من طريق «السراب».. إلى شبكة خطوط عصريــة

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم تكن المسيرة سهلة، ولم يكن الطريق معبداً بالورد، ولكنها الإرادة التي تصنع المستحيلات في كل نواحي الحياة، فمسارات الماضي التليد، نقلتها رحلات سيارات بيدفورد القديمة «العريبي» كما كان يسميها أبناء المنطقة، وهي تعبر أطراف الوطن، ويقودها «أبطال الدروب»، وتقطع مسارات طويلة من حدود السلع، وحتى جبال دبا، ونقع غبارها يعانق السماء، لتمر بمنازل من طين أو جريد بلا أرقام.

خيام أوتادها راسية على «عراقيب» رملية، وأخوار تكتظ بالطمي، صورة تشبه الحنين الراسي على جبين الرحلة الأولى، بعد سفر طويل بين أمواج الخليج وأطوادها المنتصبة على تخوم غناء نهام شادٍ، ترتقب شواطئ الحنين بلا مراسٍ، وأسواق متراصة، كعقد لؤلؤ تزدحم بين أروقتها قصص النواخذة، والتوابل والعطور والأقمشة الهندية، قرى الحلم الأزلي، كحلم يتنفس من قصة، يلوح بجريد النخل القديم، مستبشراً بما هو آتٍ.

وليس بعيداً عن الحلم، فقد تعلقت العيون بالسماء، كان ذلك في عام 1968، إذ تحلق في الأجواء طائرة تستعد للهبوط في أبوظبي، فعلى بعد ميل أو اثنين من المدينة، مهبط ممهد يستخدم لهبوط وإقلاع الطائرات القديمة التابعة لـ«طيران الخليج»، وكانت من طراز «داكوتا»، كانت تستخدمه الطائرات ذات المحرك الواحد أو المحركين، وبالقرب من ذلك المدرج الممهد، كان برج المراقبة المبني من الطابوق الطيني، ومبنى آخر للوصول والسفر، طائرة وحيدة تستعد للهبوط على أرض أبوظبي، وهديرها كان يبعث فضولاً يشرئب من «الفريج» القريب من المطار، وهم يراقبون منظراً غير مألوف، لا يشبه حياتهم البسيطة بين جدران الطمي والخوص، ورائحة «الكاز» من فنار معلق على جدار «الحوش» ليخلق ألفة وحميمية كلما تسرب الليل إلى «فريجهم» القصي.

الذهب الأسود

رغم أن وسائل الاتصال في ذلك الوقت، لم تكن كما هي اليوم، إلا أن أخبار «الذهب الأسود» حلقت في الآفاق، وتناقلها الناس سريعاً، لتبتهج بها «فرجان» الوطن، فالذهب الأسود ثروة غيّرت مسار كل شيء، وقربت المستحيل، وشكلت الخطوة الأولى نحو الحلم.

كان الوطن يعيش في شغف، للوصول إلى النماء، فعهد النفط، شكل نقطة التحول في النصف الأول من السبعينيات، ليسطر ملاحم التطور والتغير في نواحي الحياة كافة.

لحظة التنوير

كان الوطن المنتظر كرحلة «لنج» تمخر بحور العزم، ينتظرها الأمل على «سِيف» الإرادة، آملاً أن تصل أخيراً بعد طول انتظار، يلوح إليها من بعيد بفنار الترقب، منتظراً حلماً من خلف المدى، فلم يعلم أبطال قصتنا أن أعتاب السبعينيات ستشكل لحظة التنوير المرتقبة في القصة، ولم يتبادر إلى ذهن أحد أن هذا العقد سيكون شعلة الاتقاد الأولى التي ستضيء مسيرة نصف قرن من الزمان، وسيكون أهزوجة أبدية يتغنى بها «العيالة» في صفوف طويلة، وهم يهتفون باسم الوحدة، كأغنية خالدة، والحب الذي ربط الجبال والأخوار والسهول والكثبان والشواطئ المترامية، ليبصر الحلم في الثاني من ديسمبر لعام 1971، وتقوم دولة جديدة باسم دولة الإمارات العربية المتحدة، وجعل الاتحاد من الإمارات دولة تمتلك الوحدة الجغرافية، والوحدة البشرية، ومن ورائها الخلفية الحضارية، ووحدة التجربة التاريخية.

