«نيويورك تايمز» تنافس في تخمين الكلمات

الصحافة في لعبة

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد اقتحام صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية المجالين المرئي والمسموع، كغيرها من الصحف، بهدف الوصول لجمهور أوسع، انتقلت أخيراً لمجال الألعاب على الإنترنت، بشراء لعبة «تخمين كلمات» تدعى «ووردلي»، حققت نجاحاً باهراً في الفترة الأخيرة، فما الذي ستحققه الصحيفة من ذلك، وهل ستتمكن اللعبة من تحقيق آمالها في جذب الاشتراكات أو زيادة الإيرادات؟ (دبي - نهى حوّا)

ورغم أن عالم «حل الكلمات المتقاطعة» وأمثالها ليس جديداً على الصحف، تبدو «نيويورك تايمز» عازمة على الاستفادة منها في عصر الإنترنت بحيث دفعت رقماً يصل إلى تسع خانات.

ووفقاً لموقع «نيو جيرسي.كوم» الأمريكي، تعد لعبة «ووردلي» التي انطلقت في أكتوبر 2021 على موقع بريطاني، طقساً يومياً لملايين البشر. في بداية نوفمبر 2021، شارك في اللعبة على الإنترنت 90 شخصاً فقط، ثم مع بداية هذا العام، وصل العدد إلى 300 ألف شخص، وارتفع إلى مليونين بعد فترة وجيزة. وقد حققت اللعبة مستوى شعبية بحيث قدرت الصحيفة قيمتها بأكثر من مليون دولار.

يقول المحاضر في جامعة مدينة برمينغهام، مارك بريل، في مقال نشره على موقع «كونفرزيشن» الأمريكي، إن جزءاً من قيمة اللعبة بالنسبة إلى المستخدمين، وناشري «نيويورك تايمز»، يكمن في بساطتها. فهي سريعة اللعب وسهلة الفهم وتوفر بضع لحظات من التشتيت المحفز. وبالنسبة إلى شخص لم يجربها بعد، هنالك 6 فرص للتوصل إلى الكلمة اللغز المكونة من خمسة أحرف. وبعد كل تخمين يتغير لون مربعات الحروف، لإظهار مدى اقتراب المحاولة من تلك الكلمة الغامضة.

مرة يومياً

اللعبة مصممة لتلعب مرة واحدة فقط في اليوم، والكلمة اللغز هي نفسها لجميع اللاعبين في أي مكان في العالم. حينها ينجذب اللاعبون إلى الشعور المشترك بالإنجاز ولا يشعرون بأنهم مدمنون أو يضيعون وقتهم.

قال بريل: إن أحد طلابه يبدأ يومه بلعبة «ووردلي»، وتكمن جاذبيتها في أنها توقظ ذهنه، كما أنها أفضل بكثير من تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو قراءة الأخبار. وهذه اللعبة التي باتت المعادل العقلي لوجبة إفطار صحية، حسب وصف بريل، تحولت في فترة زمنية قصيرة، بحيث استخدمت إحدى العلامات التجارية للبيتزا كما فرقة من فرق موسيقى الروك شبكة اللعبة المألوفة كجزء من مواردها التسويقية.

والتسويق هو في الأساس ما تفعله صحيفة «نيويورك تايمز» من خلال امتلاك «ووردلي» من مخترعها جوش واردلي. فالصحيفة لا تهتم بأحرف اللعبة، يقول بريل، بل من أجل استخدام شعبيتها لزيادة حجم جمهور الصحيفة على الإنترنت، ما تشير إليه المنصات الرقمية بمصطلح «الوصول».

وتعد «ووردلي» مفيدة بشكل خاص من حيث «الوصول»، نظراً للطريقة التي يشارك بها المعجبون نجاحاتهم وإخفاقاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا التطور الحيوي تم دمجه في ديسمبر عام 2021 بعد استخدام لاعبة في نيوزيلندا شبكة من مربعات إيموجي ملونة لإظهار تقدمها اليومي دون الكشف عن الإجابة. وتعمل المشاركة على تضخيم شعور المستخدم بالإنجاز، بالتزامن مع خلق شعور بالانتماء بين مجتمع «ووردلي»، وهذا المجتمع الآن بات قوة قوية في الحفاظ على أصالة اللعبة، وكان يزيد وعي الناس بوجود اللعبة.

