تماشياً مع مبادرة الإمارات لتحقيق الحياد المناخي بحلول 2050، والتي تأتي تتويجاً للجهود الهادفة إلى الإسهام بإيجابية في قضية التغير المناخي، أكّد عدد من المختصين في المجال التربوي، استطلعت «البيان» آراءهم، أن توظيف «التعليم الأخضر» في المؤسسات التعليمية، يكون من خلال التركيز على 5 مجالات، تتمثل في إدراج «التربية البيئية» في المناهج الدراسية، واعتماد استراتيجية التدريس الخضراء، وتوظيف التكنولوجيا الخضراء، وتسليح الطلبة بالمهارات الخضراء، وتطبيق التعليم في بيئة طبيعية خضراء ، وأضافوا أنه ينبغي تخضير المناهج الدراسية، لتحقيق تنمية اقتصادية مبدؤها التكامل بين الاقتصاد والبيئة.

 

وتشير نتائج بحوث عالمية، إلى أن المدارس التي تعتمد على التعليم الأخضر (المقصود به البيئي)، أفضل في الأداء الأكاديمي من غيرها، حيث يساعد هذا النوع من التعليم، على تنمية التفكير الإبداعي، وتعزيز الصفات القيادية، وتنمية مهارات متعددة، وهو وسيلة فعالة للتعليم الممتع، من خلال مشاركة الطلاب في أنشطة خضراء، ومشروعات تعليمية، ورحلات وألعاب ومسابقات وجوائز، واحتفالات.

دراسة

وأصدر المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج، دراسة في استراتيجيات تدريس اللغة العربية للصفوف (7 - 12)، تمخضت عن إعداد حقائب تدريبية، منها التعليم الأخضر، حيث يعمل على تطوير شقين، الأول خاص بالبرامج البيئية من مبانٍ وطاقة وتشجير وخدمات، والآخر خاص بتطوير العملية التعليمية بالتقنيات والتطبيقات والاستراتيجيات والممارسات المرتبطة بمفهوم التعليم الأخضر، وقد بدأت كثير من الدول في اعتماده في مؤسساتها ونظامها التعليمي.

متعة التعليم

وأوضح الدكتور معاطي نصر العميد الأسبق لكلية التربية جامعة دمياط، وأستاذ مناهج وطرق تدريس اللغة العربية، أنه من أجل تحويل المدرسة إلى بيئة تعليمية جاذبة، لا بد من تطبيق التعليم الأخضر ومتطلباته، والتعليم الممتع واستراتيجياته، فضلاً عن استخدام استراتيجيات التعليم الإلكتروني، ودمج الألعاب الإلكترونية في المناهج الدراسية.

وقال إن «التعليم الأخضر»، يركز على متعة التعليم، من حيث المكان والزمان، وجاذبية المحتوى، واستخدام استراتيجيات حديثة في التدريس، محورها المتعلم، وممارسته أنشطة تعليمية هادفة شائقة ومحببة، سواء داخل الفصل أو خارجه، في مناخ تعليمي تسوده البهجة والسرور، ويتحرر فيه المتعلم من الرهبة والخوف، ويشعر فيه بمتعة النشاط وبهجة التعلم، وهذا يعني أن التعليم الأخضر، يحتاج إلى مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن أن يطلق عليها اسم «استراتيجيات التعليم الممتع».

وأوضح معاطي، أنه في ظل الثقافة غير المستدامة التي تشيع بين كثير من طلاب المدارس، ينبغي تخضير المناهج الدراسية، ودمج مبادئ التنمية المستدامة وقيمها وممارساتها في جميع جوانب التعليم والتعلم، وتطبيق هذا النوع من التعليم على نطاق واسع، للحد من خطر التدهور البيئي، واستنفاد الموارد، في ظل التصنيع السريع، والتطور التكنولوجي، اللذين كان لهما تأثيرات سلبية في أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدام.

وأضاف أن أهم مرتكزات تطبيق «التعليم الأخضر»، تتم من خلال إدراج «التربية البيئة» في المناهج الدراسية، والتركيز على موضوعات التنمية المستدامة بمفهومها الشامل، وأبعادها البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية، وإكساب المتعلمين القيم والمضامين الإنسانية والعالمية، في ضوء روح العصر وتحدياته، وعلومه المتجددة وتطوراته، بحيث تعكس المناهج الدراسية مظاهر التقدم التكنولوجي ومتغيراته، ويستطيع المتعلم مواجهة تحديات القرن الحالي ومشكلاته وصراعاته، وتشجعهم على القيام بممارسات مستدامة في الاستهلاك والإنتاج.

استراتيجيات التدريس الخضراء

وقال الدكتور عيسى الحمادي مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج: إن استراتيجيات التدريس الخضراء تعزز انتشار نموذج «التعليم الأخضر»، وتتمثل الاستراتيجيات في التركيز على حل المشكلات البيئية، واستراتيجية المشروعات البيئية، والنزعة الاستهلاكية الخضراء المؤثرة في الحفاظ على البيئة، مثل الاستهلاك الأخضر، الذي يتطلب ترشيد استهلاك الطاقة، والنقل، وتجنب النفايات، وترشيد الاستهلاك اليومي، وإعادة التدوير.

