في الوقت الذي تسارع عجلة التكنولوجيا خطاها، وتفتح علينا أبواب العالم بشتى ما فيه، يواجه مجتمعنا التطور بصدر رحب، فيواكب التطور بالتعامل مع جميع صنوفه رغم ما قد يشكله من مخاطر ربما تجلب الويلات على العائلات والأسر، خصوصاً تلك التي لا تراقب وتتابع أبناءها أولاً بأول، علاوة على أن كثيراً من الأهالي لا يدركون أن إهمال أبنائهم خلف الشاشات قد يقودهم إلى السجن.

متخصصون وقانونيون أكدوا أهمية مواكبة التقنيات الحديثة ذات الإيقاع السريع عالمياً، مشددين على ضرورة اقترانها برقابة أسرية ومؤسسية لحماية الأبناء من المخاطر والسلبيات التي قد تطال الثقافة الوطنية والمنظومة التربوية للمجتمع. وأشاروا إلى أن بعض المنصات والتطبيقات الإلكترونية ينحصر اهتمامها بتحقيق الأرباح المادية بمعزل عن المخاطر التربوية للمحتوى الذي تقدمه.

والذي قد يكون محتوى إباحياً أو عنيفاً يكرس مفاهيم خاطئة لدى الناشئة وينعكس في مآله النهائي على أمن واستقرار المجتمع. المستشار فيصل محمد الشمري رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية الطفل، يرى أن مواكبة التقنيات الحديثة أمر حيوي.

لكن يجب أن يقابلها تعزيز التواصل والرقابة «الأبوية»، وبناء وعي ذاتي لدى الأطفال، معتبراً المسؤولية المجتمعية «مشتركة» تتقاسمها الأسرة، ومؤسسات المجتمع المدني، وشركات الاتصالات والمؤسسات. ولفت إلى أهمية تفعيل خصائص أمنية رقمية لمنع عرض المصنفات لفئات عمرية أكبر من عمر الأبناء.

ثقافات مختلفة

وقال الدكتور السيد بخيت أستاذ الإعلام بجامعة زايد، إن ثورة التكنولوجيا والمعلومات أفرزت ظواهر جديدة، وبقدر ما حملت من فوائد للمجتمعات، إلا أن لها تأثيرات سلبية مباشرة على قيم هذه المجتمعات وسلوكيات وتقاليد وعادات أفرادها، مما يقتضي ضرورة الوعي بهذه التأثيرات، وتعظيم الإيجابيات، والعمل على الحد من سلبياتها، وخصوصاً تلك التي تمس القيم والتقاليد والأعراف والأديان.

وذكر أنه لكل منظومة تكنولوجية وإعلامية سياق مجتمعي وثقافي يصدر عنها ويمثلها، ومن ثم فإن المنتجات الثقافية والإعلامية التي تفرزها وسائل كل مجتمع تختلف عن غيرها من الوسائل التي تصدر عن مجتمعات مغايرة، وهو ما يعني ضرورة الحذر.

ولا تجد موزة الشومي نائب رئيس جمعية الإمارات لحماية الطفل، مبرراً لأولياء الأمور في حال غياب الرقابة عما يشاهده أبناؤهم، مشيرة إلى وجود العديد من التطبيقات المتوفرة على الإنترنت وتلك التي توفرها الجهات المعنية في الدولة الخاصة بتفعيل خاصية الرقابة على ما يتصفحه الأبناء، مروراً بالمدة الزمنية التي يقضيها الابن أو الابنة على الأجهزة، علاوة على تفعيل الحوار داخل المنزل والتنبيه على ما هو مفيد وغير المفيد مع إحكام الرقابة على ما يشاهده الطفل قبل سن الـ12 والعمل على تعزيز الرقابة الذاتية للأبناء من سن 12 إلى 18 دون أن تغيب الرقابة الأبوية أيضاً لكن بشكل غير مباشر.

مؤكدة أن تعرض الطفل للإساءة نتيجة الإهمال وعدم المتابعة للانشغال وخلافه جريمة يعاقب عليها قانون حماية الطفل وديمة، حيث أفرد المادة 35 للإهمال. ونصت المادة 60 من ذات القانون انه يعاقب بالحبس أو الغرامة التي لا تقل عن (5.000) خمسة آلاف درهم كل من خالف حكم من أحكام البند (2) من المادة (11) أو المواد (28) أو (34) أو المادة (35) أو البند (2) من المادة (42) من هذا القانون.

ويؤكد محامون أن مدة السجن لم تحدد بالقانون وأنها عقوبة تقديرية يحددها القاضي.

وفيق البابا نائب رئيس مؤسسة حماية للمرأة والطفل في عجمان، أوضح أن غياب القدوة والرقابة الأسرية وطغيان وسائل التقنية وتعدد سبل المشاهدة تزيد من حدة مواجهة خطر المحتوى الرقمي غير اللائق الذي يتعرض له الأطفال عبر منصات الفيديو والألعاب الإلكترونية، وما تخلفه من نتائج كارثية تهدد منظومة القيم وتصيب الهوية في مقتل.

لافتاً إلى أن التعامل مع الأطفال عبر المواقع فرصة لزرع الأفكار الهدامة والسلبية بشكل تدريجي دون دراية من الأهل ما يتمخض عنها سلوكيات كالتمرد وعدم إطاعة الوالدين تحت بند الحرية الشخصية وخلافه من الأفكار التي تمرر عبر ما يتابعه الأبناء بغفلة عن ذويهم، لافتاً إلى تلقيهم العديد من الحالات التي يكتشف الأخصائيون أن المعضلة الرئيسية منذ البداية هي غياب وليس ضعف الرقابة.

