والثقافي، ونموذجاً رائداً لمجتمع يعتزّ بهويته الوطنية وثقافته عالمياً. وهذا يُترجم واقعياً من خلال مشاركات الإمارات في الفعاليات التي تُعنى بمجالات عدة في مختلف دول العالم، وتعرِّف بالتالي شعوب العالم بما تمتلكه من إبداع ومعرفة، وهو عملياً يقرب بين الشعوب، ويساهم في التأثير المتبادل الذي ينعكس بالمحصلة على المعرفة الإنسانية.

    وتُعدّ الدبلوماسية الثقافية نافذة الإمارات على العالم، إذ نجحت الدولة من خلالها في تعزيز مكانتها دولياً، وسجلت سياستها الخارجية أعلى مُعدّلات التميز، حيث تتسم بالوعي والحكمة والحنكة والشفافية والمصداقية وحسن الجوار، وجميعها أسهمت في ترسيخ علاقاتها مع جميع دول العالم، وتعزيز حضورها على المؤشرات التنافسية العالمية.

    4 تشكل الصناعات الثقافية والإبداعية على اختلافها، أحد الموارد الاقتصادية المهمة، وقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة اهتماماً لافتاً من قبل الدولة بهذه الصناعات وتطويرها، وبحكم تجربتكم وخبرتكم، إلى أي مدى ساهمت هذه الصناعات في تنويع القاعدة الاقتصادية للدولة؟

    يُقال إن الثقافة والفن يستطيعان تحقيق ما لا تحققه السياسة، ولا شك أن الأعمال الفنية المبدعة، تُعتبر وسيلة هامة لنقل ثقافتنا وقيمنا، فهي تخلق عملية تواصل ثنائية الجانب ما بين الشعوب، وتحرك المشاعر الإنسانية المشتركة، وتتجاوز حواجز اللغة.

    وتعتبر الصناعات الثقافية والإبداعية من المُحفّزات الرئيسية للنمو والتنوع الاقتصادي والاجتماعي في الإمارات، كما تُعدّ هذه الصناعات أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم، وتدرّ إيرادات عالمية تُقدر بنحو 2.250 مليار دولار سنوياً، وتوفّر 30 مليون وظيفة، ومن المتوقّع أن تصل مساهمتها إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي الواقع نجد أن الدراسات تشير إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية تمتاز بمستوى عالٍ من المرونة والقدرة على التكيف في مواجهة الأوضاع الاقتصادية المتقلبة.

    5 يقف معرض «إكسبو 2020 دبي» على الأبواب، كيف ترى آفاق وأهمية هذا الحدث العالمي؟ وإلى أي مدى يمكن له المساهمة في تعزيز قيمة الصناعات الثقافية والإبداعية المحلية، ورفع نسبة مساهمتها في الناتج الإجمالي المحلي؟

    في الواقع يُعدّ «إكسبو 2020 دبي» من أهم الأحداث والمعارض الاقتصادية في العالم، ويكتسب أهمية مضاعفة في المرحلة الحالية، إذ يمثل المعرض دعماً كبيراً لتعافي الاقتصاد العالمي من آثار جائحة «كوفيد 19»، إذ أخذ «إكسبو 2020 دبي» على عاتقه رسالة مُلهمة موجّهة لجميع دول العالم، ولفئة الشباب تحديداً، تتجسد في شعار المعرض وهو «تواصل العقول وصنع المستقبل»، فدبي تدعو جميع العقول وجميع المبدعين إلى أرض الخير، الإمارات، كي يرسموا معها ملامح لمستقبل أفضل للبشرية.

    ولأن الشباب في صميم مبادرات «إكسبو 2020 دبي»، فهذه فرصة فريدة يجب الاستفادة منها من ثلاثة جوانب: الأول الجانب العملي، إذ يوفر اكتساب الخبرة من خلال المشاركة في ملتقى «يوث كونيكت»، أما الجانب الثاني فهو الجانب الفكري من خلال إظهار القدرات الإبداعية للشباب أمام العالم، أما الجانب الثالث فهو الثقافي، إذ يتمّ من خلاله الاطلاع على ثقافات العالم وتعريف العالم بثقافتنا العربية الأصيلة.