دولة عصرية

ومع إرساء قواعد البنى التحتية، وإنشاء الدستور المؤقت، برزت في الدولة الفتية، معالم دولة عصرية، ذات بنية قوية، يشترك بها أبناء الوطن في عملية البناء والتطوير، كل وفق مؤهلاته وقدراته، وفي نطاق الثروة النفطية التي شقت المسار إلى مجالات أرحب.

ووراء هذه النهضة فكر رجل حكيم قويم، آمن بالوحدة وعمل من أجلها، إنه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي آمن بأن طريق التقدم والنهضة مرهون بشخصية القائد، وبقول يتلوه عمل، وأن الدولة الوليدة بحاجة إلى بنى تحتية، تربط الوطن ببعضه بعضاً.

إنها مشارف أفول الستينيات، وقبل قليل بدأت رحلة تجارية من دبي إلى أبوظبي عبر طريق صحراوي غير معبد متأثراً بمد وجزر البحر وبالمطر كان يسميه أبناء المنطقة بطريق «السراب» لشدة خطورته، وكانت وقتها حالة البحر مداً، فلم تستطع «البدفورد» أن تسلك الطريق المحاذي للبحر، وسلكت طريقاً آخر داخل الصحراء يستغرق من ست إلى سبع ساعات، ولكن الصعاب لم تقف عند هذا الحد، إذ باغت السيارة مطر قوي عند مدخل أبوظبي، وحول الطريق إلى وحل ومستنقعات تتجمع بها المياه فلم تستطع السيارة تجاوزه، منتظرة أمام هذه المستنقعات حوالي ثلاثة أو أربعة أيام انتظاراً لتجف ثم يسهل عبورها.

فبينما كان الرمل ناعماً وعميقاً في جزيرة أبوظبي، وكان يتعين تجهيز جميع السيارات بإطارات بالون خاصة بالرمال لتتمكن من السير، وكان معظم السائقين يحملون ألواحاً معدنية، وعندما تغرز السيارة كانت توضع الألواح المعدنية تحت الإطارات، وتستخدم المجارف لإزاحة الرمال من حولها، إذ لم يكن ثمة طرق في المدينة حتى 1961، وكان هناك معبر مرتفع عند المقطع عام 1952، مصنوعاً من الحجر والطين، وكان مرتفعاً بمقدار قدمين تقريباً فوق سطح الماء، حتى تتمكن السيارات والجمال من المرور، وقبل إنشاء هذا المعبر كانت قوافل الجمال تنتظر ساعات حتى يتراجع مد البحر لتستطيع العبور.

وشهد عام 1959 الاتفاق على شراء ممهد للطرق من طراز «كاتربيلر»، وفي عام 1965 تم إنشاء صندوق التنمية لتمويل الخدمات الداخلية ومن بين المشاريع التي أنجزت كان الطريق المرصوف بين دبي ورأس الخيمة.

شارع الشيخ زايد

واليوم، كنبض إماراتي واحد، و بـ 558.4 كم، يربط شارع الشيخ زايد الذي يعد أطول وأهم الطرق في الإمارات الوطن كبيت واحد، ممتداً من الرويس بإمارة أبوظبي مروراً بدبي والشارقة وعجمان وأم القيوين وحتى رأس الخيمة، ماراً عبر مشاريع عمرانية ومنشآت صناعية وتجارية، تتكاثف حوله ناطحات السحاب، حاملة حلم وطن يمتد عبره وخلاله، وشاهداً على نهضة لم تدخر وقتاً لتولد من رحم الصعاب، نتيجة لجهود القادة، والصناع على مر عقود من التعب والبناء.

