الخمسون بين زمنين من سيح السديرة إلى صحراء المريخ

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

الأحداث والخطوات التاريخية الشجاعة الكبرى تنقل المجتمعات من حال إلى حال، ومن زمن إلى آخر. وهذا ما حصل في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي توفقت بناسها، وكانت محظوظة بقياداتها، فتأمنت استمرارية النهج الوحدوي الذي وضعه الآباء المؤسسون، وتم البناء عليه، والاستثمار فيه، وتطوير بنيانه، فترسخت دولة الإمارات العربية المتحدة كياناً يفرض حضوره على المستويات، كافة: السياسية، والاقتصادية، والدبلوماسية، ويمتلك قوة ناعمة فاعلة ومشهودة.

وفي الواقع، لم يكن نشوء الدولة مجرد جمع بين إمارات متفرقة كما يتوهم البعض.. ولكنه كان انتقالاً تاريخياً بين زمنين؛ كان قفزة عملاقة من زمن ما قبل القرن العشرين، أو كما يقول المؤرخون وعلماء الاجتماع، انتقال من مجتمع ما قبل الدولة، إلى القرن العشرين وبناء دولة راسخة الأركان، وطيدة المؤسسات، ثابتة على احترام النظم الحديثة.

«مسبار الأمل».. رؤية ثاقبة بعيدة المدى بطموح يعانق الفضاء

يمكن الحديث عن النقلة التي تحققت في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال خمسين عاماً، من خلال مقاربات عدة:

أولها ومن أكثرها أهمية على الإطلاق، فرض واقع جديد في المنطقة. بمعنى، خلق واقع جيوسياسي جديد، وضع حداً لكل محاولات الهيمنة الخارجية، وثبت الهوية العربية للمنطقة، وكرس قيم تعايش وتسامح أتاحت إقامة علاقات إيجابية وبناءة مع شعوب المنطقة والعالم.

ثانيها، أن هذه الخطوة التي خلقت واقعاً جيوسياسياً جديداً، كشفت ووضحت حقيقة مهمة، وهي أن التكوينات الاجتماعية الموجودة في المنطقة، وقياداتها، لم تكن فعلاً مجرد قبائل ومشيخات خارج منظومة التاريخ. بل هي شعب واحد بآمال سياسية، عبرت عنها النظرة الاستراتيجية، التي اتصف بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مع الرؤية التنموية العميقة التي كان يحدس بها المغفور له الشيخ راشد من سعيد آل مكتوم، رحمه الله، والتجاوب الذي بادر به إخوانهما من الآباء المؤسسين.

ثالثها جاء بناء الاتحاد الذي أقره الآباء المؤسسون ليرسم سريعاً كيان دولة، لم تتأخر في الظهور، وفرض الحضور، وإثبات جدارتها وشرعيتها الوطنية، وتلبيتها لآمال شعبها، وتوقعات العالم منها.

وسرعان ما نشأت المؤسسات، والمنظومات التشريعية، والعلاقات الدولية، وأثبتت قيادتها الوطنية أنها قادرة على أن تقود قطار التنمية، والإشراف على التحولات الاجتماعية الضرورية، بأفضل مما كان يفعل أهل الوصاية.

رابعها أن قيادة هذه الدولة لم تكتفِ ببناء دولة، بل اجتهدت وعملت لكي تكون هذه الدولة نموذجاً يحتذى في المنطقة، وكياناً قادراً على تطبيق والتعامل مع أفضل النماذج السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموجودة في العالم. ويظهر هذا في الممارسة السياسية، وفي تأمين جودة الحياة والخدمات، واعتماد النظم والممارسات والنماذج الاقتصادية.

خامسها أن الدولة التي أنتجها هذا الاتحاد سرعان ما أثبتت متانتها الوحدوية، وسلامة الأسس التي قامت عليها. وحينما يتذكر دارسو هذه التجربة أنها نتجت عن لقاء في خيمتين أقيمتا في صحراء سيح السديرة، واحدة سميت بالخيمة الشمالية وكانت مخصصة للقاء المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، بينما خصصت الخيمة الجنوبية لإعداد الطعام والإعداد للقاء، يدرك أن صفاء الأنفس وصدق القلوب والنية الطيبة كانت حاضرة وضمنت البركة والنجاح لهذا الجهد المبارك.