    من جهة أخرى، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة تعد في صميم رحلة التحضير والاستضافة والإرث المنشود، وقد تمّ تخصيص نسبة 20 % من إجمالي قيمة الإنفاق المباشر وغير المباشر لها، بعقود تتجاوز قيمتها 5 مليارات درهم، وسيكون لها دور في جميع المراحل والتعاقدات، وهذا متجسد بوضوح في أنشطة منها عبر منحها الأولوية للفوز بعقود إنتاج منتجات مُرخّصة تحمل علامة «إكسبو 2020 دبي» التجارية.

    ونظراً لكون الاقتصاد الإبداعي يُعدّ رافداً مهماً للنمو الاقتصادي العالمي والمحلي، وأن الثقافة تُعد محوراً أساسياً في هذا الاقتصاد، يُركّز معرض «إكسبو 2020 دبي» على الدور الكبير للشباب المبدعين في دفع عجلة التنمية المُستدامة، فهم الطاقات التي تقودنا نحو الريادة في هذا المجال، والتي تُساهم في دمج الصناعات الثقافية والإبداعية في الاقتصاد المحلي، لكي تصبح جزءاً من الاقتصاد الحقيقي.

    وقد أثبت القطاع الإبداعي في الدولة خلال جائحة كوفيد 19، مرونته، وقدرته على مواجهة التحدّيات واستثمار الفرص الواعدة التي ظهرت أخيراً، وخصوصاً الاقتصاد الثقافي الرقمي، ولذا جاءت توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، «رعاه الله»، إلى وزارة الثقافة والشباب لإعداد استراتيجية وطنية مُتكاملة لتطوير قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في الإمارات، والعمل كي يكون المُنتج الثقافي والإبداعي أحد الروافد الاقتصادية في السنوات العشر المُقبلة ليكون من أهم عشر صناعات في الدولة من ناحية المُساهمة في الناتج المحلي الإجمالي.

    6 إلى أي مدى تمكنت دبلوماسية الإمارات الثقافية وقوتها الناعمة، من خلق وفتح أسواق جديدة أمام المنتج الاستهلاكي الإبداعي المحلي؟

    تبذل الدولة جهوداً كبيرة ومتواصلة لتعزيز القطاع الثقافي إقليمياً وعالمياً، عن طريق تخطيط وتنفيذ عديد المبادرات والمُشاركة في الفعاليات التي تلعب دوراً مهمّاً في تعزيز الدبلوماسية الثقافية الإماراتية على الصعيد العالمي، وتُسهم في الترويج لثقافتنا الوطنية، والتعريف بهويتنا الوطنية في دول العالم المُختلفة، إضافة إلى منح الدول الأخرى المزيد من المعلومات حول ثقافتنا وقيمنا، حيث يشكل ذلك قاعدة متينة لشراكات طويلة الأمد، وفتح أسواق جديدة أمام منتجنا الثقافي الإبداعي. نستذكر هنا، على سبيل المثال، المبادرات العملاقة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، لنشر التعليم والقراءة والمعرفة في العالم العربي، ومبادرات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، كذلك، لدعم الثقافة والشعر في العالم، والمبادرات العديدة على المستويات الرسمية والخاصة كجائزة الشيخ زايد للكتاب الهادفة إلى دعم مسيرة مجتمع المعرفة عالمياً.

    وبالتأكيد، فعلى الرغم من أن الدبلوماسية الثقافية منوطة بالحوار، إلا أنَّها ترتبط أيضاً بالإبداع والابتكار. فالاتجار العالمي بالمنتجات المبتكرة يستمر بالنماء بوتيرة سريعة تفوق المخرجات التقليديَّة في البضائع والخدمات. وأفتخرُ بكون دولة الإمارات العربية المتحدة سبَّاقة في هذا المجال.

