رحلة العبور إلى الخمسين

ت + ت - الحجم الطبيعي

كم جميل أن تتشارك «الاتحاد» و«البيان» في الاحتفاء بعيد الاتحاد الخمسين، وكم هو إيجابي الانطلاق إلى الخمسين عاماً المقبلة بروح التعاون والتشارك، وبهدف نبيل يتجسد في حب الوطن والتأكيد على ثوابته.

إنها رحلة ليست كأي رحلة...! رحلة مليئة بالحكمة والحنكة، والمعاني والمبادئ العظيمة، رحلة شيقة انطلقت بقوة إلى الأمام، تلامس القمم في مسيرتها، لا تعرف التواني ولا التراخي، كان الشروع في هذه المسيرة المظفرة من «بوابة الاتحاد» القوة الدافعة والجامعة، وفضاء العزم والهمة، ومسار الازدهار والتنمية، وفرص لا متناهية، إنه الاتحاد إكسير النجاح والنصر والظفر، من تمسك به نال المنى: (وَقُلْ ‌رَبِّ ‌أَدْخِلْنِي ‌مُدْخَلَ ‌صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً}.

تلك الرحلة التي رسم مهندسوها الأوائل مسارها بدقة وإخلاص، وشجاعة وصدق، وفق قيم ومبادئ ورؤى واضحة، فانطلقت قوافلها مع شروق شمسها تحقق المنجزات والمكتسبات، وتتطلع لآفاق واسعة، وآمال فسيحة، وأحلام تواقة، وطموحات لا تحد من قوتها الجبال الشاهقات، فواصلت جهادها الحضاري حتى تجاوزت القمر، وحطت رحالها في المريخ.

إنها رحلة تستحق الاحتفاء والاحتفال، انتصارات في شتى الميادين، ونجاحات باهرة، وتاريخ حافل، وبناء حضاري متفرد، وسمعة عالمية متوثبة، وقصة لابد أن تروى للأجيال وتُعرض أمام العالم، وقبل ذلك وبعده، توفيق رباني وتسديد من ربنا الحكيم العليم، وهمة المؤسسين الأوائل المخلصين، الذين كسبوا الرهان بقوة إرادتهم وعزيمتهم: {‌رِجَالٌ ‌صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً. لِيَجْزِيَ الله ‌الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ}.

إنه يا سادة...! الاتحاد الذي سرُّه فيه، فهو قوة ومنعة لأنه خير، والخير كل عواقبه محمودة.

وهو بركة، والبركة باركها الله ونماها وأدامها.

وهو مصلحة، والمصلحة بها قوام الناس ومعايشهم ومنافعهم وسعادتهم ففي ‌الاتحاد ‌قوة كما روى الأوائل في هذه الحكمة التي تناقلها الراوون: فقد ضرب زعيم لقومه مثلاً: «بأرماح خمسة مشدودة، ودفعها لأشد من حضره منهم، وقال له: اجهد نفسك في كسرها كما هي واغمزها، فعالج ذلك فلم يقدر عليه، فقال له: حلها وعالجها رمحاً رمحاً، فلم يبعد عليه دقها، فأقبل على الجماعة فقال: هذا مثلكم، إن جمعتم لن تطاقوا، وأن تفرقتم لن تبقوا؟».

إنه الاتحاد الذي يجب أن يُذكر فيشكر شكراً مستداماً لا ينقطع، ولهذا كان أعظم النعم والمنن التي امتن الله بها على عباده، أن ألف بين قلوبهم وجمع كلمتهم: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ‌فَأَصْبَحْتُمْ ‌بِنِعْمَتِهِ ‌إِخْوَاناً} فأصبحنا متحابين محبوبين، متعاونين مسالمين متسامحين، تُضرب الأمثال بأخلاقنا وقيمنا وثقافتنا، فنعمة الاتحاد لا يعدلها شيء في هذه الدنيا من أموال الأرض كلها، كما صرح بذلك القرآن.

إنه الإكسير الذي هو علاج لكل الأدواء، وجواب لكل سؤال، فقوة دولة الإمارات وتقدمها وتطورها وتنميتها وسمعتها وتسامحها ومبادئها كل ذلك يتفرع عن وحدتها.

وها نحن -ولله الحمد- قد عبرنا إلى الخمسين بنجاح، على سفينة الاتحاد الراسية «بِسْمِ اللَّهِ ‌مَجْريهَا ‌وَمُرْسَاهَا»، وها هو التاريخ تملأ صفحاته بإنجازات مضيئة ومشاريع حضارية شامخة، تنوء بها عقول العالمين، حتى أضحت راية الإمارات تخفق لها القلوب في كل مكان من هذا العالم حباً وثقة وأملاً.

فما ذا بعد؟ إنها الأمانة والمسؤولية الفردية والجماعية، والحمل الثقيل..! إنها قيم ومبادئ وفضائل ومكارم..! إنه وعي بالتاريخ والجهود المبذولة للوصول لهذه اللحظة، وإعداد الأجيال لتسلم الراية، وشكر لله تعالى على ما وفق وأعطى وأقنى، فلم يكن الاتحاد ليتحقق لو لم يكن منطلقاً من رصيد راسخ من القيم والأخلاق والمبادئ، كما بين العلماء: (اعْلَمْ أَنَّ ‌الْأُلْفَةَ ‌ثَمَرَةُ ‌حُسْنِ ‌الْخُلُقِ وَالتَّفَرُّقَ ثَمَرَةُ سُوءِ الْخُلُقِ، فَحُسْنُ الْخُلُقِ يُوجِبُ التَّحَابَّ وَالتَّآلُفَ وَالتَّوَافُقَ، وَسُوءُ الْخُلُقِ يثمر التباغض والتحاسد والتدابر، ومهما كان المثمر محموداً كانت الثمرة محمودة، وحسن الخلق لا تخفى فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ).

فعنوان الخمسين القادمة وأوثق عراها هي المبادئ، وخير ما استُهلت به هذه المرحلة الجديدة هي «مبادئ الخمسين»، فهي النبراس والأساس، والمنهج والطريق، والرؤية الواضحة التي ترسم الخريطة لخمسين سنة قادمة، بإذن الله تعالى، وهي المرجع والمحدد، والملهم والدافع لكل من يعمل لخدمة مصالح هذا الوطن والدفاع عنه، وأداء الواجب الوطني في الحفاظ على القيم والمكتسبات والمنجزات. فالخمسون سنة الماضية مرآة تعكس الرؤية للخمسين سنة الآتية، في تواصل وتعانق وطني وثقافي وقيمي، يمتد عبر عقود وقرون بإذن الله، لا خلل فيه ولا ثغرة، ولا تباين أو تضاد، ولن يضيع أو يخيب من تشبث بالمبادئ والقيم.

فهي خطة واضحة أساسها الأمن والسلم والاستقرار، ومسيرتها التنمية والازدهار، وأهدافها وغاياتها تعزيز الأخوّة الإنسانية والتسامح والتقارب والانفتاح على العالم، في خدمة لمصالح دولتنا الوطنية، وحفاظاً على السكينة العالمية.

 

طباعة Email