الطاقة المتجددة عصب الـ 50 عاماً المقبلة في الإمارات

أكد مسؤولون وخبراء أن التوجه الرئيسي لدولة الإمارات في الفترة المقبلة يتمثل في التوسع في مشاريع الطاقة النظيفة وزيادة الاعتماد على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والرقمنة، وتعزيز مستويات رائدة عالمياً في البنية التحتية مع أعلى مستويات الاعتمادية والكفاءة والتوافرية، وتحقيق نتائج رائدة في الحد من الانبعاثات الكربونية.

حيث تولي القيادة الرشيدة أهمية بالغة لتعزيز التنمية المستدامة وتأمين إمدادات الطاقة في سبيل تحقيق رؤية دولة الإمارات بأن تكون أفضل دولة في العالم بحلول عام 2071.

وتبرز الطاقة المتجددة باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الاستدامة وعصب الـ50 عاماً المقبلة، ما يجعلها في مقدمة الأولويات الاستراتيجية لدولة الإمارات التي تقود الجهود السبّاقة لتبني أحدث الابتكارات الدافعة لمسيرة مواجهة آثار تغيّر المناخ والتخفيف من الاحتباس الحراري، مقدمةً مساهمات بارزة في دعم «أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030».

توازن

بداية، قال معالي سعيد محمد الطاير، العضو المنتدب الرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي: إن دولة الإمارات اتخذت خطوات مُبكرة نحو الاستعداد لوداع آخر قطرة نفط، وتحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على بيئة نظيفة وصحية وآمنة.

واليوم تقود الإمارات الجهود العالمية في قطاع الطاقة النظيفة والمتجددة من خلال استراتيجياتها واستثماراتها في هذا المجال، حيث تستهدف استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 مزيجاً من مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، لضمان تحقيق التوازن بين الاحتياجات الاقتصادية والأهداف البيئية، وستستثمر الدولة 600 مليار درهم حتى عام 2050، لضمان تلبية الطلب على الطاقة، واستدامة النمو في اقتصاد الدولة.

وتابع: تلتزم هيئة كهرباء ومياه دبي بابتكار حلول استباقية لتحديات الخمسين عاماً المقبلة، بما يعزز الجهود لجعل الإمارات الدولة الأكثر ابتكاراً واستعداداً للمستقبل.

ونظراً إلى أن قطاع الطاقة النظيفة والمتجددة من القطاعات التي ستقود عملية الابتكار في المستقبل، تعمل الهيئة على تحقيق استراتيجية دبي للطاقة النظيفة 2050، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وتهدف إلى توفير 75% من القدرة الإنتاجية للطاقة في دبي من مصادر الطاقة النظيفة بحلول عام 2050.

وأضاف: أطلقت الهيئة مشروعات كبرى للطاقة المتجددة والنظيفة، ومن أبرزها مجمّع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية، الذي يعد أكبر مشروع استراتيجي لتوليد الطاقة المتجددة في موقع واحد في العالم، وفق نظام المنتج المستقل (IPP)، ومشروع مجمع حصيان لإنتاج الطاقة باستخدام تقنية الفحم النظيف، ومشروع المحطة الكهرومائية في منطقة حتا الأول من نوعه في منطقة الخليج العربي الذي يهدف إلى توليد الكهرباء بالاستفادة من المياه المخزنة في سد حتا.

ومشروع «الهيدروجين الأخضر» الذي يعتبر الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويجري تنفيذه بالتعاون بين هيئة كهرباء ومياه دبي ومكتب «إكسبو 2020 دبي» وشركة «سيمنس» الألمانية، وإضافة إلى مشروعاتنا الكبرى، نهدف إلى إشراك سكان دبي في عملية إنتاج الطاقة النظيفة من خلال مبادرة «شمس دبي».

كما أن لدى الهيئة استثمارات بأكثر من 86 مليار درهم على مدى خمسة أعوام لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء والمياه في الإمارة، وتعمل الهيئة من خلال محفظة المشاريع المتنوعة التي تملكها لتحويل دبي إلى مركز عالمي للطاقة النظيفة، حيث إنها تجمع في عملها بين مختلف التقنيات الإحلالية، مع التركيز على تنويع مزيج الطاقة.

تقارير

من جانبه أكد محمد صالح، مدير عام «الاتحاد للماء والكهرباء» أن معظم التقارير الأممية والدولية ذات العلاقة بهذا المجال، تتضمن التوصية بضرورة أن تلعب مصادر الطاقة المتجددة دوراً أكبر في إمدادات الطاقة العالمية، بغية مواجهة التهديدات البيئية والاقتصادية لظاهرة التغير المناخي.

وأشار إلى أهمية توثيق التعاون والشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص على مختلف المستويات، من خلال تنسيق فاعل محكم ومتناغم، بغية ترجمة استراتيجية الإمارات للطاقة 2050، لافتاً إلى أن قيادتنا الرشيدة وضعت الاستراتيجية بناءً على دراسة عميقة ومتأنية للظروف الجغرافية والمناخية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة والإقليم، والتي تهدف إلى تحقيق أمن الطاقة.