وقال إنهم تقدموا بمقترح خاص بالجهات المعنية بالاتصالات في الدولة بتخصيص قسم للمتعاملين «أولياء الأمور» مهمته تسجيل الهاتف عند شرائه باسم قاصر والعمل بشكل فوري على إغلاق كل المنصات والتطبيقات ليتم التحكم في كل ما يتم مشاهدته وحظر الدخول إلى أي مواقع منافية وتتضمن محتويات غير لائقة، ما يجعل الرقابة محكمة بنسبة تزيد على الـ80% دون الاتكال في هذه الجزئية على الأهل بمفردهم، مثمناً في السياق ذاته الجهود الحكومية التي تبذل في هذا الإطار.

مبادرات وقوانين

وترى المستشارة القانونية زينب الحمادي، أن دولة الإمارات أولت حماية الطفل أهمية خاصة، ودعمت هذه الحماية بقوانين رصينة تضمن لهم حق الحياة والأمان والحماية من أي شكل من أشكال الإساءة أو الاستغلال، مشيرة إلى أن متابعتهم مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على كاهل أولياء الأمور والجهات المسؤولة لإحكام السيطرة على بعض المنصات والمواقع التي تقدم محتويات غير لائقة لا تخضع في العادة للرقابة كونها متوفرة ضمن بعض الألعاب والمنصات.

المستشار القانوني سعيد حسين الأحبابي، يرى أن على المجتمع حماية الأطفال من الأفكار المنافية لمنظومة القيم الأخلاقية.

والتي يقول إنها آتية للأسف بقوة نتيجة للتدفق المعلوماتي عبر وسائل التقنية الحديثة مستهدفة قيم المجتمع وأخلاقه و ثوابته لا سيما فئة الأطفال. الأحبابي رأى أن الحل يكمن في التصدي وبشكل حاسم ودون مواربة فيه ولا تمييع للأمور، تحت ذريعة الحرية الشخصية أو أي ذريعة أخرى، مشدداً على ضرورة وجود متابعة حثيثة من الأهل، يرافقها الإرشاد والنصح والتربية القويمة، لغايات بناء جيل متسلح بالمعرفة والعلم والوعي قادر على صون وحماية مجتمعه.

إجراءات ضرورية

ويتحدث المستشار القانوني معتز أحمد فانوس، عن حرص المشرع الإماراتي عبر اللائحة التنفيذية الصادرة عام 2018 لقانون 3 لسنة 2016 بشأن حماية الطفل ومن أجل التصدي للمحتوى غير المناسب، ومن واقع التجربة يرى فانوس ضرورة قرع ناقوس الخطر حفاظاً على أبنائنا ومجتمعنا وقيمنا، ولا سيما بعد انتشار منصات تروج للمثلية والإباحية والعنف والتنمر بذرائع مختلفة منها تقديس الحرية الفردية والانفتاح.

مؤكداً في هذا السياق أهمية الانفتاح والحرية بيد أنه يرى أنها يجب أن تكون بضوابط وشروط.المستشارة النفسية والأسرية هيام أبو مشعل، تجد أن التحديات كثيرة في عصر التطور والتقدم التكنولوجي السريع وأخطرها الأفلام التي تتضمن مشاهد غير لائقة، محذرة من غياب الوعي والمعرفة لكون هذه البرامج المقدمة تلعب دوراً في تنمية الاضطرابات السلوكية الانفعالية لدى الأطفال وتهدد عقولهم وأفكارهم وصحتهم النفسية وتقديرهم للذات والثقة بالنفس.

وذكرت أن المحتوى غير اللائق يوثر في بناء شخصية الطفل، خصوصاً في المرحلة الأولى والتي تمتد منذ الولادة حتى خمس سنوات من عمره، وهي مرحلة مهمة جداً في بناء الشخصية وتحديد الاهتمامات وتنمية السلوك ومن ثم تزداد العوامل المؤثرة على أطفالنا خطورة من هذه المرحلة حتى مرحلة المراهقة.

تأثير سلبي

من جانبها تحدثت الدكتورة بدرية الظنحاني أخصائية نفسية للأطفال والمراهقين، عن التأثير السلبي على الصحة العقلية وبالتالي القدرة على الإدراك والانتباه، مشددة على الاستخدام الآمن لوسائل التقنية الحديثة من خلال فرض رقابة والدية محكمة، في عصر ترى أن ما يهيمن عليه هو عرض بعض المواد التي لا تتناسب مع الأطفال، مهيبة بمراقبة لمحتوى المنصات التي يتصفحها الأطفال من خلال تفعيل هذه الخاصية كون المحتوى الذي يعرض قد لا يتناسب مع المراهقين.

أما ولية الأمر أسماء راشد، فتعتقد أن غياب الرقابة وضعف الوازع الديني تركا مساحة كبيرة للغزو الفكري القادم من الأفلام التي تعرض، وهنا تتعاظم مسؤولية الأهالي.

محمد أحمد البستاوي معلم اللغة العربية، الحاصل على الماجستير في التعليم الإلكتروني، يعتقد أن الحماية مرهونة بمدى متابعة الأسر لكل ما يتابعه أطفالهم بل ومراجعة كل ما تمت مشاهدته، مع التنبيه والتوعية المستمرة يداً بيد مع المدارس وأجهزة الدولة المختلفة، مؤكداً أن هذا الإجراء «واجب وإلزامي» في ظل الكم الكبير من القنوات التي تقدم الغث والسمين، والذي يمكن أن يكون له الكثير من التأثيرات السلبية والمؤذية من الناحية الأخلاقية والتربوية والاجتماعية.