    7 لدى الإمارات مساهمات عديدة ومختلفة في المشهد الفني المحلي والعالمي، كيف ترى تأثير انعكاسات هذه المساهمات على المشهد الثقافي والفني، وهل يمكن القول بأنه عزز من قوة الدولة الناعمة على الساحة الدولية؟

    نظراً لما يُمثله هذا القطاع من أهمية بالغة للاقتصاد العالمي، فقد أعلنت الأمم المتحدة 2021 «السنة الدولية للاقتصاد الإبداعي من أجل التنمية المُستدامة»، للتأكيد على وجود ارتباط قوي بين الصناعات الثقافية والإبداعية وتحقيق التنمية المُستدامة، على الرغم من التحديات التي فرضتها جائحة «كوفيد 19» على هذا القطاع. ونجحت الإمارات في تطوير مفهومها الخاص للصناعات الثقافية والإبداعية بهدف تحويلها إلى صناعة اقتصادية ذات مردود اقتصادي، وهو ما أسهم في تعزيز مكانتها عالمياً في هذا القطاع، حيث احتلت المرتبة التاسعة عالمياً لمجموع الصادرات وإعادة التصدير من سلع الصناعات الإبداعية، بقيمة وصلت إلى 16.1 مليار دولار بما نسبته 3 % من مجمل صادرات العالم من السلع الإبداعية.

    فيما بلغ إجمالي قيمة التجارة الخارجية للدولة من سلع الصناعات الإبداعية ما يقارب 30.7 مليار دولار خلال 2015 بما نسبته 7 % من إجمالي تجارة الإمارات غير النفطية. وبلغ إجمالي صادرات العالم من سلع الصناعات الإبداعية حوالي 538 مليار دولار خلال 2015، لتستحوذ على ما نسبته 3.3 % من مجمل صادرات العالم السلعية. وتستحوذ الإمارات عربياً على أكثر من 75 % من مجمل قيمة صادرات الدول العربية من السلع الإبداعية.

    8 بدأت الدولة أخيراً بتقديم مجموعة تسهيلات للمواهب وأصحاب الإبداع والمهارات الملهمة، إلى أي حد ساهم ذلك في تحويل الدولة إلى منطقة جذب لهذه المواهب؟ وكيف ترى انعكاساتها على قطاع الصناعات الإبداعية في الدولة؟

    جاء إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، «رعاه الله»، لأول فيزا ثقافية طويلة الأمد للمبدعين تأكيداً لمكانة دبي عالمياً بوصفها مركزاً للثقافة وحاضنة للإبداع وملتقى للمواهب، ووجهة أولى للطاقات الثقافية المتميزة، إذ أسهم القرار كذلك في تصدُّر الإمارات المشهد الثقافي العالمي. فاستقطاب الأدباء والفنانين والمبدعين، هو جزء من مسعى رئيسي لدبي في تحريك الاقتصاد الثقافي وتنمية الصناعات الإبداعية، واستقطاب المواهب وتشجيعها على الاستقرار فيها بتمكينها، وإتاحة الفرصة أمامها للازدهار والانخراط في العملية التنموية في الدولة، وبما ينسجم مع أهداف ومحاور استراتيجية دبي للثقافة 2020 - 2025.

    9 يوبيل الإمارات الذهبي يودع خمسين عامرة، ويستقبل خمسين طموحة، عنوانها شباب الوطن الذي يمثل الإبداع والابتكار.. ماذا تقولون للشباب حول عزيمة الاستعداد للخمسين المقبلة ليكون امتداداً لحاضر مزدهر تنعم به الإمارات؟

    رسالتي إلى شباب الوطن هي أولاً وأخيراً رسالة الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه: «إن الثروة ليست في الإمكانات المادية وحدها، وإنما الثروة الحقيقية للأمة هي في رجالها، وإن الرجال هم الذين يصنعون مستقبل أمتهم».