ولفت إلى أهمية الاستراتيجية الوطنية للطاقة، بما تشتمل عليه من توفير مزيج متناغم ومتوازن من مصادر الطاقة النظيفة والنووية والأحفورية، بما يضمن تحقيق التوازن المطلوب ما بين الأهداف الاقتصادية والبيئية على حدٍ سواء، أما بخصوص المياه، فمن المعروف أن الإمارات من الدول التي لا يتوفر فيها مصادر دائمة للمياه العذبة بالنظر إلى موقعها الجغرافي ومناخها الصحراوي.

وأنها تعتمد بشكل أساسي على تحلية مياه البحر، لذلك تم إقرار الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي من قبل الحكومة الرشيدة، والتي تهدف إلى ضمان واستمرارية الوصول إلى المياه خلال كافة الظروف، وفقاً لأعلى المواصفات العالمية المعتمدة في المجال.

جهود

من جانبه أكد سيف حميد الفلاسي، الرئيس التنفيذي لمجموعة اينوك أن دولة الإمارات وضعت استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 لترسم معالم مستقبل مزيج الطاقة منخفض الكربون، حيث يتضمن هذا المزيج 38٪ من الغاز و44٪ من الطاقة النظيفة و6٪ من الطاقة النووية و12٪ من الفحم النظيف. كما تبذل الحكومة جهوداً كبيرة في سبيل زيادة نمو الطاقة المتجددة منخفضة الكربون، وبدأنا نشهد بالفعل تغييرات كبيرة في هذا المجال.

وتابع: تعتزم حكومة الإمارات استثمار 600 مليار درهم حتى عام 2050 لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة وضمان نمو مستدام لاقتصاد الدولة، في حين تمثل استراتيجيات الحد من الآثار السلبية لتغير المناخ وبناء اقتصاد أخضر، الموضوعين الأساسيين لمسألة الاستدامة في معرض إكسبو 2020 دبي. وتُعد محطة «براكة» للطاقة النووية في دولة الإمارات مثالاً آخر على ريادة دولة الإمارات من أجل الوصول إلى مستقبل منخفض الكربون.

وشدد الفلاسي على ضرورة وجود التزام قوي من قبل الشركات يسهم بشكل مباشر في تعزيز الأبحاث في مجال الطاقة المستدامة، وهو ما يحتاج إلى أن يكون مدعوماً بالتشريعات الحكومية، فالجميع مسؤول عن توفير مستقبل أفضل للأجيال القادمة، ومن واجبنا جميعاً وضع الأسس الصحيحة لعقود مقبلة.

تقنيات

بدوره قال حمد الطنيجي مدير إدارة نقل الطاقة بهيئة كهرباء ومياه وغاز الشارقة: لا بد من تحقيق التوازن المطلوب بين التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة من خلال تبني استخدام تقنيات الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الهيدروليكية من السدود المائية وغيرها، لأنها تعد طاقة متجددة لا تنقص بالاستهلاك لأنها تتجدد، كما أنها طاقة نظيفة لا تلوث الجو ولا تغير المناخ ومتوافرة في كل مكان، وقد وصلت هذه التقنيات إلى درجة من النضوج الفني والكفاءة والجدوى الاقتصادية ما يجعلها الخيار الأفضل لضمان مصادر الطاقة لمستقبل الأجيال خلال الخمسين عاماً المقبلة وأكثر.

وأضاف: زاد التوجه إلى تقنيات الطاقة المتجددة والتوسع في تطبيقها، وتعتبر الطاقة الشمسية الكهروضوئية هي الخيار الأكثر قبولاً والأقل تكلفة، وتم خلال العقد السابق تطوير حلول لتحديات التوسع في تطبيق تقنيات الطاقة الشمسية.

وبين الطنيجي أن مزيج الطاقة المستهدف في استراتيجية الإمارات للطاقة 2050 يتضمن الوصول إلى نسبة 44% من مصادر الطاقة النظيفة، لافتاً إلى أنه لمجابهة التحديات في تأمين الطاقة والمياه يجب بناء ثقافة ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه لاستدامة الموارد، والزيادة التدريجية في إضافة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة والتوسع في حلول تخزين الطاقة، إضافة إلى استخدام الطاقة المتجددة في تحلية مياه البحر وتخزين الفائض.

وأشار إلى أن هناك تحدياً يواجه الطاقة المتجددة يتمثل في الطبيعة المتقطعة لتوافرها أثناء ساعات اليوم الواحد، وحتى الآن لا تزال تقنيات تخزين الطاقة تحتاج إلى بعض الوقت لتصل إلى مستوى الاعتمادية والتكلفة المقبولة، وهنا يبرز دور إنتاج الطاقة بالغاز الطبيعي كداعم موثوق ومنخفض البصمة الكربونية لإمدادات الطاقة في حال تقطع مصادر الطاقة المتجددة.

الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة الطاقة

أكد أكاديميون أهمية زيادة التركيز على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة لتعزيز استدامة وكفاءة الطاقة.

