يرى الكثير من المراقبين السياسيين والأمنيين أن سنة 2013 هي الأسوأ في العراق، أمنياً وسياسياً وخدمياً، منذ سنة 2008، التي أعلنت فيها نهاية الحرب الطائفية «رسمياً»، ولكنها لم تنتهِ عملياً، بل استمرت في «غير المعلن عنه»، والذي تغطيه بعض مجاملات السياسيين، لتتفاقم مجدداً وتبرز بالشكل الأكثر عنفاً في 2013، وسط أزمة سياسية خانقة تعصف بالبلد، منذ بدء تشكيل الحكومة الحالية «الناقصة» في 2010، وتردٍّ في الخدمات الأساسية منذ الغزو الأميركي عام 2003، من دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل لإيقاف طاحونة القتل اليومي التي تحصد أرواح العراقيين.
ويربط المراقبون السياسيون تفاقم أحداث العنف أو انخفاض حدتها، بطبيعة العلاقات بين أطراف «العملية السياسية»، فكلما تلوح بادرة تقارب، ولو كانت بسيطة، تنخفض مستويات العنف، بينما تتصاعد مع تصاعد الخلافات، ما يعطي انطباعاً بأن أقطاب القتل والقتل المقابل، غير بعيدين عن مجريات الوضع السياسي، والعلاقات بين الشركاء المتخاصمين..
ولعل من مؤشرات ذلك، لقاء النجيفي والمالكي، في اجتماع مجلس عمار الحكيم، ومؤتمر ميثاق الشرف ومبادرة الخزاعي، وغيرها من اللقاءات التي خففت إلى حد ما من حدة التوتر في الشارع، والاقتتال، بينما أشعلت حادثة اقتحام مكتب وزير المالية رافع العيساوي واعتقال أفراد حمايته في ديسمبر 2012، فتيل أزمة وأعمال عنف ما زالت تتفاقم لحد الآن.
وتفيد مصادر سياسية وإعلامية، بأن وتيرة أعمال العنف أخذت ترتفع تدريجياً منذ شهر يناير من العام المنصرم، بعد حادثة العيساوي، ونتيجة التأثيرات السلبية للأزمة السياسية بين الكتل المتصارعة، والتظاهرات والاعتصامات المناوئة للحكومة التي انطلقت في محافظات ذات أغلبية سنية.ويرى المحلل السياسي صباح الشيخ، أن أعمال العنف تفاقمت واشتدت بعد عملية الاقتحام التي نفذتها قوة خاصة تابعة لوزارة الداخلية، لساحة اعتصام الحويجة، في أبريل الماضي..
والتي نتج عنها مقتل وإصابة العشرات من المعتصمين، مبيناً أن هذا الاقتحام عزز الشد الطائفي بين السنة والشيعة، لأن المعتصمين من السنة، والقوة المهاجمة يهيمن عليها الشيعة، كما أن الهجمات التي نفذت على القوات الأمنية في عموم المناطق السنية بعد اقتحام ساحة الاعتصام في الحويجة، زادت من الهوة بين هذه القوات وأبناء تلك المناطق التي بدأ البعض يراها بأنها قوات جاءت للتضييق عليه، وليس لحمايته كما ينص على ذلك الدستور العراقي.
مصالحة مؤقتة
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي محمد جواد، فإن هذه الحادثة وما تلاها من هجمات ضد القوات الأمنية، صعّدت أعمال القتل والعنف حتى بدأت معدلاتها تقارب تلك التي بلغتها في سنوات النزاع الطائفي بين العامين 2006 و2008، ما دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من عودة الاقتتال الطائفي في البلاد، داعية القادة العراقيين إلى التحرك بجدية لإيقاف هذا التدهور الخطير.
وبعد أن بلغت أوجه الشد الطائفي ذروتها وسط تراشق إعلامي واتهامات متبادلة بين السياسيين من كل الفئات، رعى رجل الدين الشيعي عمار الحكيم، زعيم المجلس الإسلامي الأعلى، في الأول من يونيو الماضي اجتماعاً رمزياً لقادة العملية السياسية، وعلى رأسهم رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس البرلمان أسامة النجيفي وقادة الكتل والأحزاب، في محاولة لإخراج العراق من أزمته السياسية والأمنية.
وإثر هذه المبادرة انخفضت أعمال العنف مقارنة بالأشهر التي سبقتها، وبدأ الهدوء يعود إلى الشارع العراقي.
هروب السجناء
لكن موجة العنف عادت أعنف من قبل، بعد هروب أكثر من 500 قيادي وعنصر في تنظيم القاعدة، من سجني أبي غريب والتاجي غربي وشمالي بغداد، في 21 من يوليو، حيث شهد العراق بعدها عشرات الهجمات الدامية، بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة والهجمات الانتحارية، حملت غالبيتها طابعاً طائفياً، واستهدفت كل أوجه الحياة، من الأسواق والمساجد وحفلات الزفاف، مروراً بالمدارس والمقاهي والمطاعم وملاعب كرة القدم، ومجالس العزاء، لتعميق الفتنة الطائفية.
وزادت المخاطر الأمنية التي يواجهها العراق، بعد اندماج فرعي تنظيم القاعدة في العراق وسوريا، وتشكيلهما تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام»، والتي تبنت تنفيذ العديد من الهجمات الدامية بما فيها هجمات في أربيل عاصمة إقليم كردستان، شمالي العراق، الذي يتمتع بوضع أمني أفضل بكثير من بقية المحافظات العراقية، فضلاً عن اقتحام بعض الدوائر المهمة، كما حصل أخيراً في تكريت وكركوك.
وفي محاولة من الرئاسة العراقية للتصدي للعنف الطائفي المتزايد، وقع عدد من قادة العملية السياسية في سبتمبر الماضي على وثيقة شرف وسلم اجتماعي، نصت على اعتماد الدستور مرجعاً أساسياً ومعياراً، ومعالجة الخلافات التي قد تستجد أو تحصل في المشهد السياسي، بشكل توافقي وبما لا ينتقص من الصلاحيات الدستورية للسلطات ذات الاختصاص، لكن هذه الوثيقة لم تحقق أهدافها في الحد من العنف الطائفي، حيث واصلت دوامة العنف دورانها وهي تحصد المزيد من أرواح العراقيين.
دور الميليشيات
وفي هذا الصدد، يرى القيادي الكردي شوان محمد طه عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، أن «المشهد الأمني في العراق سيئ ويتجه نحو الأسوأ، لأن زمام المبادرة في يد المجاميع المسلحة، وليس عند المنظومة الأمنية والدفاعية».
