التشكيل الإماراتي في ظل الاتحاد.. إبداعات «رقمية» متفردة وآفاق تطور نوعي

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

عززت دولة الإمارات، منذ قيام الاتحاد، بمبادراته ومؤسساته المتنوعة، قدرة التشكيليين الإماراتيين على التأسيس لحركة تشكيلية نوعية، راحت تقطع أشواط تطور واغتناء ثرية متميزة منذ البدايات، ذلك حتى وصلت حالياً، بفضل دعم قادة دولتنا وتحفيزهم للإبداع وأهله، وبجانب دور المبادرات المتنوعة والفعاليات المتخصصة بالمجال في مختلف مدن الدولة، إلى مستويات رفيعة، هي فعلياً نتاج للحراك الفني التشكيلي المتفرد الذي توفر بفضل ذاك الدعم وتلك المبادرات وفي ظل الجهود والتوجهات الرسمية الهادفة إلى تنويع آفاق تطور الفنون التشكيلية ومهارات المبدعين في الحقل، لتكون في مواصفات ومقاييس عالمية ومواكبة لأحدث التقنيات والقفزات في المجال، وهكذا أصبحنا نجد فناني الإمارات يحصدون أهم الجوائز في هذا الصدد، ويوظفون أحدث التقنيات الرقمية باقتدار وحرفية عاليين، لإنجاز لوحات وأعمال مفاهيمية مبتكرة.

في رصدنا لمسيرة ارتقاء الفن التشكيل الإماراتي، نجد أنه ظهر العديد من الفنانين الإماراتيين، الذين وصلت تجاربهم إلى العالمية فحجزوا مكانة دولية رفيعة لهم، في سباق الإبداع التشكيلي الذي يجمع بين الأصالة والتطور التقني، فمن بينهم من رصد في لوحاته التراث والبيئة الإماراتية، وكذا من تحرر من واقع التجارب الواقعية مستخدماً التقنيات الحديثة في أعماله.

ومن المؤكد أن جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، التي تأسست في العام 1980، لعبت كبير الدور في إثراء تجارب الفنانين، على اختلاف اتجاهاتها، كما دعمت وزارة الثقافة والشباب تجارب الفنانين إلى جانب العديد من المؤسسات الأخرى، من بينها "ثقافية دبي" والمجمع الثقافي بأبوظبي (في ما بعد دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي)، ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، وغير ذلك الكثير من المؤسسات والهيئات الموزعة في أنحاء الإمارات.

مسارات فنية

فرزت الحركة التشكيلية جيل الرواد من بينهم عبدالقادر الريس، والفنان عبدالرحيم سالم والفنانة د. نجاة مكي، بجانب تجارب غيرهم من الفنانين الرواد أمثال الفنان الراحل حسن شريف، التي شكلت تجربته تحولاً في مسار الحركة التشكيلية في الإمارات، فبعد تخرجه عام 1984، أسهم حسن شريف في بث روح جديدة في أجواء الفن التشكيلي بين الأجيال الجديدة في الإمارات، فقام بتأسيس مرسم الفن في مسرح الشباب في دبي، كونه ملتقى فنياً وفكرياً للفنانين والمفكرين في الفن الحديث، وأسس مجموعة «الخمسة» للفن المفاهيمي والتي شملت كلاً من محمد كاظم، ومحمد احمد إبراهيم، وعبد الله السعدي، وحسين شريف.

وقدم في ما بعد كل فنان من فنانين مجموعة «الخمسة» أعمالاً تحاكي الحداثة، واعتمد بعضهم على استحداث التكنولوجيا في الفن. وقد اقتنى متحف جوجنهايم أبوظبي، الذي من المقرر أن يفتتح في السنوات المقبلة عدداً لفنانين إماراتيين من بينهم محمد كاظم.

تأثيرات تقنية

التغير في عالم الفن يتزايد، ويواكبه مبدعو الإمارات بحرفية واقتدار بفضل دعم المؤسسات والهيئات والمبادرات الاتحادية، فالتطورات التكنولوجية كثيراً ما تلقي بظلالها على عالم الفن، إذ كان لاختراع الكاميرا أثر كبير على الفن التشكيلي، ومن ثم جاء تأثير الكمبيوتر الذي اعتبره البعض مجرد وسيلة عند استخدام برامجه المتنوعة لإنتاج الفن الرقمي، فهو بحسب رأيهم لا تلغي دورهم باعتبار أن هذه البرامج مثل الأدوات الفنية الأخرى كالفرشاة والألوان.

وأمام كل هذا كان للفنان الإماراتي التفاعل الكبير، خاصة بالنسبة لجيل الفنانين الشباب، الذين واكبوا التطورات العالمية الحاصلة في عالم الفن، وقدموا رؤيتهم المتناسبة مع العصر الذي يعيشونه، وإن كان هناك رفض محلي أو دولي للانسياق وراء التقنيات، بما ينعكس سلباً على الفن، إلا أن هذا كما يرى البعض مجرد رأي لا يمكن الاستناد إليه، للوقوف بوجه التغيرات والتطورات التكنولوجية، التي تنعكس على مجالات عدة، بما فيها الفن التشكيلي.