وقال الدكتور فهر حياتي عميد كلية الهندسة وتكنولوجيا المعلومات في جامعة عجمان: إن التركيز في استخدام الطاقة ينبغي أن يكون في كيفية توليد الطاقة المتجددة المتمثلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الأمواج، فعملية توليد الطاقة الشمسية أضحت قليلة التكاليف ومتوفرة ويمكن تحويلها إلى طاقة حرارية وكهربائية خلال الـ 50 عاماً المقبلة.

مبيناً أن الإمارات ودول الخليج تستهلك طاقة عالية في تحلية المياه، إضافة إلى تبريد الجو، وفي النقل والصناعة، ومشكلة الطاقة في النقل محلولة من خلال المحطات الشمسية، والمشكلة الأساسية في التكييف وتحلية المياه.

وأوضح أن هناك تحدياً سوف يواجه عملية توليد الطاقة، فهل ستكون في مواقع موزعة أم مركزة ؟، ولمواجهة ذلك التحدي يجب إجراء العديد من البحوث في كيفية تخزين الطاقة في بطاريات.

وتابع الدكتور فهر حياتي: يجب توظيف الذكاء الاصطناعي في التركيز على الاستخدام الأكفأ والتوقيت الصحيح للتخزين والاستهلاك، إضافة إلى عمل شبكات ذكية للنقل، وتكون موزعة وليست مركزية، لافتاً إلى أنه مستقبلاً يمكن توليد الكهرباء من حركة الإنسان العادي لاستخدامات محددة، والمشكلة ليس في توليد الطاقة، بل حفظها وتوليدها واستخدامها، لذلك لا بد من توظيف التكنولوجيا المتطورة في صناعة البطاريات وأساليب خزن الطاقة.

ولفت إلى أن الكهرباء المستخدمة في التبريد بالدولة كبيرة جداً، لذلك لا بد من عمل بحوث عديدة في كيفية تصميم الأبنية وبناء البيوت الذكية بهدف التنظيم والتحكم في استهلاك الطاقة في المنازل وتصميم البيوت بالأسلوب الذي يضمن الاستهلاك الأنسب في عملية التكييف.

وأضاف: لا بد من التوجه إلى الطاقة الحرارية الشمسية لتحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية، لأن استهلاك الفرد في الإمارات من المياه تقريباً 500 ليتر في اليوم وهو يُعدُّ من أعلى المعدلات العالمية.

مصدر مهم

من جهته أكد الدكتور وليد متولي أستاذ الهندسة النووية بكلية الهندسة في جامعة الشارقة، أن الطاقة النووية تعد من أهم مصادر الطاقة المستدامة، باعتبارها متوفرة طوال اليوم وبكثافة عالية، كما أنها من أقل مصادر الطاقة المسببة في الانبعاثات الكربونية، مبيناً أن جامعة الشارقة تدعم البرنامج النووي الإماراتي من خلال برنامج ‏بكالوريوس الهندسة النووية .

والذي بدأ في عام 2012 بهدف توفير مهندسين أكفاء للعمل في المجال النووي في دولة الإمارات وحتى يساهموا في التقليل من التحديات التي تواجه الإمارات في إنتاج الطاقة في الـ 50 عاماً المقبلة، مشيراً إلى أن الإمارات اتجهت إلى الطاقة النووية وذلك بإنشاء 4 محطات نووية سوف تمدها بربع احتياجاتها من الطاقة الكهربائية بهدف تنويع مصادرها وتقليل الانبعاثات الكربونية وتقليل الاعتماد على البترول.

حلول

بدوره أكد الدكتور رياض الدباغ المستشار بجامعة عجمان أن العالم يخطو تجاه استخدام الطاقة المتجددة التي هي مستقبل الأجيال، وأن الإمارات تمكنت من تحقيق طفرات في دمج الطاقة المتجددة لإنشاء مزيج فعال من الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. دوبين أن دولة الإمارات العربية المتحدة تعمل على خلق حلول مبتكرة ومستدامة، وتوفير سبل الانتقال السلس من مصادر الطاقة التقليدية إلى مصادر الطاقة البديلة، والذي سيساعد بدوره على تلبية الطلب المتزايد على المياه والطاقة في جميع أنحاء الدولة.

أنظمة ذكية

قال معالي سعيد الطاير: تعمل هيئة كهرباء ومياه دبي على توفير بنية تحتية متطورة لإدارة المرافق والخدمات في الإمارة عبر أنظمة ذكية ومترابطة تعتمد على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة مثل الذكاء الاصطناعي، والطائرات الروبوتية، وتقنية البلوك تشين، وتخزين الطاقة، وإنترنت الأشياء وغيرها في إطار رؤية الهيئة كمؤسسة رائدة عالمياً مستدامة ومبتكرة.

وتشكل الشبكة الذكية مكوناً أساسياً في استراتيجية الهيئة لتطوير بنية تحتية متقدمة تدعم مبادرة دبي الذكية لتحويل الإمارة إلى المدينة الأذكى والأكثر سعادة في العالم، حيث تضم الشبكة الذكية برامج باستثمارات تصل إلى 7 مليارات درهم سيتم الانتهاء منها في مراحل قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل حتى عام 2035.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طباعة Email