كشف تقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي نمواً في الوظائف الخضراء بنسبة 8 % على مستوى العالم خلال السنوات الخمس الماضية.
 
كما قدرت منظمة العمل الدولية أنه بحلول عام 2030 يمكن للاقتصاد الأخضر أن يوفر نحو 24 مليون فرصة عمل لأصحاب المهارات الخضراء، ما يثبت أن التغيرات المناخية أثرت على وظائف المستقبل وألقت بظلالها عليها بطرق عدة، إذ إن زيادة التركيز على الاستدامة أدت إلى طلب متزايد على الخبراء في مجالات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا البيئية، كما أن تأثير الكوارث الطبيعية قد يؤدي أيضاً إلى ارتفاع الطلب على خبراء في إدارة الأزمات والتأمين.
 
وعلى الجانب الآخر، قد تشهد بعض القطاعات انخفاضاً في الوظائف نتيجة لتغيرات في الإنتاج والزراعة، ويتطلب التكيف مع هذه التحديات تطوير مهارات جديدة، مما يجعل التعليم وإعادة التدريب جوانب مهمة في تأهيل العمال لمستقبل متغير.
 
جهود إماراتية
 
وأكدت وزارة التغير المناخي والبيئة أن جهود دولة الإمارات في التحول نحو الاقتصاد الأخضر تسير بوتيرة متسارعة، وأشارت الوزارة إلى أنها تعمل على تسهيل نمو الوظائف الخضراء، والمساعدة في ضمان اتباع نهج ناجح في التحول إلى الاقتصاد الأخضر، عبر رفع الوعي العام بالمتطلبات المستقبلية للحفاظ على البيئة، وضمان استدامة مواردها الطبيعية وتنوعها البيولوجي، اعتماداً على الابتكار وتوظيف أحدث التكنولوجيات المتاحة وتحقيق نمو اقتصادي جيد في الوقت نفسه.
 
ووفقاً لتقرير «وظائف ومهارات التحول في الاقتصاد الأخضر لدولة الإمارات»، فإن الدولة تطمح لرفع عدد الوظائف الخضراء بحلول 2030 إلى أكثر من 86 ألف وظيفة من خلال تبني المزيد من الممارسات المستدامة لتشمل قطاعات أخرى من الاقتصاد.
 
وأطلقت الوزارة ضمن استراتيجيتها لدعم وتعزيز التحول نحو الاقتصاد الأخضر، تقرير وظائف ومهارات التحول في الاقتصاد الأخضر لدولة الإمارات العربية المتحدة «الممارسات العالمية والسياسات الوطنية»، والذي يمثل النتاج الأول لبرنامج الوظائف الخضراء للدولة الذي أطلقته الوزارة في عام 2017، كجزء من تنفيذ أجندة الإمارات الخضراء لعام 2030.
 
استراتيجيات
 
وأوضحت الوزارة أن الوظائف الخضراء تمثل أحد الأعمدة المهمة لهذه الجهود التي تستهدف تنويع الاقتصاد الوطني، لافتة إلى أنه مع توجه الدولة للتحول نحو اقتصاد أخضر، والذي يتمثل في استراتيجيات متعددة القطاعات مثل الأجندة الخضراء 2030 والخطة الوطنية لتغير المناخ 2050، ستلعب الصناعات والخدمات الخضراء دوراً أكبر في سوق العمل في الدولة.
 
حيث تعتبر الطاقة النظيفة، والمحافظة على الموارد والتقليل من التلوث من العناصر الأساسية في التحول إلى الاقتصاد الأخضر، كما أن دمج احتياجات سوق العمل في هذه القطاعات مع سياسة الحكومة أمر بالغ الأهمية لتحقيق النجاح.
 
وأشارت الوزارة إلى أن هناك إمكانات كبيرة للوظائف الخضراء في الدولة، حيث تم دمج تعزيز القوى العاملة الخضراء والمهارات في الخطة الخضراء لعام 2030 كجزء لا يتجزأ من جهود الدولة لتعزيز الاقتصاد الأخضر، ما يستدعي ضرورة تكثيف التعاون بين القطاعات كافة لضمان توافق المهارات الشابة مع السياسات والتوجهات العامة للدولة، والاحتياجات الاقتصادية والبيئية المستقبلية.
 
وذكرت الوزارة أن قطاع النفايات يعد مصدراً رئيساً للوظائف الخضراء في المستقبل، استناداً للتوجه الوطني لتحويل ومعالجة النفايات الصلبة والمحدد في خطط الدولة واستراتيجياتها، فيما يدعم قطاع الطاقة، وخاصة الطاقة الشمسية وكفاءة الطاقة، المزيد من الوظائف الخضراء.
 