الألعاب الرقمية

ولفت إلى أن استراتيجيات التدريس ترسخ السلوكيات الإيجابية في نفوس الأفراد، لأنها تحض الطلبة على الوعي بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية، ويمكن استخدام استراتيجية الألعاب الرقمية في تعليم اللغة القائم على مهام التكنولوجيا الخضراء، حيث توفر هذه الألعاب بيئات نشطة للتفاعل الاجتماعي، ولعل من أبرز الألعاب الرقمية باستخدام الهاتف المتنقل، لعبة التكنولوجيا الخضراء، ذات البعد المستقبلي، التي تربط مشروعات التكنولوجيا الخضراء بالاستدامة البيئية، وتبدأ اللعبة بنقل المتعلم إلى عصر لاحق عام 2070، وفيه يجد معاناة كوكب الأرض من تدهور بيئي هائل، ثم ينتقل وكلاء اللاعب في الوقت المناسب إلى العام الحالي، من أجل المشاركة في مشاريع التكنولوجيا الخضراء الموجودة في البيئة الحالية.

التكنولوجيا الخضراء

وتطرق الحمادي إلى أهمية اعتماد التكنولوجيا الخضراء، المتمثلة في تقنيات نظيفة، ومنتجات تكنولوجية صديقة للبيئة، موضحاً أنه في التعليم الأخضر، يمكن استخدام التقنيات الحديثة في تدريس موضوعات الاستدامة، مثل منصات التعلم الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الواقع الافتراضي، والأجهزة والآلات التي تتيح الفرصة للمشاركة في موضوعات متعددة التخصصات، وصياغة الدروس التعليمية في صورة حوارات صغيرة، فضلاً عن التدريبات العملية، التي تؤدي إلى تغييرات سلوكية، من خلال التعلم عن طريق العمل أو التعلم من الأخطاء.

فرصة للباحثين والأكاديميين

وأفادت مهرة المطيوعي مدير المركز الإقليمي للتخطيط التربوي، بأن تعميم تجربة «التعليم الأخضر» على المؤسسات التعليمية، تساعد على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، البالغة 17 هدفاً مترابطاً، صممت لتشكل «خارطة طريق لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة لكافة البشر»، التي وضعتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015، والمراد تحقيقها بحلول عام 2030، وهي جزء من قرار للأمم المتحدة، يسمى «جدول أعمال 2030».

وأوضحت أن «التعليم الأخضر»، بصفته منتجاً عصرياً، يسعى إلى تنمية نشء قادر على تحمل أعباء الحفاظ على البيئة، ويتولى تعزيز الثقافة البيئية داخل المجتمع، بما يضمن إيجاد حلول للمشاكل البيئية، ويسهم في الوقت ذاته، بدفع عجلة التنمية الاقتصادية الخضراء، لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة، تقوم على مبدأ التكامل بين الاقتصاد والبيئة، وذلك من خلال رفد سوق العمل بخريجين ذوي مهارات بيئية، يمكن توظيفها في بناء استراتيجيات خضراء للمؤسسات الاقتصادية.

وأوضحت أن التعليم الأخضر، فرصة حقيقية للباحثين والأكاديميين، للتوسع في مجال إجراء الدراسات العلمية البيئية المتخصصة، الأمر الذي من شأنه تحسين مفهومهم لمعنى الاستدامة البيئية والاستراتيجيات التعليمية الخضراء، وكذلك يمكّن التعليم الأخضر المؤسسات التعليمية والدول المطبقة له، من تبوؤ مكانة أعلى في المحافل الدولية، وجعلها أكثر تأثيراً، بصفتها ستسعى إلى استحداث واستقطاب الوسائل التكنولوجية الحديثة، التي تنسجم مع مفهوم التعليم الأخضر.

وذكرت أن «التعليم الأخضر»، تعليم منفتح على الطبيعة، والتعليم في الهواء الطلق، ويعتبر تعليماً من خلال التجربة، وهذا النوع من التعليم، يختلف عن التعليم التقليدي، حيث يركز على كل أنواع التعلم خارج غرفة الصف، ويتضمن أنشطة ترفيهية، مثل: المشي لمسافات طويلة، وركوب القوارب، والتسلق، والسباحة، والألعاب الجماعية، وزيارة الحدائق، والمشاركة في رحلات ميدانية في بيئة طبيعية، أو زيارة المتاحف.

نقلة نوعية

وأكدت هيام عامر الحمادي مديرة مدرسة باحثة البادية للتعليم الثانوي، أن تطبيق «التعليم الأخضر»، يخدم محوري التعلم والمتعلم، لأنها قادرة على إحداث نقلة نوعية في البيئة التعليمية، من حيث متعة تعلم الطالب، وإكسابه أسلوب حياة دائماً، مع معايشة الواقع الفعلي، بنموذج حي قادر على إحداث النقلة النوعية، والتي تطمح لها الرؤى والطموحات المستقبلية، بأن يكون الطالب قادراً على بناء المستقبل الواعد، والعمل على مواكبة المستجدات، والتغلب على التحديات، ووضع الحلول والبدائل، وقدرته على بناء المهارات المستقبلية في فكر الجيل القادم، في شتى المجالات.

وذكرت أن «التعليم الأخضر»، سيعمل على المحافظة على بيئة نقية، وأبناء أصحاء، واستثمار أمثل، والمساهمة في المستقبل القادم، برسم الخطوط العريضة من قبل المتعلم، والتمتع من أجل تعلم فعال، لإحداث التحول النوعي الفعال للمستقبل، من خلال توظيف المساحات الخضراء، والتعليم خارج الصف الدراسي، بالإضافة إلى وضع الخطط، وتبني المبادرات الداعمة، والتي تمكّن الطالب من هذا النوع من التعلم، الذي يعتبر نوعاً أساسياً من الاستراتيجيات المطبقة لهذا النوع من التعليم.