مسيرة تشكيلية

الفنانة د.نجاة مكي التي تعتبر أول امرأة إماراتية تحصل على منحة من الحكومة الإماراتية لدراسة الفنون بالخارج عام 1977، والتي شغلت خلال مسيرتها العديد من المناصب الثقافية والفنية، بجانب عضويتها في العديد من المؤسسات، ورئاسة إدارة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في إحدى الدورات، تعتبر شاهداً على مسيرة الفن التشكيلي في الإمارات منذ البدايات إلى الآن عن هذا قالت في حديثها لـ«البيان»: في بدايات الفن التشكيلي في الإمارات كنا مجموعة من الفنانين، وعملنا بما يتناسب مع الظروف في تلك الفترة، وهو تقديم الأعمال المستوحاة من التراث المحلي، وكان المجمع يتقبل ويتفاعل مع الأعمال التي تعبر عن البيئة.

وأضافت: لكن الأعمال الفنية أخذت منحى واتجاهاً مغايراً مع الفنان الراحل حسن شريف ويرجع هذا إلى دراسته وتأثره بالفن الأوروبي، ووصفت مكي أن ظاهرة الاختلاف ظاهرة صحية في الفن التشكيلي.

وذكرت: منذ البدايات تعددت المعارض الفنية التي أقيمت في الدولة، من خلال المؤسسات التعليمية ووزارة الإعلام في ذلك الوقت، أو الاتحاد النسائي العام وغير ذلك.

وبينت: تم دعم الفنانين الإماراتيين، الذين عادوا من دراستهم في الخارج بجانب دعم الفنانين العرب المتواجدين في الدولة، وكل هذا ساهم في نشر الفن والثقافة.

وأضافت مكي: أصبح الآن العالم منفتحاً على تقنيات ومجالات متنوعة، وبعد أن كان هناك مدارس حديثة عدة مثل الواقعية والسريالية غيرها، أصبح الآن يوجد أعمال تندرج بما يعرف بفن ما بعد الحداثة.

وأضافت: أصبح من الممكن أن يتطرق الفنان إلى الموضوعات التي لا تخطر على بال، فالعقول منفتحة بفضل التقنيات الحديثة.

وتابعت: في كل دقيقة تظهر برامج تقنية خاصة تغير مجرى حياة الفن، لدرجة أن أصبح هناك قدرة على تجسيد العالم الافتراضي كاملاً على المسرح. وذكرت: أصبح الفنان حراً الآن، في ظل وجود جيل جديد يتعامل منذ الطفولة مع التقنيات الحديثة.

الفن الرقمي

الفنان جلال لقمان الذي يعد الأول في استخدام الفن الرقمي في الإمارات وفي العالم العربي قال عن هذه التجربة: في البداية كان من السهل عليّ أن أستخدم المواد التقليدية التي سبقني الأساتذة من الفنانين باستخدامها، ولكنني كنت أطمح إلى أن يكون لي بصمتي الخاصة.

وأضاف: كنت في ذلك الوقت أستخدم الألوان المائية والزيتية والفرشاة الهوائية في تنفيذ أعمالي الفنية.

وتابع: وكنت أستخدم الكمبيوتر في تصاميمي، فقررت أن أكون أول فنان إماراتي يستخدم تقنية الكمبيوتر، وكان هذا صعب في الإمارات وفي العالم لأنه لم يكن معترفاً بالفن الرقمي على أنه مادة فنية ونتاج فني ينتج عن تفكير، إذ كانت النظرة أن الفن الرقمي يعتمد على الكمبيوتر.

وذكر: هذا ما حدث في السبعينيات من القرن الماضي عند استخدام الفرشاة الهوائية التي لم يكن معترفاً بها، ولكن في ما بعد أثبتت مكانتها.

وقال لقمان: أثبت مكانتي ولم أكن الأول في فن الكمبيوتر في الإمارات فقط إنما في العالم العربي، بعد أن كانت النظرة إلى أن الفن الرقمي ليس بفن.

وأضاف: أقمت العديد من المعارض التي قدمت فيها أعمالاً فنية بالألوان ومنحوتات بالخشب أو الحديد وأثبتُ أن إنتاجي بالفن الرقمي هو حصيلة خبرتي بالمواد الأخرى.

وتابع: هناك متطفلون على هذا الفن لا يمكن لهم أن ينجحوا بأي عمل بدون استخدام الكمبيوتر، وشدد على أن هذا المشوار لم يكن سهلاً، وتحدي الناس كان الوقود الذي جعلني أستمر وأثبت هذا الفن.

طباعة Email