حلول جديدة
 
وأوضح عدد من الخبراء والأكاديميين لـ«البيان» أن إحداث ثورة في مجال إعادة تشكيل المهارات أصبح مطلباً ملحاً، إذ إن تأثير التغيرات المناخية على وظائف المستقبل يظهر في تحولات في الاقتصاد وسوق العمل، مؤكدين أن الوظائف الخضراء رهان آمن، إذ إن زيادة التركيز على الاستدامة قد تفتح أفقاً لفرص عمل في مجالات الطاقة المتجددة وتكنولوجيا البيئة والابتكار، نظراً للحاجة المتزايدة لحلول جديدة للتحديات المناخية، وفي الوقت نفسه، قد تتأثر قطاعات مثل الزراعة والصناعات التقليدية بشكل كبير، مما يؤدي إلى تغيرات في الطلب على مهارات معينة.
 
وأشاروا إلى أن توفير المهارات الخضراء لا يواكب الطلب عليها، مؤكدين على دور الجامعات الحيوي والحاسم في تعزيز مهارات الوظائف الخضراء لدى الطلبة والخريجين، وتزويدهم بالمعرفة اللازمة للمساهمة في وظائف الاقتصاد الأخضر ومواجهة تحديات التغيرات المناخية، وذلك عبر 7 جهود وركائز أساسية، وهي:
 
إدراج مفاهيم الاستدامة والبيئة في المناهج الدراسية لتشجيع الطلاب على فهم تأثيرات التغيرات المناخية وكيفية مواجهتها، توفير برامج تخصصية في الدراسات العليا تركز على البيئة والاستدامة، تعزيز البحث العلمي والابتكار، تعزيز الشراكات مع الصناعات والمؤسسات ذات الصلة بالوظائف الخضراء لتحديد احتياجات السوق وضمان توافق المهارات التي يتم تدريسها مع احتياجات الصناعة، إشراك الطلبة في ورش العمل، توفير فرص تدريبية لهم في مجالات الاستدامة والوظائف الخضراء، تعزيز الوعي بأهمية المسؤولية الاجتماعية والبيئية.
 
وفي هذا السياق، قال الدكتور يوسف العساف رئيس جامعة «روشستر» للتكنولوجيا بدبي، إن مشاركة المؤسسات التعليمية في مؤتمر المناخ تمثل نقطة تحول حاسمة في إعداد جيل يدعم جهود الدولة في الحفاظ على البيئة وتزودهم بالمهارات اللازمة لاستدامة الموارد.
 
لافتاً إلى أن التغيرات المناخية تتطلب تطوير مهارات جديدة في مجالات مثل الهندسة البيئية وعلوم البيانات، وفي المجمل يتوقع أن تلعب مجالات الاستدامة والابتكار دوراً محورياً في خلق وتحسين وظائف المستقبل.
 
مهارات خضراء
 
من ناحيته، عرف الدكتور سعيد الظاهري، مدير مركز الدراسات المستقبلية بجامعة دبي، المهارات الخضراء بأنها القدرات والإمكانيات التي يمكن استخدامها لمراقبة التلوث والحد منه ومعالجته، وتعظيم إدارة وحماية المصادر الطبيعية التي تستخدم في المنتجات والخدمات.
 
وأكد الظاهري أن توفير المهارات الخضراء لا يواكب الطلب عليها ولايحقق أهداف الاستدامة، إذ تعاني من نقص عالمي، ومن المتوقع تزايد هذا النقص خلال السنوات الخمس القادمة، بحسب ما أشار تقرير المهارات الخضراء العالمي الصادر عام 2022 عن منصة «لينكدإن»، مشيراً إلى أن أحد أسباب النقص العالمي في المهارات الخضراء يعود إلى قلة البرامج الأكاديمية المتخصصة، ونقص التدريب المهني.
 
وتحدث البروفيسور تادج أودونوفان، نائب رئيس جامعة «هيريوت وات» في دبي، عن دور قطاع التعليم في تحقيق أجندة دولة الإمارات العربية المتحدة في الاستدامة، لافتاً إلى أنه وفقاً للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، فإن القطاع الصناعي يعد ثاني أكبر مساهم في غازات الاحتباس الحراري، حيث يمثل حوالي 30 % من الانبعاثات العالمية و40 % من استهلاك الطاقة العالمي.
 
بدوره، أكد الدكتور ستيفن ويلكنسون، أستاذ مشارك ورئيس مجموعة أبحاث المدن الذكية والمستدامة في جامعة «ولونغونغ» في دبي، أهمية دور الجامعات في إعداد الطلبة لشغل الوظائف الصديقة للبيئة.
وشددت الدكتورة رهف عجاج، أستاذ مساعد في الصحة البيئية والسلامة بكلية العلوم الصحية في جامعة أبوظبي، على ضرورة تحديث المناهج التعليمية، وجعلها أكثر شمولية عن طريق إدخال العلوم البيئية، والتنمية المستدامة، وممارسات الأعمال الخضراء.
 
من جهته، أكد الدكتور محمود عز، الخبير الدولي في حملات التوعية الاجتماعية وتعديل السلوك المجتمعي، على ضرورة خلق الوعي بأهمية المهارات الخضراء ووضع السياسات المناسبة لتحفيز سوق العمل على تعزيز الوظائف الخضراء، وتركيز استخدامها في العديد من القطاعات وعلى رأسها الطاقة المتجددة.