السياسة الخارجية.. رؤيـة ثاقبة وديناميكية نشطـــة

ت + ت - الحجم الطبيعي

إنها لحظات فارقة، لحظات صنعت الفرق، ووضعت بصمتها في الزمان والمكان، وأصبح يشار إليها بالبنان.. نعم قادة استثنائيون صنعوا التاريخ، وكانوا أصحاب رؤية وقرار، لم يملوا من السعي وراء الأهداف ولم يوفروا الجهد لتحقيقها.

الآباء المؤسسون، هم من أولئك القلة من الرجال، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراهما»، وإخوانهما من الحكام العظام، كانوا صناع وحدة، وبناة دولة، باتت اليوم ترسخ أقدامها في كل محفل، برؤية واضحة، وسياسة خارجية تغّلب الحوار والتعاون، على كل خيار.

الرسالة الإماراتية انطلقت من فكرة ومشروع الاتحاد، وقامت على أساسه، وبه تحققت شخصية وهوية الإماراتيين الجامعة، وقد اقتضى ذلك جهداً حثيثاً في الداخل، وعملاً جباراً في الخارج، على صعد ومستويات شتى، دبلوماسية واقتصادية وثقافية وخيرية.. تميزت فيها سياسة الدولة، برؤية ثاقبة، وديناميكية نشطة، ومرونة فاعلة، وحضور قوي على الساحتين الإقليمية والدولية.

سؤال مصيري

كانت العلاقة الوطيدة بين القائدين، التي تعززت منذ تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، قيادة «العين»، نائباً للحاكم، وكذلك تجربتهما المتماثلة في التحديث، قد مثلت عاملاً أوجد بينهما انسجاماً ضرورياً في الرؤية والنظرة الثاقبة، التي تستشرف الأحداث والتحديات. وفي الصدر من ذلك، نظرتهما للواقع في المنطقة، وإدراكهما المبكر للضرورات، وكان كل منهما يلحظ بعين الاهتمام أن حزمة من الخصائص والسمات التي تجمع بين أهل إمارات «الساحل المتصالح»، تفرض نظرة جديدة، ونوعاً من المبادرات الجريئة الشجاعة، والخطوات السياسية الملحة.

وكان في المنظور، عوامل الموقع الجغرافي الواحد، والتاريخ المشترك، الذي وثق بينهم في علاقات وترابط ممتد. وكذلك سبل العيش المشتركة، التي تمثل اقتصاداً متكاملاً. إلى جانب المصلحة والمصير المشتركين. أليست هذه عناصر هوية وطنية واحدة..؟ بلى، هي كذلك. إنها محددات هوية وطنية واحدة، تستدعي الضرورة العمل على استكمال عناصرها وظروفها وشروطها. ومن أول ظروفها، وأهم شروطها، تأسيس الدولة الواحدة الموحدة، التي تضم الجميع تحت راية وعلم واحد.

لقد أدرك القائدان، أن الهوية الوطنية، وطريقها الإجباري الدولة الواحدة، إنما هو الإجابة الناجعة، والخطوة الحاسمة، والخيار الحتمي، في الرد على التحديات التي فرضها التاريخ، وأبرزها العصر.

ومن هنا، بدأت الرحلة نحو المستقبل.

المستقبل الذي شهده الأبناء والأحفاد متجسداً على أرض الواقع، متمثلاً بدولة الإمارات العربية المتحدة، وبالهوية الوطنية التي تكرست لتضم الجميع تحت جناحها.

الطريق إلى الدولة

تجلت عبقرية القيادة عند زايد وراشد، هنا، في رسم خريطة مشتركة للتحديات الماثلة، قادتهم وإخوانهم من الآباء المؤسسين، إلى صياغة رؤية وحدوية عميقة، اجتمع عليها إيمانهم القوي بها، وبضرورتها في عالم مضطرب، تسوقه المصالح، وتتلاشى فيه الكيانات الصغيرة والضعيفة.

كان المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، «طيب الله ثراهما»، وإخوانهما من الآباء المؤسسين، طيب الله ثراهم جميعاً، مقتنعين بأن مصير إمارات «الساحل المتصالح» يتجلى في وحدتها، ولم يتوانوا عن لعب الأدوار التي كان من شأنها إنجاح الوحدة وتعزيزها.

قيادة وريادة

أمسك المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، بزمام الفكرة، وانطلقا يدعوان إليها في كل مكان ومحفل، وتعددت الزيارات والرسل إلى إخوانهما قادة إمارات «الساحل المتصالح» ودول المنطقة لإقناعهم بالاتحاد.

