الثقــافــة.. تحليق ملهم في فضاء الإبداع

ت + ت - الحجم الطبيعي

لقد أولت دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد كل اهتمام ورعاية وعناية للقطاع الثقافي، وذلك لما للثقافة من أهمية بالغة في بناء الإنسان، وتعزيز الهوية، ومساهمة مؤثرة في بناء مجتمع السعادة وجودة الحياة. وتفصح الثقافة الإماراتية عن قيمتها الاعتبارية الكبرى من خلال حس التلاحم الوطني أثناء قيام دولة الاتحاد، ولا شك أن هذا التلاحم كان وراءه الكثير من الجهود والرؤى المستقبلية المستندة إلى دروس الماضي ورهانات الحاضر والتوق إلى المزج الخلّاق بين التراث والمعاصرة، وبين القيم الأصيلة والطموحات المستجدّة، بحثاً عن إشراقة التميّز والإبداع، لتحقيق حلم الإنسان الإماراتي.

وتعدّ دولة الإمارات من النماذج الدولية المتميزة في تعاطيها مع الثقافة بعين قارئة ونظرة ناقدة وذهنية تحليلية، كما إن تعامل المؤسسات والدوائر والجهات الثقافية في الإمارات مع الراهن الثقافي تعامل قائم على خلق بيئة متوازنة تندمج فيها الظواهر التراثية والتاريخية مع استحقاقات الحاضر وتطلعات المستقبل.

وتترجم الثقافة الإماراتية بصدق روح الإنسان الإماراتي منذ الأزمنة القديمة وحتى زمننا الحاضر، وهي روح قائمة على التعاون والتعاضد والتسامح والعيش المشترك، انطلاقاً من خصوصية المكان، وجمالية التباين بين بيئاتها الثلاث: البحر والجبل والصحراء، فهذا التنوع هو أصل الجمال والسحر والثراء في الهوية الإماراتية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

ولأهمية التنوع والثراء الثقافي في تحفيز الإبداع وتعزيز مكاسب التنمية، تعمل قيادة دولة الإمارات على دعم قطاع الثقافة والفنون في المستقبل لأنه القطاع الأكثر احتضاناً لتواصل العقول والانفتاح على الأفكار الخلاقة. وفي سياق تحقيق هذا المطلب أطلقت الدولة عدّة مبادرات مهمة لدعم الإنتاجات والأنشطة الثقافية، ورعاية المواهب الشابة، وتنمية قدراتها، وتهيئة المناخ المناسب لترجمة إمكاناتها وقدراتها.

حاضنة للإبداع

وتعمل وزارة الثقافة والشباب والجهات الثقافية في كل إمارات الدولة على تطوير آليات العمل الثقافي الراهن والمستقبلي، بما يعزز الارتقاء بالمنجز الثقافي وتنمية المعرفة إسهاماً في ترسيخ ريادة الدولة ومكانتها كوجهة استقطاب ومصدر إلهام وحاضنة للإبداع في قطاعي الثقافة والمعرفة.

ومن خلال حزمة من الرؤى الطموحة تستند إلى خلق مساحات تجمع الأفراد والمنتجات الإبداعية والإسهامات الثقافية، وتبني أساليب مبتكرة لخلق التواصل المطلوب بين الجمهور ومنصات العرض الثقافي المختلفة مثل المتاحف ومعارض الكتب ومعارض الفنون التشكيلية والمسرح وأساليب التعبير البصرية، وكذلك استغلال فضاءات الإنترنت للترويج للمنتج الثقافي واستقطاب أكبر عدد من المتابعين والشغوفين بالإبداعات الفنية والثقافية والأدبية والفكرية. 

مستقبل الثقافة

وبناء على المكاسب المبهرة التي تحققت لقطاع الثقافة خلال الخمسين عاماً الماضية، والمعروفة بما يغني عن الاستطراد، تنطلق الخطة الثقافية لدولة الإمارات في الخمسين سنة المقبلة من متابعة حثيثة ورصد دقيق للمؤشرات القارئة لمستقبل الثقافة في العالم، وكيفية الوصول للمراتب المتقدمة في هذا السياق، مع الأخذ في الاعتبار بأهمية عنصري التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي من أجل صياغة وتحديد طبيعة الإنتاج الثقافي في العصر الجديد.

وتعمل دولة الإمارات منذ الآن على توفير الأرضية الخصبة لتحقيق مشروعها الثقافي الطموح والمقبل، وبدأت هذه الأرضية بالتشكّل من خلال تطوير منصات الاقتصاد الإبداعي، وتعزيز الصناعات الثقافية، وتأسيس المتاحف التفاعلية المتطورة والمكتبات الحديثة، والتواصل الحيوي مع القطاعات والخبرات الثقافية المتنوعة حول العالم.