«عبرات دبي» ناقلات الحلم

«عبرات دبي»، ناقلات الحلم، ووسيلة التنقل الأولى لسكان دبي، تلك المدينة الجاثمة على الصعاب، وتحدت قلة الموارد، فطورت هيئة الطرق ووسائل النقل البحري، ومنها تلك العبرات التي ضاعفت من أعدادها وطورت من شكلها الخارجي، فقد خصصت 149 عبرة بمحرك لنقل الركاب في خطين مختلفين: الأول يتحرك من محطة سوق ديرة القديم إلى محطة بر دبي، والثاني يسير من محطة السبخة إلى محطة سوق دبي القديم، أما النوع الثاني من العبرات فهو العبرة بالمجداف، ويبلغ عددها خمس عبرات تنفذ 40 رحلة يومياً، بإجمالي 15 ألفاً و104 رحلات سنوياً.

وفي ذلك الوقت، كانت أعداد السيارات محدودة جداً، ولم تكن هناك حاجة لتسجيل السيارات، إذ لم تكن هناك لوحات ترخيص، فكانت تتم معرفة صاحب السيارة من لونها ونوعها والموديل الخاص بها.

متــرو دبي.. 3 ملايين رحلة

تجلت هذه الرؤية في 12 عاماً، هي عمر مترو دبي، الذي قدم أكثر من ثلاثة ملايين رحلة، ونقل 1.7 مليار راكب، بكفاءة تشغيلية بلغت 99 %، الذي شق طريقه بين مدينة الإنجازات العظيمة دبي، شاهداً على نهضة وإنجاز من نوع آخر، شبكة قطار متطور، يعمل آلياً، ويُعد أكبر نظام مترو في العالم وبطول 74.6 كيلومتر، ويمر المترو بـ49 محطة في دبي، 9 منها تحت الأرض، وتتوزع هذه المحطات في تناغم فريد على خطين يغطيان مسارات ووجهات متعددة هي الخط الأحمر بطول 52.1 كيلومتر والخط الأخضر بطول 22.5 كيلومتر، ويتكون كل قطار مترو من مقصورات مختلفة، مخصصة لفئات محددة من الركاب.

وهكذا أصبح المترو يربط بين مواقع رئيسية ومحورية في المدينة، مثل محطات أبراج بحيرات الجميرا، وداماك على الخط الأحمر لمترو دبي، وتمتد خطوطه من مرسى دبي ليصل إلى نخلة جميرا بمحاذاة شارع الصفوح. ويتصل أيضاً بقطار مونوريل نخلة جميرا، وتحقق شبكة المواصلات الآلية مستويات عالية من الراحة وسهولة التنقل والأمان للركاب.

قطار الاتحاد يستعيد طريق القوافل القديمة

وسط رمال تعيد كتابة تاريخ المنطقة من جديد، شهدت على مرور القوافل القديمة، حيث انطلقت قبيلة بني ياس من ليوا في صحراء الربع الخالي متجهة إلى جزيرة أبوظبي على ظهور الإبل لتستقر بها، وتتخذها عاصمة لها، واليوم ينطلق قطار الاتحاد من ليوا متجهاً إلى كل الإمارات، ليرسم خطوطاً من المجد والرفعة، وبجهود هندسية جبارة سيعبر قطار الاتحاد المرتقب، ليرسم جهود أول شبكة قطارات وطنية تملكها الإمارات بطول 1200 كيلومتر تربط خليج عمان بالخليج العربي، نزولاً عبر الإمارات، إلى داخل أبوظبي والغويفات على الحدود مع المملكة العربية السعودية، هو خطوة رئيسية لشبكة سكك حديدية تعبر شبه الجزيرة العربية.

