أكد خليفة القامة رئيس منظومة البحث والتطوير والابتكار في مؤسسة دبي للمستقبل، أن مبادرة "ساندبوكس دبي" التي تم إطلاقها لدعم البيئة الابتكارية والتشريعية في دبي بالتعاون مع القطاعين الحكومي والخاص تشكل أحد أبرز المشاريع التحولية في مسيرة دبي الرئيسية لتحقيق أجندتها الاقتصادية (D33) التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لمضاغة حجم اقتصاد دبي ولتكون من أفضل 3 مدن اقتصادية حول العالم بحلول 2033.
وقال في تصريحات خاصة لـ "البيان" إن هذه المبادرة التي تشرف عليها مؤسسة دبي للمستقبل، تشكل منصة مركزية مبتكرة لدراسة التشريعات واللوائح التنظيمية في دبي وتحسين جاهزيتها المستقبل، وذلك بالتعاون مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة وبما يسهم بدعم ومواكبة المتغيرات المتسارعة في أنظمة العمل وتبني الابتكارات التكنولوجية الحديثة.
وأكد خليفة القامة أهمية دور "ساندبوكس دبي" في إشراك جميع الجهات المهنية من القطاعين الحكومي والخاص في آليات تطوير التشريعات وتسريع التحديث التنظيمي في مختلف القطاعات المهمة من خلال تهيئة البيئة المناسبة لدعم تبني التقنيات الحديثة والممارسات المبتكرة ونماذج العمل الناشئة وتعزيز مرونة الاقتصاد وأسواق العمل في دبي لتكون في طليعة الابتكار العالمي في تبني أحدث الممارسات وتقنيات المستقبل.
وحول كيف تغيرت العلاقة بين الابتكار والتنظيم في ظل تسارع تبني التقنيات الحديثة، وما دور “ساندبوكس دبي” في هذا التحول، قال القامة: يشهد الابتكار اليوم سرعة كبيرة في التطور، وهو ما يفرض على الجهات التنظيمية الاستجابة لهذا التطور بشكل أسرع وأكثر مرونة، وانتقلت العلاقة بين الابتكار والتنظيم من مرحلة "اللحاق بالركب" إلى مرحلة "التزامن الاستراتيجي"، فعلى سبيل المثال، استغرق ظهور قوانين السلامة الشاملة للسيارات نحو 60 عاماً بعد انتشارها الواسع، بينما يتم اليوم تطوير أطر تنظيمية لتقنيات معقدة مثل الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة خلال فترة تتراوح بين ثلاث إلى عشر سنوات فقط من ظهورها في السوق.
وأضاف: "فالانتشار التقني لم يعد يحتاج عقوداً كما كان في السابق، فبعض التقنيات القديمة مثل الهاتف احتاجت سنوات طويلة للوصول إلى نطاق واسع من المستخدمين، بينما وصلت أدوات حديثة مثل شات جي بي تي (ChatGPT) إلى نحو 100 مليون مستخدم خلال شهرين فقط من إطلاقها، وهذا يعكس تحوّلاً جوهرياً: الابتكار اليوم لا ينتشر محلياً وبشكل تدريجي فقط، بل يمكن أن يتوسع عالمياً وبسرعة كبيرة تفوق سرعة تبلور التشريعات، مدعوماً بالبنية الرقمية، ورأس المال الاستثماري، والمنصات العالمية، وسرعة تبني المستخدمين، وهنا بالتحديد تبرز القيمة الاستراتيجية لمبادرة "ساندبوكس دبي"، فبدلاً من الانتظار حتى تبلغ الابتكارات مرحلة الانتشار الشامل للبدء بالاستجابة التشريعية، يعمل ساندبوكس دبي على جمع المنظّمين والمبتكرين في بيئة تشغيلية آمنة وخاضعة للإشراف منذ اللحظة الأولى، هذا النهج يولّد أدلة واقعية تساهم في بناء أطر تنظيمية مرنة واستباقية، تسبق تشكّل الأسواق وترسّخها بدلاً من أن تكون مجرد رد فعل لها، وهذا هو جوهر التحول من التنظيم التفاعلي إلى التنظيم الاستباقي.
ورداً على كيفية اختلاف نموذج “ساندبوكس دبي” عن المختبرات التشريعية التقليدية، خاصة في طريقة عمله مع الجهات الحكومية، أوضح القامة: على عكس البيئات التجريبية التقليدية التي تُدار ضمن جهة تنظيمية واحدة، تم تصميم ساندبوكس دبي كمنصة مركزية تعتمد النهج الحكومي الشامل ضمن إطار عمل موحد يجمع مختلف الجهات الحكومية، أدركت دبي أن الابتكارات الحديثة لا تعترف بالحدود التقليدية بين القطاعات؛ فهي غالباً ما تكون عابرة للاختصاصات، ما يتطلب تنسيقاً مشتركاً بدلاً من الرقابة المتتابعة بين الجهات، وتوفر منصة ساندبوكس دبي إطاراً موحداً للتجريب، والتصاريح المؤقتة، وعمليات التقييم، بما يتيح للجهات التنظيمية والمبتكرين العمل والتفاعل بشكل جماعي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على عمق الخبرة المتخصصة بكل قطاع أو مجال، ومن خلال هذا النهج القائم على مفهوم “الحكومة الواحدة”، إذ تتعاون الجهات التنظيمية والمبتكرون بشكل جماعي، ويتشاركون الأدلة والبيانات والخبرات الناتجة عن التجارب ويساهم كل طرف بخبرته المتخصصة، بينما توفر ساندبوكس دبي بيئة متجانسة تجعل هذا التعاون الجماعي أكثر انسجاماً وكفاءة.