    أنتم اليوم تُمثّلون النُخبة المُميّزة، والثمرة المُباركة لجهود الآباء المؤسسين الذين وضعوا اللبنات الأولى في صرح الاتحاد، وتقع على عاتقكم مهمّة مُتابعة هذا الإرث العظيم، ونتطلَّع على مدار الخمسين عاماً المقبلة وصولاً إلى مئوية الإمارات، أن يُحافظ أحفاد زايد الخير على منظومة المُثُل والأخلاق والسُّنن الروحية العميقة التي جعلها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، البوصلة الثابتة التي تُحدّد كل قراراته، وتعزيز مسيرة القيادة المُباركة عبر مُواصلة طلب العلم والاجتهاد والتدريب على استخدام أحدث تقنيات التكنولوجيا، ليكونُوا عناصر فاعلة ومؤثّرة في تنفيذ توجُّهات وأهداف الحكومة الرَّشيدة في إسعاد البشر، والتمسُّك بتقاليد التَّسامح والتَّفاهم، سعياً لتحقيق الاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم. أنتم ورثة جيل رائد لم تتوفر له الإمكانات العريضة التي توفّرت لكم، من تعليم وتدريب وتهيئة لمُستلزمات الحياة العصرية بما توفره من خدمات اقتصادية وصحية واجتماعية. لقد عانى الآباء المؤسسون الأمرّين، وكافحوا وثابروا ليُقيموا هذا الصرح الشامخ الذي نفتخر بالانتماء إليه، وأنتم اليوم تمثّلون آمال وتطلّعات شعب الإمارات لكي تواصلوا هذه المسيرة المُباركة، وتقودوا وطنكم إلى المكانة الريادية المنشودة.

    10 ما هي توقعاتكم حيال المشهد الثقافي والفني المحلي خلال الخمسين عاماً المقبلة؟

    نفخر بأن المُنجز الحضاري الثقافي الذي تشهده الإمارات، هو لبنة أساس وضعها الوالد المؤسس المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ونتاج لزرع زايد الذي وضع القواعد والأسس التي أرست الفعل الثقافي الحضاري المُتسامح، وواصلت قيادة الدولة الرشيدة وشعبها السير على نهجه، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة «حفظه الله».

    ويأتي حرص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على دعم التنمية الثقافية والفنية وتعزيز قيم الابتكار والإبداع إيماناً منهم بأن الأمل على مدار الخمسين عاماً المُقبلة، معقود على الشباب لقيادة المسيرة نحو مُستقبل يليق بطموح الإمارات وتطلّعات شعبها. إن الاستثمار في قدرات ومواهب الشباب، وإعداد أجيال مُبدعة مُتسلّحة بأدوات المُستقبل، يُشكّل القاعدة الأساسية لبناء اقتصاد إبداعي مُستدام يتناسب مع تحدّيات العصر، وبما يُسهم في الارتقاء بالصناعات الثقافية والإبداعية المحلية.

    كما تعمل القيادة الرشيدة على إطلاق المُبادرات والخطط والسياسات التي تهدف إلى توحيد الجهود بين جميع المؤسسات المعنية بالثقافة والابتكار والإبداع. ومن المؤكّد أن إشراك أفراد المجتمع في التخطيط الاستراتيجي لبناء مستقبل الدولة وتحقيق نهضتها واستدامتها، سيُسهم في إعداد قاعدة وطنية من الكوادر المتخصصة التي تؤسس قاعدة إبداعية راسخة، وتشكل جسراً لتعزيز التواصل الحضاري والثقافي مع جميع دول العالم، سعياً للارتقاء بقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، وبما يتماشى مع رؤية الإمارات المُستقبلية وصولاً إلى الريادة العالمية في هذا القطاع عند حلول مئوية الإمارات 2071. وأنا على يقين بأن وطن الابتكار والعقول والفرص، الوطن الذي يستقبل ملايين الحالمين بأن يكونوا جزءاً من مسيرة نجاح تتبنّاها حكومتنا، سيُثبت أمام الجميع ريادتنا في القطاع الإبداعي على مدار الخمسين عاماً المقبلة.

    طباعة Email