التسامح والتعايش.. شعلة إماراتية وإرث عريق

ت + ت - الحجم الطبيعي

في أوائل التسعينيات (1992)، وخلال عمل واحدة من البعثات العلمية، اكتشف الآثاريون موقعاً فريداً في جزيرة «صير بني ياس» الإماراتية. كان ذلك حدثاً مذهلاً، كشف الكثير عن تاريخ المنطقة، والإمارات على وجه الخصوص. وفي الآن نفسه، أكد ذلك الكشف أن التسامح والتعايش اللذين تتبناهما الدولة في منهجها وسياستها، ليس قيمة طارئة على المجتمع الإماراتي، بل هي متأصلة في التاريخ.

لقد حدد الآثاريون هوية ذلك الموقع، الذي عثروا عليه على الجانب الشرقي من جزيرة «صير بني ياس»، وتعرفوا فيه على كنيسة ودير وسلسلة من المنازل ذات الفناء، تعود إلى القرنين السابع والثامن الميلادي، ما مثّل أقدم دليل معروف على المسيحية بالمنطقة. وهو ما يؤكد ما تورده المصادر المكتوبة، التي تشير إلى وجود المسيحية في منطقة الخليج العربي حتى أواخر القرن السابع الميلادي.

وحقيقة أن هذه الكنيسة والدير استمرت في الوجود بعد أن أصبح الإسلام الدين السائد في المنطقة في القرن السابع الميلادي، فإن هذا يعكس ما ساد من التسامح والقبول الذي مارسه القادة المسلمون الأوائل، وهو ما يستمر إلى اليوم في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وبحكمته ونظرته العميقة، رأى المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه،في هذا الدير معلماً ثقافياً حضارياً يبرز العمق التاريخي للإنسان، ويظهر ما تميزت به المجتمعات القديمة من تسامح وتعايش. وهو في الوقت نفسه الإرث الذي تقوم عليه أسس التسامح والتعايش في دولة الإمارات العربية المتحدة.

لقد كان المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما المؤسسون، رحمهم الله جميعاً، يؤكدون باستمرار أن التسامح قيمة تاريخية ضاربة الجذور في الإمارات.

وعلى هذا الأساس، رسخت دولة الإمارات مكانتها جسراً للتواصل بين شعوب العالم، ووفرت منذ تأسيسها بيئة منفتحة تحترم مختلف الثقافات، وتنبذ التطرف، وتشجع التسامح والتعايش بين مختلف الأطياف. ومن اللافت، هنا، أن رؤية الآباء المؤسسين، الذين حملوا راية الاتحاد، جاءت مبنية على قيم التسامح والتعايش. فيما جاء إنشاء اتحاد دولة الإمارات في جوهره مشروعاً قائماً على هذه القيم النبيلة، مستنداً إليها.

نهج ثابت

لا شك في أن نهج المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما الآباء المؤسسين، رحمهم الله، في ترسيخ ثقافة التسامح يمثل إرثاً ملهماً للأجيال المختلفة.

وتجسدت الرؤية الحكيمة للآباء المؤسسين واضحة جلية في العديد من الممارسات والمواقف والسياسات التي رسخت نهج التسامح الإماراتي، لاسيما في مجال الحريات الدينية. كما أنها تتجسد في حاضر الدولة، اليوم، من خلال احتضان قيم التنوع والتعددية الثقافية، التي تعبر عن أكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والاحترام في المجتمع الإماراتي.

ومن جهة أخرى، فإن الإمارات شريك أساسي في اتفاقيات دولية عدة ترتبط بنبذ العنف والتطرف والتمييز. في حين أن سيرتها في مجال التسامح والتعايش وضمان التعددية والتنوع، أهلتها لأن تكون مركزاً تلتقي فيها حضارات الشرق والغرب.

وفي سابقة، هي الأولى من نوعها، تم استحداث وزارة التسامح والتعايش في الدولة، عندما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في فبراير 2016 عن التشكيل الوزاري الثاني عشر.

جسر التسامح

لقد تجسد اهتمام دولة الإمارات بالتسامح باعتباره واحداً من القيم الأصيلة المؤسسة للثقافة الوطنية، من خلال إجراءات عدة؛ فقد وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في نوفمبر 2017، بالتزامن مع اليوم الدولي للتسامح، الذي يصادف يوم 16 نوفمبر من كل عام، بتسمية أجمل جسر للمشاة في دبي على القناة المائية الجديدة بـ«جسر التسامح».

ومن جهة ثانية، اعتمد مجلس الوزراء في يونيو 2016 البرنامج الوطني للتسامح؛ بهدف إظهار الصورة الحقيقية للاعتدال. وبموازاة ذلك، قدم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مثالاً نبيلاً على تبني الدولة لقيم التسامح، حيث وجه بإطلاق اسم مسجد «مريم أم عيسى» عليهما السلام على «مسجد الشيخ محمد بن زايد» في منطقة المشرف بأبوظبي، جاعلاً منه أيقونة تعايش وتسامح.

ولم يتوقف اهتمام قيادة الدولة في ترسيخ قيمة التسامح، جزءاً من مكونات الهوية والثقافة الإماراتية، فأسست الجوائز والمؤسسات التي تعنى وتتخصص في هذا الشأن، ومن أبرزها «جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمية»، و«المعهد الدولي للتسامح» الذي أنشأه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، ليعمل على تعزيز قيم التسامح بين الشعوب والأجيال الجديدة.

وثيقة الأخوة الإنسانية

تمثل «وثيقة الأخوة الإنسانية»، التي تم توقيعها على أرض دولة الإمارات في فبراير 2019 خلال استضافتها قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، واحدة من أبرز محطات دعم الإمارات لنهج التسامح وإشاعته في العالم كله، وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بالإجماع لجعل يوم 4 فبراير «اليوم الدولي للأخوة الإنسانية»، ضمن مبادرة قدمتها كل من الإمارات والبحرين ومصر والسعودية، ليحتفل المجتمع الدولي بهذا اليوم سنوياً.

أما على المستوى الداخلي، فقد حرصت القيادة الرشيدة على تحويل أفكار الآباء المؤسسين ونهجهم في التسامح إلى إطار مؤسسي وقانوني حامٍ لنهج التسامح في دولة الإمارات، على النحو الذي تجسد في إصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية في عام 2015.

ثقافة التعايش

في لفتة كريمة، في فبراير عام 2019، أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بتأسيس «صندوق زايد العالمي للتعايش» بهدف دعم الجهود الرامية إلى تعزيز ثقافة التعايش السلمي والتآخي الإنساني بين الأفراد والشعوب.

كما أمر سموه بتخصيص مساحة أرض في جزيرة السعديات لتشييد معلم حضاري جديد، يُطلق عليه اسم «بيت العائلة الإبراهيمية» سيتم افتتاحه خلال العام المقبل 2022، ليرمز إلى حالة التعايش السلمي وواقع التآخي الإنساني الذي تعيشه مختلف الأعراق والجنسيات من العقائد والأديان المتعددة في مجتمع الإمارات.

شكلت المساعدات التنموية والإنسانية والإغاثية مكوناً رئيسياً في السياسة الخارجية لدولة الإمارات. وبهذا، فقد مثلت دبلوماسية الإمارات النشطة بحضورها اللافت في المحافل الدولية عاملاً قوياً أسهم في رسم الشخصية الإماراتية على مستوى العالم، كجزء فاعل وإيجابي من المجتمع الدولي.

طباعة Email