وبالطبع، لم يكن الأمر سهلاً رغم النوايا الطيبة، والإرادة الحسنة. غير أن العزيمة التي أبداها المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، «طيب الله ثراهما»، وإخوانهما من الآباء المؤسسين، طيب الله ثراهم جميعاً، قادت إلى النهاية السعيدة المأمولة في الثاني من ديسمبر 1971. اليوم الذي شهد ميلاد دولة حديثة، أصبحت يوم إعلانها الدولة الثامنة عشرة في جامعة الدول العربية، في السادس من ديسمبر 1971، والعضو 132 في الأمم المتحدة اعتباراً من التاسع من ديسمبر 1971، أي بعد أسبوع واحد من إعلان قيام الدولة الاتحادية.

باشر الاتحاد الوليد وجوده، بترؤس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أول جلسة لمجلس الوزراء الإماراتي في قصر الرئاسة بأبوظبي، في الـ10 من ديسمبر لعام 1971، حيث تمنى للمجلس التوفيق في أداء رسالته من أجل خدمة ورفاهية أبناء الدولة.

وانطلقت منذ اللحظة الأولى لتأسيس الدولة الاتحادية، عجلة العمل بواحدة من أضخم عمليات التنمية التي شهدتها المنطقة. وبدأت الدولة الوليدة برنامجها السياسي كاتحاد مكوّن من سبع إمارات إقليمية مختلفة من حيث مساحتها ومواردها الطبيعية. وسعت القيادة منذ البداية إلى وضع دستور مؤقت للدولة، تحوّل إلى دستور دائم في عام 1996.

بعد اختيار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، رئيساً للدولة، بدأ برفقة إخوانه حكّام الإمارات آنذاك في تلمّس حاجات المواطنين في كل مناطق الدولة. ورسخت هذه الزيارات معاني الولاء في نفوس المواطنين. ومن هنا اكتسبت هذه الزيارات أبعاداً وطنية واجتماعية كبرى حرص عليها، «طيب الله ثراه»، منذ إعلان الدولة الاتحادية.

تبرز في مسيرة وزارة خارجية الدولة، وجوه عديدة من عناية الآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ببناء الهوية الوطنية، ولاسيما في شقها المتعلق بإيصال الرسالة الإماراتية، التي انطلقت من فكرة ومشروع الاتحاد، الذي قامت على أساسه الدولة، وتحققت به شخصية وهوية جامعة، تجمع الإماراتيين تحت مظلة واحدة.

وكان هذا مهماً بدرجة كبيرة، تماماً بمثل تلك الأهمية، التي انطوت عليها هذه الهوية فيما يتعلق بتعزيز بنيان الوطن الواحد في الداخل، وفي نفوس المواطنين، فقد كان من المهم رسم معالم هذه الشخصية الإماراتية في الخارج بعناية فائقة، تعكس المحددات والثوابت، التي قام عليها الاتحاد. وكما اقتضى هذا الجهد في الداخل العمل الحثيث على مستويات وصعد مختلفة، تم على الصعيد الخارجي تنظيم عمل جبار، على صعد ومستويات متنوعة، فيها الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والثقافي والعمل الإنساني والخيري وخلاف ذلك.

علاقات واسعة

وفي الواقع، مثلت السياسة الخارجية الإماراتية، منذ بداياتها، نموذجاً للحيوية والفاعلية والنجاح، حيث استطاعت بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات الاستراتيجية كان لها عظيم الأثر على تعزيز حضورها ومكانتها على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وفي السياق نفسه، وبدرجة لا تقل أهمية، تمكنت من تعزيز الهوية الإماراتية في الخارج، والتعريف بها كشخصية واحدة موحدة الكيان والكينونة.

وقد كان حجر الأساس في هذا كله، القواعد والأسس التي وضعها المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخوه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما حكام الإمارات المؤسسون، طيب الله ثراهم جميعاً، التي حددت أهداف وطريق السياسة الخارجية للدولة وغاياتها، ورسمت مسارها بدقة، مشددين على مبادئ الاعتدال والاستناد إلى ضرورة ضمان مراعاة التوازن في العلاقات الدولية.

وبهذا، سارت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ قيامها في الثاني من ديسمبر من عام 1971، على مبدأ تعزيز الأمن والسلام والتنمية المستدامة في مختلف أرجاء المنطقة والعالم، متخذة من هذا المبدأ بعداً أساسياً في سياستها الخارجية، ولم تتوانَ عن التأكيد على هذا البعد وتعزيزه وتطويره عبر مساهمات جليلة قامت بها دولة الإمارات على مختلف الصعد الإنسانية والسياسية والاقتصادية.

حضور قوي

ومن جهة أخرى، تميزت السياسة الخارجية الإماراتية خلال العقود الخمسة الماضية بالرؤية الثاقبة، والديناميكية النشطة، والمرونة الفاعلة، والحضور القوي على الساحتين الإقليمية والدولية. وبفضل ذلك تمكنت من دعم عملية البناء في الداخل، والحفاظ على المصالح في الخارج، من خلال بناء شبكة واسعة من المصالح المتبادلة مع دول العالم المختلفة، ما مكن الدولة من لعب دور محوري على الصعيدين الإقليمي والدولي، لاسيما في مجال احتواء العديد من حالات التوتر والأزمات والنزاعات، وهو ما كان له أثر إيجابي نوعي على سمعة الإمارات عالمياً.