لقد شهد القرن العشرون العديد من المحاولات الاتحادية في منطقتنا، وفي مناطق أخرى من العالم، وقف وراءها سياسيون وخبراء قانونيون ودستوريون، ولكنها باءت كلها بالفشل. ولكن ما قدمه المغفور لهما كان مختلفاً لأنه اتصف بالمرونة، ومراعاة الضرورات الاستراتيجية، والمتطلبات الجيوسياسية، دون التأثر بمصالحهما الشخصية.

سادسها أن دولة الاتحاد الوليدة، التي تأسست على أيدي الآباء المؤسسين، أمنت لنفسها استمرارية في النهج، وضمن قادتها أن يرثهم في الحكم قادة يبنون على البنيان ويعززونه، ويحملون الفكرة ويطورونها، ويستعرضون الأهداف الاستراتيجية ويحققونها، ويستنبطون أفكاراً جديدة من عمق التجربة ومن أصالتها ويسعون إلى تجسيدها على أرض الواقع. وهذا ما افتقرت إليه الكثير من التجارب المماثلة التي عبرت بالبلدان بين زمنين.

سابعها أن هذه الدولة التي نشأت من مصافحة تاريخية في خيمتين أقيمتا في العراء، أصبحت قبل أن تختم الخمسين الأولى من عمرها، عضواً رئيساً في المجتمع الدولي، ونافذاً في أروقته، متميزاً بدبلوماسيته.

ثامنها أن دولة الاتحاد الناشئة آمنت بالتفوق والتميز والعلم والابتكار، فوظفت الموارد لغايات تعليم الأجيال الجديدة، وتشجيعهم للتمكن من التخصصات الحديثة، وتمكينهم من تبوؤ المسؤوليات، فانتقلت في غمضة خمسين عاماً من قراءة الأثر على رمال الصحراء إلى قراءة المعطيات في الغلاف الجوي للكوكب الأحمر البعيد.

تاسعها أن دولة الاتحاد الناشئة تمكنت خلال مدة وجيزة من أن تتحول إلى ضامن رئيسي لسلاسل التوريد العالمية، من خلال موانئها ومطاراتها العالمية وبنيتها التحتية المتطورة، واستطاعت أن تثبت كفاءتها في هذا المضمار، وأن تصنع ثقة عالمية بقدراتها في هذا المجال. فأضحت بذلك واحدة من أعمدة الاقتصاد العالمي.

عاشرها تبنت هذه الدولة بكفاءة نماذج جديدة للأعمال لم تكن دول أخرى مشهود لها قادرة أن تتبناها وتطبقها. وابتكرت أخرى، وتمكنت من تعزيز ثقافة القيمة، ونشر مفاهيم الحوكمة في مجالات عديدة. واستثمرت في مفاهيم يعدها الآخرون مجردة، فأثبتت أن الإنسان والأمل من أكثر القطاعات أولوية وجدوى. كما أطلقت مبادرات لتشجيع القراءة والتعليم، إلى جانب استكشاف ممكنات التكنولوجيا الذكية الحديثة وتطبيقاتها المستقبلية.

في الواقع، لا يصعب على المتابع أن يدرك أن الإمارات بين زمنين، قبل الخمسين الأولى وبعدها، قطعت شوطاً طويلاً في البناء والإنجاز، وتجاوزت ذلك إلى فرض الحضور والدور، واحتلت مكانة مرموقة في المجتمع الدولي، وكذلك في قلوب كل محبي النجاح والمعجبين بمآثر إنسانية.

مرحلتان رئيستان خمسينيتان، واحدة مضت بالخير والإنجاز في أرض الإمارات الطيبة، وثانية تعد بصناعة المستقبل من المريخ، وبأياد إمارتية طيبة.. هذه هي المسيرة الإماراتية بين زمنين. وهذا هو تاريخ مأثرة الاتحاد الإماراتية التي انطلقت من صحراء سيح السديرة، فأتمت وعودها، وأوفت بعهودها. وتبدأ اليوم انطلاقة جديدة، من صحراء المريخ، على بعد 600 مليون كيلومتر من سيح السديرة، مكللة بوعود وعهود جديدة، لن تخيب.