السياحة الثقافية

وتخطط الإمارات منذ الآن، وعلى امتداد الخمسين عاماً المقبلة، لتطوير «السياحة الثقافية» في إطارها العملي والتطبيقي والملموس، لتحقيق نجاحات مستقبلية كبرى في هذا المجال من خلال تهيئة البنية التحتية للمواقع الأثرية، وحتى تكون هذه المواقع عنصر جذب قوي للسياح من مختلف دول العالم، كما إن وجود مواقع خصبة بمحتواها التراثي والآثاري القديم والعريق، مثل: مليحة والبحيص والدور والهيلي وأم النار وصاروج الحديد وغليلة ودبا.. وغيرها، بات يشكّل خريطة أثرية متنوعة بامتياز، نظراً لاختلاف العصور والحقب التي شهدتها هذه المواقع، وبقيت بصماتها مطبوعة في اللقى والمكتشفات المختزنة فيها، التي تم عرض الكثير منها في متاحف الدولة المختلفة.

كما إن استضافة لقى ومكتشفات ولوحات عالمية لعرضها في المتاحف المحلية له أثر بالغ في الدفع بالسياحة الثقافية لتكون أكثر إسهاماً في نمو الدخل، وهو الأمر الذي رأينا نتائجه الملموسة في متحفي اللوفر وجوجنهايم في جزيرة السعديات بإمارة أبوظبي، وفي المتاحف النوعية بإمارة الشارقة، وكذلك في حيّ دبي للتصميم، وبينالي الشارقة، ومهرجان طيران الإمارات السنوي للآداب، والكثير من الفعاليات والمعارض الثقافية والفنية ذات الجاذبية الكبيرة في إمارات الدولة كافة.

ثراء الهوية

وتعزز الصناعات الثقافية والمعرفية جهود بناء الإنسان، وتنمية المواهب الشابة المتميزة في مجالات الإنتاج الثقافي والإدارة الثقافية، لتصبح هذه المواهب ركيزة العمل المستقبلي في سعيها لدمج المفاهيم الثقافية المتنوعة بالمجتمع المحلي، وصولاً للمحافل الدولية والمشاركات الخارجية، وإيصال المحتوى الثري للهوية الإماراتية إلى شعوب العالم وتعريفها بطبيعة المواطن الإماراتي المنفتح على الآخر، والمحب لقيم التعايش والتسامح والتواصل القائم على احترام العقائد والمرجعيات والخصوصيات البشرية.

ثقافة القيم

واليوم عندما يجتمع العالم تحت مظلة «إكسبو 2020 دبي»، فإن حلم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، بات حيّاً ومتحققاً بفضل الإرث الإنساني الكبير الذي تركه الشيخ زايد للأجيال الحالية والقادمة، إرث ينطق بالمحبّة والتسامح والتواصل بين العقول والخبرات والمواهب، من أجل صنع عالم أفضل، وقائم على السلام والاحترام المتبادل وتصدير ثقافة القيم السامية.

الفنون البصرية

في مجال الفنون البصرية والتشكيلية والمسرح والسينما، يقوم نهج دولة الإمارات على تنمية الذائقة الفنية والأدبية، والانحياز للأفكار الخلّاقة المتمثلة في الفلسفة والنقد والقراءة الجمالية والتحليلية للنتاجات والظواهر الثقافية بمختلف حقولها وتوجهاتها، وتهتم المؤسسات الثقافية في الدولة بتوظيف الذكاء الاصطناعي في المستقبل لتطوير العمل الثقافي، كما تسعى لإنشاء منصات عرض تفاعلية ذات جودة عالية لإيصال الإبداعات المحلية في مجالات الدراما والسينما إلى العالم.

وقد أسهم التحول الرقمي في نشوء مصطلح جديد يتعلق بتقاطع الفنون والثقافة مع الاقتصاد والتقنية، وهذا التحول الجديد والمفتوح على المستقبل سيدعم توجه حكومة دولة الإمارات للاستفادة من الإمكانات التكنولوجية واستثمارها بالشكل الأمثل لتحقيق الرفاهية والرخاء وأعلى مستويات جودة الحياة.

لقد عبّرت ثقافة الإمارات عن إرثها المحلّي، وباتت تمضي بخطوات ثابتة نحو العالمية، وذلك لأنها ثقافة مستندة إلى هويّة مرنة وراسخة، لم تلغ الماضي، ولم تغلق حدودها أمام المستقبل، وبالتالي حقّقت المعادلة الذهبية في بناء الإنسان، تماماً مثما حقق قطاع الرعاية الصحية للمواطن والمقيم مستويات قياسية من العناية الطبية وجودة الحياة.

طباعة Email