وفي هذا السياق، حرصت الدولة، من خلال سياستها الخارجية، على الاضطلاع بالمسؤولية الإنسانية تجاه القضايا والتحديات المشتركة التي تواجهها البشرية، وعلى رأسها مكافحة الفقر والمرض والجهل والتمييز بأنواعه.

تقدير دولي

وهنا، يبرز واضحاً التقدير الدولي للدور البارز الذي تضطلع به السياسة الخارجية للإمارات داخل منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وأثمر هذا عن فوز الدولة بثقة المجتمع الدولي، الذي اختار أبوظبي لاستضافة المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «أيرينا» في مدينة «مصدر».

وفي ذات السياق، كانت الدبلوماسية الإماراتية، أيضاً، خير سند ومعين لجهود الدولة، التي تكللت بالنجاح في استضافة معرض «إكسبو 2020 دبي». وفي إشارة أخرى على نجاح وفاعلية السياسة الخارجية الإماراتية، تم انتخاب الإمارات عضواً غير دائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لمدة عامين. والإعلان رسمياً يوم 11 نوفمبر الجاري عن استضافة الدولة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «كوب 28» COP 28 التي ستقام في عام 2023.

جهود فاعلة

سعت السياسة الخارجية الإماراتية، خلال العقد الماضي، بجهودها الفاعلة بشكل دؤوب لتعزيز العديد من عمليات حفظ السلام، وحماية السكان المدنيين، وإعادة الإعمار في المناطق المنكوبة بعد انتهاء الصراعات.

وتمثل وزارة الخارجية والتعاون الدولي منذ إنشائها مقومات المجتمع الإماراتي ونافذته على العالم الخارجي، يُنشر من خلالها فكر ورؤية القيادة الإماراتية، التي تؤكد على قيم الإخاء الإنساني، وتدعو دائماً إلى رفع المعاناة عن الإنسان بصرف النظر عن جنسه أو دينه. كما التزمت سياسة الإمارات الخارجية بمواجهة الإرهاب ومحاربة التطرف والمشاركة في الجهود الدولية لحماية البيئة.

تأشيرة «الشنغن»

تمكنت الدبلوماسية الإماراتية من استكمال إنجاز اتفاقية إعفاء مواطني دولة الإمارات من تأشيرة «الشنغن»، حيث تسمح هذه الاتفاقية لمواطني الدولة بعبور 34 دولة أوروبية من بينها 26 دولة تابعة للاتحاد الأوروبي من دون تأشيرة «الشنغن» المسبقة.

وبالتزامن مع ذلك، صعد جواز السفر الإماراتي إلى المركز الأول على مستوى العالم بدخول 167 دولة، وتربع على قمة جوازات السفر العالمية حتى بدايات العام 2020، وقبيل انتشار جائحة «كوفيد - 19» تمكن الجواز الإماراتي من حصد المزيد من إعفاءات التأشيرة، حيث كان يتيح لحامله دخول 178 دولة من دون تأشيرة.

بنية تشريعية

إنجازات السياسة الخارجية للدولة كثيرة الأوجه، متعددة الأشكال، ومن بينها إسهاماتها في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، سواء عبر المشاركات العسكرية في التحالفات الإسلامية والدولية، أو عبر سن القوانين المحلية التي تحاصر الإرهاب ومسبباته، مثل إصدار مرسوم بقانون يقضي بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة أشكال التمييز، ونبذ خطاب الكراهية، وتجريم التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل.

وعملت الحكومة على تبني العديد من المبادرات المعنية بالاتصالات الاستراتيجية، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.

وعلى صعيد علاقة الدولة بأشقائها، فقد واصلت الدبلوماسية الإماراتية خلال العقود الخمسة الماضية التعبير عن مواقف الدولة التاريخية القائمة على دعم قضايا الدول العربية الشقيقة، والوقوف مع الأشقاء في محنهم وشدائدهم.

ولم تأتِ هذه الإنجازات من فراغ، وإنما كانت نتيجة لتضافر الجهود على مستوى القيادة والمجتمع أفراداً ومؤسسات، في سعيهم المستمر والدؤوب نحو تحقيق التميز وعليه ما زال الطريق طويلاً وواعداً بالمزيد من الإنجازات والنجاحات، التي سوف تكرس مكانة الدولة وتعزز سعادة ورفاهية مواطنيها.

لقد كرست القيادة الإماراتية نهجها الثابت والراسخ في تعزيز التعايش والتسامح، حيث أعلن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، أن 2019 في الإمارات عام للتسامح، وركز على تعميق قيم التسامح والانفتاح على الثقافات والشعوب في المجتمع، وترسيخ مكانة دولة الإمارات عاصمة عالمية للتسامح.

طباعة Email