ويشق قطار الاتحاد طريقه على شبكة ضخمة من السكك الحديدية التي ستربط إمارات الدولة بعضها ببعض، بتكلفة تقدر بنحو 40 مليار درهم إماراتي، وتكمن أهميته في إيجاد رابط خليجي موحّد، إلى جانب تقوية البنية التحتية لدولة الإمارات، وسيبلغ طول القطار الإجمالي بعد الانتهاء من إنشائه أكثر من 1.200 كيلومتر، لتصل طاقته الاستيعابية بعد بدء التشغيل إلى 50 مليون طن من البضائع و16 مليون راكب سنوياً، وريثما كان المسافرون في قوافل الإمارات التجارية القديمة يمكثون الشهور في سفرهم الطويل، ستبلغ سرعة القطارات المحمّلة ببضائع الشحن ما يساوي 120 كم/ ساعة، بينما تبلغ سرعة القطارات المحمّلة بالركاب نحو 200 كم/ ساعة.

كبسولة إماراتية تسابق الزمن

من هودج على ظهر جمل في قافلة طويلة تعبر ضفاف الحلم، إلى كبسولة إماراتية تسابق الزمن من وجهة إلى أخرى، هكذا نكتب قصة من المستقبل، تتفرد بها الإمارات بنهجها المغاير، إذ يعتبر مشروع هايبرلوب دبي-أبوظبي أحد أبرز المشاريع التي تسعى دولة الإمارات من خلالها إلى تسهيل عمليات النقل وتقليل الوقت المستغرق على الطرقات بين مختلف مدن الإمارات، وهو عبارة عن قطار فائق السرعة يربط بين إمارتي دبي وأبوظبي.

وتتمحور آلية عمل قطار «الهايبرلوب» حول كبسولات يستقلها الركاب تسير في أنابيب منخفضة الضغط ومفرّغة من الهواء بحيث لا تحتك بجدران الأنبوب، وذلك بفعل حقل مغناطيسي يولده محرك كهربائي، مما يساهم في تخفيف وزن هذه الكبسولات، حيث تصل سرعة «الهايبرلوب» إلى 1.200 كيلومتر بالساعة، مما يعني تقليص الوقت المستغرق للوصول إلى دبي من أبوظبي إلى 12 دقيقة فقط.

وسائل نقل مائيـــة

تستمر قصة تطوير البنية التحتية لوسائل النقل، لتنتزع وسائل المواصلات البحرية قصب السبق في الريادة من العبرة وقوارب التجديف، إلى نهج متطور وسريع، يواكب المدينة الحديثة التي لم ترضَ يوماً إلا بالمركز الأول، وتتنوع هذه الوسائل كالتاكسي المائي والباصات المائية، والفيري، وقوارب العبرة، ويمكن اعتماد استخدام وسائل النقل البحري في كلٍ من أبوظبي ودبي والشارقة، حيث تغطي مساحات مهمة وحيوية في المدن الرئيسية، إذ تعمل وسائل المواصلات البحرية على الخطوط البحرية الممتدة بين منطقتي الممزر ومرسى دبي، وكذلك على محطات خور دبي، وتمر على أكثر من 30 محطة بحرية منتشرة على ساحل دبي، وتوفّر مدينة أبوظبي هي الأخرى خدمة العبّارات التي تعمل يومياً بين جزيرة دلما وميناء مغرق ومرسى جبل الظنة.

عجلة التنمية والتحديث لم تتوقف، فمن سيارات «العريبي» بالأمس القريب إلى «عبرات دبي»، فالتاكسي المائي، والمترو وقطار الاتحاد، إلى الكبسولة التي تسابق الزمن، هذا في قطاع المواصلات في البر والبحر، وفي الجو حقق قطاع الطيران قفزات متتالية، مسجلاً حضوره الفاعل وريادته العالمية في النقل الجوي.

طباعة Email