لم يسبق، أو ربما ندر، أن كانت ماكينة الحكم الأميركية متعثرة ومتثاقلة كما كان حالها خلال العام الذي غابت عنا شمسه. كما لم يسبق أن تساوى البيت الأبيض مع الكونغرس في التخبّط وضحالة القرار وقصوره، داخلياً وخارجياً. كلاهما كان "بطة عرجاء"، حسب التعبير المعروف في واشنطن، يجمع بينهما العجز. الأول لا يحسم ووقع في أكثر من سقطة صنعها بيده، تسببت في ضمور رصيده وصورته.
والثاني منقسم بشكل عمودي حاد، أصابه بالشلل وبما وضعه في حالة من البطالة: الحزب الديمقراطي غير قادر على الإنجاز لأنه يفتقر للأكثرية في مجلس النواب، والحزب الجمهوري ـ شبه منشق على نفسه في الأيام الأخيرة، بعدما انفجر الخلاف علناً بين جناحه المتشدّد المعروف باسم "حزب الشاي" وبين قيادته التقليدية ليس له من عمل سوى ممارسة التخريب والعرقلة لأجندة أوباما.
العام الأسوأ
تأزم العلاقة بين الرئيس والكونغرس، قاد إلى التعطيل. ربما حال الرئيس أوباما ما زال نسبياً أفضل من حال مجلسي الشيوخ والنواب، من حيث الأداء والرصيد، لكنهما في نفس الخانة من حيث الخلل في البوصلة والالتباس في الوجهة. ولهذا يكاد يجمع المراقبون على تصنيف عام 2013 بأنه الأسوأ في تاريخ أميركا، بالنسبة للكونغرس؛ والأكثر هبوطاً في رئاسة أوباما، وربما في المتبقي منها..
فما فاته قد لا يقوى على تعويضه خلال السنوات الثلاث القادمة من ولايته الثانية. ولذلك يتقاطع مختلف التقييمات الأميركية عند القول بأنه كان عاماً أميركياً ضائعاً بامتياز، فاقم أزمة الحكم وأدى إلى تآكل ثقة الرأي العام الأميركي به وبصنّاع القرار، حيث وصلت إلى أدنى مستوياتها: رصيد الكونغرس بين 9-11%، وهي نسبة غير مسبوقة. والرئيس أوباما نزل إلى ما بين 39 و41%، وفق آخر الاستطلاعات.
بدأ البيت الأبيض العام المنصرم بانطلاقة جديدة، فجاء بتركيبة وزارية واعدة، أو هكذا بدت، لولايته الثانية. تمكّن من حمل الكونغرس على معالجة أزمة تمويل الموازنة، ولو بصورة مؤقتة حتى أواسط الربيع، وأعطى إشارات على أنه يعتزم وضع استراتيجيته "الكبرى" للشرق الأوسط موضع التنفيذ. لكن ما أن انقضى الربع الأول من السنة، حتى بدأ التخبّط يظهر على سياسة الإدارة.
ازدواجية المواقف
وقد برزت التعبيرات الأولى في الموقف المزدوج من التطورات المصرية، ثم من الإطاحة بحكم الإخوان الذين راهن البيت الأبيض في البداية على إمكانية التعامل معهم. لكنه بعد التغيير اتسم موقفه بالالتباس: مع وضدّه في آن. فكان أن تزعزعت العلاقات مع مصر، ثم انسحب هذا التزعزع على علاقات واشنطن مع دول الخليج، والتي ازدادت اهتزازاً في أعقاب الصفقة التي عقدتها الإدارة مع طهران بخصوص النووي الإيراني.
وكان الرئيس أوباما قبل ذلك قد أطلق تحذيره الشهير لسوريا، المعروف بـ"الخط الأحمر" الكيماوي، وعندما جاءت لحظة اختبار التحذير، سقطت الإدارة في الامتحان، فتراجعت بعد تردّد، عن العملية العسكرية. الرئيس أوباما سارع إلى التبرؤ من كلامه: "لم أضع الخط الأحمر، المجتمع الدولي وضعه"! هروب فاقع وضعه في الزاوية وكشف عن ضعف في جدّية قراراته، كما أعطى خصومه المزيد من الذخيرة لاستضعافه. كل ذلك كان مدار انتقادات كثيرة في واشنطن، بل إن التبرّم شمل بعض مؤيديه ومحازبيه في الكونغرس ووسائل الإعلام.
من المآخذ أن الرئيس أوباما يتصرف أحياناً وكأنه لا يعني ما يقول، أو كأنه على غير دراية كافية ودراسة وافية بشأن قضايا وأمور حساسة لا تحتمل الخطأ. ليس فقط في السياسة الخارجية، بل أيضاً في الشؤون الداخلية.
وتبدّى ذلك بأوضح صوره في عملية التحضير لوضع قانون الرعاية الصحية موضع التنفيذ في أول يناير القادم، والتي رافقتها أخطاء حوّلت هذا الإنجاز إلى عبء على الرئيس، بدلاً من أن يكون العلامة الفارقة لرئاسته، باعتباره ارتبط باسمه كأول مشروع من نوعه وشموله في تاريخ أميركا.
فقد وعد الأميركيين بأنه في ظلّ التأمين الصحي الجديد يحق لكل مواطن اختيار طبيبه المفضّل، وتبيّن أن ذلك غير صحيح. بدا وكأنه "كذب" على الناس، سمّوها "كذبة" السنة. وزاد الطين بلّة، إخفاق الموقع الإلكتروني المخصص للتسجيل في قبول طلبات المشتركين، مما زاد من الإحباط والارتياب بصدقية الرئيس.
تذبذب وتعثر
أما الكونغرس فقد كانت حالته أسوأ، إذ تميّز بالقحط في الإنتاج والمشاكسة في الأداء. طوال العام لم يصدر عنه سوى 55 قانوناً، ولم يسبق في تاريخه أن عرف مثل هذا الشحّ التشريعي. عاند في موضوع تمويل الموازنة، خاصة مجلس النواب، وأدّى رفضه إلى تعطيل العمل الحكومي لمدة 16 يوماً.
وكاد أن يمانع في رفع سقف الديون، ويجبر الخزينة الأميركية على إعلان عجزها عن تسديد موجباتها، وبالتالي التسبب في أزمة مالية عالمية. دفع من رصيده، وخاصة الجمهوريون، ثمناً لسياسة الإعاقة، لكن المعيقين ما زالوا على إصرارهم لوضع العصي في دواليب أجندة الرئيس، وليس من المتوقع أن يطرأ تحسّن على علاقة البيت الأبيض بالجمهوريين، وتتحول المناكفة بينهما إلى تعاون.
قيل الكثير في أسباب تذبذب السياسة الخارجية وتعثر معالجة الشؤون الداخلية الأميركية. تقاطعت المداولات عند تفسيرات تراوحت بين "خطأ الحسابات وضبابية التوجّه"، في المجال الخارجي، خاصة في الشرق الأوسط؛ وبين "التنافر الأيديولوجي وشخصنة العلاقة، فضلاً عن الخلل في آليات النظام الأميركي"، على صعيد إدارة الشؤون الداخلية.لكن ذلك كله ليس سوى عوارض لأزمة أعمق تطول التوجهات الأساسية للدولة، ومن هنا تعذر الحلول واقتصار التعامل مع الاستحقاقات على شراء الوقت والتأجيل، كما هو جارٍ الآن.. وحتى إشعار آخر ليس بقريب.