وأشار القامة إلى كيفية مساهمة “ساندبوكس دبي” في دعم الشركات المبتكرة وتقليل التحديات التنظيمية التي تواجهها عند التوسع، قائلاً: تشهد الساحة العالمية تدفقاً لابتكارات رائدة ونماذج أعمال ثورية تبحث عن بيئة تنظيمية مرنة لاحتضانها، وهنا تبرز دبي كوجهة مفضلة لهذه الطموحات، وتعد منصة "ساندبوكس دبي" ركيزةً أساسيةً في برنامج دبي للبحث والتطوير والابتكار، والذي يهدف إلى تحقيق أثر اقتصادي ملموس يتمثل في إضافة 20 مليار درهم سنوياً للناتج المحلي الإجمالي، ودعم تأسيس 600 شركة ناشئة تعتمد على الابتكار، فضلاً عن رفع مساهمة القطاع الخاص في البحث والتطوير لتصل إلى 50% بحلول عام 2034، يمنح ساندبوكس دبي المبتكرين بيئة منظّمة وآمنة لاختبار حلولهم وتطويرها وتقليل المخاطر التشغيلية تحت إشراف الجهات التنظيمية، والنتائج هنا ليست نظرية، بل مدعومة ببيانات عالمية؛ إذ تُشير الدراسات إلى أن التجريب المنظّم يُقلص حالة عدم اليقين التنظيمي ويُسرّع دخول الأسواق، ونشاط أوسع في تسجيل براءات الاختراع، مع ارتفاع فرص الحصول على التمويل بنسبة تصل إلى 50% .
مضيفاً: فضلاً عن ذلك، تُولد المشاركة في البيئات التجريبية مصداقية لدى المستثمرين؛ حيث أثبتت تجربة هيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة، أن 92% من الشركات التي أتمّت البرنامج نجحت في الحصول على تراخيص السوق الكاملة، فيما جمع خريجو البرنامج في المتوسط رأسمالاً أعلى بنسبة 15% مقارنةً بنظرائهم. تقدم دبي الموثوقية والمصداقية ذاتها، ولكن بميزة إضافية وهي "التكامل الحكومي الشامل"، مما ي وهذا يعزز مكانة دبي كوجهة لاختبار التقنيات ونماذج الأعمال المستقبلية، لا كمجرد سوق لتبنيها لاحقاً.
وأوضح: تعمل منصة ساندبوكس دبي عبر بيئات تجريبية متخصصة تمنح الابتكارات الوضوح التنظيمي اللازم للتوسع العالمي، وتغطي المنصة حالياً القطاعات الحيوية التالية: اقتصاد الوظائف الموسمية، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا العقارية، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الخضراء.
وأضاف: تتجسد فاعلية هذا النموذج في شراكات استراتيجية رائدة؛ حيث تعاونت المنصة مع أمازون الإمارات لاختبار خدمات التوصيل للميل الأخير سيراً على الأقدام، وأطلقت بالتعاون مع خمس جهات حكومية "ساندبوكس البيانات الصحية" الذي يتيح وصولاً آمناً لـ 11 مليون سجل صحي لتمكين حلول الذكاء الاصطناعي من تقديم تشخيصات وحلول دقيقة، كما تعمل المنصة مع دائرة الأراضي والأملاك لتعزيز شفافية القطاع العقاري، فيما أسست أولى شراكاتها الدولية مع مركز هامبورغ للذكاء الاصطناعي لتطوير معايير حوكمة عالمية مشتركة.
أما رحلة الانضمام والمشاركة فتبدأ بدعوة مفتوحة عبر الموقع الإلكتروني، تليها مرحلة تقييم دقيقة من لجنة مختصة تقيس جاهزية الحلول ومدى مواءمتها لمستهدفات دبي. وبمجرد القبول، يحصل المبتكرون على تسهيلات تنظيمية مخصصة وسقوف تجريبية آمنة، تضمن انتقالهم بسلاسة من مرحلة الاختبار التقني إلى التطبيق التجاري والانتشار في الأسواق.
وحول الدور الذي تلعبه “ساندبوكس دبي” ضمن برنامج البحث والتطوير والابتكار وأجندة دبي الاقتصادية D33قال القامة: يعد ساندبوكس دبي مكوّناً أساسياً ضمن برنامج دبي للبحث والتطوير والابتكار، ومساهماً مباشراً في أجندة دبي الاقتصادية D33، ويتضح تركيزها وتأثيرها في مرحلة التطبيق الفعلي، حيث يحدد الوضوح التنظيمي ما إذا كانت الاستثمارات ستتحول إلى أثر اقتصادي ملموس. ففي حين تدعم أدوات أخرى، مثل برنامج منح البحث والتطوير والابتكار، الاكتشافات والأبحاث في مراحلها المبكرة، يعمل ساندبوكس دبي كحلقة وصل لسد الفجوة بين الأفكار الواعدة والتطبيق الواقعي، من خلال توفير مسار واضح للمبتكرين للتوسع، وفي الوقت نفسه تزويد الجهات التنظيمية بالأدلة اللازمة لتمكين هذا التوسع بشكل مسؤول.