 

نشر الكلمة

وقال مارك بريل: إن شركة فيسبوك (ميتا) أدركت إمكانية كسب جماهير كبيرة من خلال عمليات شراء بمليارات الدولارات لمنصات الوسائط الاجتماعي الشهيرة مثل «إنستغرام» و«وتس أب»، وتقوم «نيويورك تايمز» بشيء مماثل، إذ يمنحها امتلاك «ووردلي» فرصة لجذب ملايين الأشخاص، وكثير منهم يشكلون جزءاً من المجموعة السكانية المستهدفة، لزيارة موقعهم الذي سوف يستضيف اللعبة كل يوم. والتوقع هو أن يقرر عدد كبير منهم أن يصبح مشتركاً في «نيويورك تايمز».

فتحقيق وصول مشابه من خلال الإعلانات التقليدية المدفوعة سيكلف الصحيفة أكثر بكثير من سعر شراء «ووردلي»، ويهدف الناشرون إلى الحصول على 10 ملايين اشتراك بحلول عام 2025، لذا فإن شراء لعبة للمساعدة في هذا المسعى أمر منطقي تجارياً.

وهناك فرص تجارية أخرى أيضاً، فعلى الرغم من قول الصحيفة إنها تعتزم إبقاء اللعبة مجانية «في البداية»، يبدو أنها تبقي خياراتها مفتوحة لقنوات إيرادات مستقبلية. وهذا موقف مفهوم، يقول بريل، نظراً لأن صناعة الألعاب عبر الإنترنت بلغت قيمتها 93.2 مليار دولار أمريكي في عام 2021. «ووردلي» بوقت قصير، تناسب المجال الأسرع للنمو، والمعروف باسم «هايبر كاجويل»، بمعنى لعبة فيديو محمولة سهلة اللعب ومجانية وتتميز بواجهات مستخدم بسيطة للغاية، ويتم تمويلها عادة من خلال صفقات إعلانات مربحة. وفي هذا السياق، ونظراً لشعبيتها، يمكن اعتبار «ووردلي» من الأصول المهمة.

وتشمل الخيارات الأخرى لتحقيق الدخل من الألعاب عبر الإنترنت، جعل الناس يدفعون مقابل اللعب (بريميوم) أو تشغيل نسخة مجانية مع فرض دفعة مالية على ميزات إضافية متقدمة (فريميوم) أو إدخال الإعلانات ومبيعات المنتجات في المعادلة.

أشار بريل إلى أن لعبة «فارم فيل» قبل عقد من الزمن كانت اللعبة الأكثر شعبية على الإنترنت. وقد استخدمت نموذج «فريميوم» لتوليد إيرادات بلغت مئات الملايين من الدولارات، جاء قسمها الأكبر من بيع المنتجات الرقمية، أي إضافات مدفوعة للعبة نفسها. وكان هذا منطقياً بالنسبة للعبة مصممة للعب مرات عدة في اليوم، ولكن بالنسبة إلى نموذج المدة القصيرة لـ «ووردلي»، يبدو أن هناك مجالاً محدوداً للمنتجات الرقمية.

كما قد يؤدي إنشاء تطبيق مدفوع الأجر وإقناع اللاعبين بتحميله، إمكانية خسارة العديد من المستخدمين على الطريق. وتعد الإعلانات داخل اللعبة خياراً آخر أقل خطورة، ولكن قد يكون من الصعب تنفيذه، دون أن تعترض الإعلانات تجربة المستخدم الخالية من الإعلانات حالياً، وهو أيضاً عنصر أساسي في بساطة اللعبة وجاذبيتها الواسعة.

عليه، يقول بريل: قد يكون موفر الإيرادات الأكثر وضوحاً هو وضع اللعبة داخل جدار «نيويورك تايمز» أي الاشتراك، بأمل أن يتمكنوا من جذب الكثير من المستخدمين.

ومع ذلك، فإن أياً من هذه الخيارات يمثل تحدياً. وكما هو الحال مع العديد من الألعاب عبر الإنترنت، تمتلك «ووردلي» قاعدة مستخدمين مخلصين ونشيطين يتوقعون أن تظل لعبتهم سريعة وبسيطة ومجانية. وهناك مجازفة كبيرة أن تؤدي محاولات تحقيق دخل من «ووردلي» بما يتجاوز قدرتها على لفت الانتباه وإيقاظ الرغبة في شراء صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى تنفير المستخدمين ودفعهم إلى أماكن أخرى.

طباعة Email