وفي الواقع، لا رقم يعبر عما اجتازته وقطعته الإمارات خلال الخمسينية الماضية أفضل من هذا الرقم. ستمائة مليون كيلومتر من سيح السديرة؛ وهذا الرقم لا يعبر فقط عن المسار الذي اجتازه «مسبار الأمل» في رحلته نحو مهمته المريخية، ولكنه قبل ذلك رقم يعبر عن الرؤية الثاقبة بعيدة المدى التي تميزت بها القيادة الرشيدة، وعن مدى مسار الإنجاز الإماراتي التي قادته روح الاتحاد، التي أرساها الآباء المؤسسون.

وهنا تجد مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الشهيرة مكانها البليغ في سياق تاريخ دولة الإمارات «بدأنا الخمسين السابقة من صحراء سيح السديرة.. ونبدأ الخمسين الجديدة من صحراء المريخ».

وهذه لم تكن مجرد عبارة قيلت بلا حساب. إنها عبارة جاءت في سياق محكم، هو خلوة الخمسين التي ترأسها سموه مع أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لاعتماد دورة جديدة للأجندة الوطنية، التي تتضمن مشاريع استراتيجية وتحدد التطلعات الوطنية للخمسين المقبلة.

الخير يأتي من هناك

يتذكر أهل الحكمة أن التاريخ يحب أن يبعث برسائله على شكل معانٍ ومغازٍ بليغة؛ وهذا ما حصل على مشارف الاحتفال بإكمال خمسينية ظافرة، وبدء خمسينية واعدة، حينما تم الإعلان عن اكتشاف مكمن جديد بمخزون ضخم للغاز الطبيعي بين منطقة سيح السديرة، التي شهدت الاتفاق على فكرة الاتحاد، المأثرة الأولى، وأم كل الإنجازات. وبين منطقة «جبل علي» المحاذية، بما يوثق المصلحة الاتحادية المشتركة، ويقدم مزيداً من الإرث في بناء دولة الاتحاد وتعزيز أركانها.

لقد كانت هذه مناسبة أعادت الذكرى التي لا تغيب لذلك اللقاء التاريخي، الذي سجلته منطقة سيح السديرة أو عرقوب السديرة، الواقعة بين إمارتي أبوظبي ودبي، في 18 فبراير عام 1968، بين المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما؛ للإعلان عن قيام اتحاد يجمع إمارتي أبوظبي ودبي كنواة أولى لدولة الاتحاد، التي نشأت ثمرة لاجتماعات لاحقة، وأعلنت في الثاني من ديسمبر 1971.

نظرة استراتيجية ورؤية تنموية

في سيح السديرة اجتمعت النظرة الاستراتيجية، التي اتصف بها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، مع الرؤية التنموية العميقة التي كان يحدس بها المغفور له الشيخ راشد من سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراه، فأوجدا في التقاء مواقفهما منصة جامعة تداعى إلى دعمها إخوانهما الآباء المؤسسون.

ومن اختيارات التاريخ أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كان شاهداً وحاضراً على لقاء سيح السديرة، وأسهم في الإعداد للقاء التاريخي، ومن أبرز حراس سره، وضامني نجاحه. وبعد إنشاء دولة الاتحاد اضطلع بمسؤوليات حمايتها، وبناء قوتها.

وقد اضطلع سموه، إلى جانب إخوانه حكام الإمارات، طوال عقود لاحقة على تاريخ المأثرة الإماراتية، بقراءة مستقبل الدولة الاتحادية، ورؤية إمكانياتها في سياق استشراف المستقبل. وقد أثمرت هذه الجهود عن بناء نهج مستدام ورؤية متمكنة قادرة على وضع الدولة الناشئة على طريق خمسين عاماً جديدة مليئة بالبشر.

تحقق ذلك برعاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبدعم وعزيمة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى، حكام الإمارات.

وبطبيعة الحال، لا يكتمل الحديث عن الإمارات بين زمنين دون تناول كلمات صاحبي السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، «خلوة عام الخمسين»، التي توجت بالطموحات التي عبّر عنها قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «في الخمسين الماضية بدأنا من صحراء الإمارات ووصلنا إلى صحراء المريخ وفي الخمسين المقبلة ستكون أحلامنا أكبر».

طباعة Email